هل يتجاوز «ابن سلمان» أزمته الاقتصادية بـ«مص دماء» الوافدين؟

هل يتجاوز «ابن سلمان» أزمته الاقتصادية بـ«مص دماء» الوافدين؟

01:26 ص

20-ديسمبر-2017

وأمام هذا الواقع بات "بن سلمان" أمام معضلة توفير الأموال لتعويض الخسائر، خاصةً في ظل استمرار أمد الصراعات الإقليمية دون أي أفقٍ للحسم العسكري، بل وميل كفّة هذه الصراعات لصالح خسارةٍ سعوديةٍ محققة

"دقت ساعة التحصيل"..

بهذا المضمون بشَّرت الصحف المحلِّية السعوديين بعهدٍ اقتصادي جديد في إطار برنامج التحول الوطني 2020، الذي يعد جزءًا من رؤية المملكة 2030، والتي طرحها ولي العهد، الأمير "محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود"، باعتبارها أهم مشروعاته الداخلية.

وفي هذا الإطار، وضع فريق "بن سلمان" خطةً مالية تستهدف تحقيق التوازن بين نفقات وإيرادات الموازنة العامة، وذلك بعدما أصبحت السعودية ضمن فئة الدول التي تعاني من عجزٍ سنوي، الأمر الذي دفع حكومتها للاقتراض الخارجي، لأول مرة في تاريخها، في أكتوبر 2016.

ويعود هذا العجز إلى الانخفاض الحاد في أسعار النفط تزامنًا مع تورّط السعودية في العديد من جبهات الصراع الإقليمي مع إيران، والتي بلغت حد تمويل "مجهود عسكري" سواء بشكلٍ غير مباشر، كما جرى في سوريا، أو بشكلٍ مباشر، كما هو الحال في اليمن.

وأمام هذا الواقع بات "بن سلمان" أمام معضلة توفير الأموال لتعويض الخسائر، خاصةً في ظل استمرار أمد الصراعات الإقليمية دون أي أفقٍ للحسم العسكري، بل وميل كفّة هذه الصراعات لصالح خسارةٍ سعوديةٍ محققة (طالع تحليل القصة حول أفق حرب اليمن بعد اغتيال "علي عبد الله صالح").

مصادرٌ ثلاثة

وباستقراء واقع خطوات فريق الحكم السعودي الجديد، بقيادة ولي العهد، يمكن تحديد أهم المصادر التي تقرر اعتمادها لتعويض الخسائر، سالفة الذكر، وهي: خزائن بعض الأمراء والوزراء وكبار رجال الأعمال، وفرض رسومٍ تصاعدية على العمالة الوافدة بالمملكة ومرافقيها حتى عام 2020، وإنشاء أكبر صندوقٍ سيادي للاستثمار في العالم، بهدف تحرير الاقتصاد السعودي من أحادية الاعتماد على النفط كموردٍ أساسي.

وتمثل هذه المصادر الثلاثة مقومات النجاح لأهم مشاريع "الاقتصاد السياسي" لفريق الحكم الجديد بالمملكة، إذ يستهدف "بن سلمان"، من خلالها، بناء اقتصادٍ "محلي - صلب" من جانب، وتقليم جميع الأشخاص المتوقع تمثيلهم لأي درجة معارضة لمشروع حكمه الجديد ووراثته للسلطة فيما بعد، من جانبٍ آخر.

وفي هذا السياق، أعلن النائب العام السعودي، الشيخ "سعود المعجب"، أن المبلغ المتوقع لـ "التسويات" الجارية مع الموقوفين في فندق ريتز كارلتون – الرياض يصل إلى 100 مليار دولار، وهو مبلغٌ كفيلٌ بإعادة الموازنة السعودية خارج إطار العجز مرةً أخرى.

ومن المستهدف تحصيل 24 مليار ريال في عام 2018، من برنامج المقابل المالي للعمالة الوافدة في السعودية في إطار خطة "بن سلمان" لـ"سعودة" الاقتصاد، بواقع 400 ريال شهريًا عن كل عاملٍ وافد، إذا كان في منشأةٍ أغلب العاملين فيها من الأجانب، أو 300 ريال شهريًا إذا كان في منشأةٍ عدد العمالة الوافدة بها أقل من السعودية، فيما سيدفع كل مرافقٍ لهؤلاء العاملين 200 ريال شهريًا.

وبإضافة العوائد المتوقعة من طرح نسبةٍ من أسهم شركة النفط السعودية العملاقة (أرامكو) في البورصات الدولية، والدخل المنتظر في مشاريع صندوق الاستثمار السيادي، قد يبدو للمتابع أن خطة "بن سلمان" لأهم مشاريعه الداخلية على الإطلاق تسير بالاتجاه الصحيح، وهو ما روَّجت له الصحف المحلية بالفعل.

صورةٌ مجتزأة

لكن واقع "الصورة الكاملة" للاقتصاد السعودي ليست على هذا النحو المجتزأ، إذ أن تقديرات تكلفة الحرب في اليمن وحدها تصل إلى 87 مليارًا و560 مليون دولار (بما لا يشمل الخسائر غير المباشرة المتعلقة بزيادة الإنفاق العسكري والنقص في احتياطي النقد الأجنبي)، أغلبها من الحسابات الخاصة بولي العهد وفريق حكمه، وغير المدرجة رسميًا ضمن الموازنة العامة، ما يعني أن التحصيل المتوقع من ريتزكارلتون لن يكون كافيًا لسدادها.

كما أن العجز المُعلَن بالموازنة لعام 2017 (بعد تخفيضه) يصل إلى 121.5 مليار ريال، ما يعني أن التحصيل المُتوقَّع من عملية "السعودة" الاقتصادية وفرض رسومٍ على العمالة الوافدة ومرافقيها لن يُغطِّي سوى النذر اليسير منها.

وبإضافة العديد من المؤشرات الدولية التي تتوقع فشل الأهداف المرجوة من مشاريع صندوق الاستثمار السيادي، خاصةً بعد عزوف الكثير من المستثمرين بسبب الطريقة التي أدار بها "بن سلمان" ما سماها حملة مكافحة الفساد بالمملكة، وأوصلت رسالةً مفادها أن درجة الأمان المتوقعة لهم داخل المملكة ستكون ضئيلةً للغاية، يمكن القول بأن أهم مشاريع "بن سلمان" داخليًا في طريقه لنفس مصير مغامراته الإقليمية.

بعدٌ استراتيجي

ولأن المشروع ذو بعدٍ اقتصادي – استراتيجي، يُروِّج بعض مؤيدي "بن سلمان" وفريقه إلى أن أهداف المشروع أبعد من مجرد التحصيل المالي المُتوقَّع منه، إذ يمثل بناء اقتصادٍ وطني قائمٍ على عقول وسواعد أبناء المملكة هدفًا استراتيجيًا لا يقل أهمية.

غير أن مؤشراتٍ أخرى عديدة تصب باتجاه فشل تحقيق هذا الهدف أيضًا، إذ من شأن فرض الرسوم، سالفة الذكر، التأثير سلبًا على نحو 20 مليون وافدٍ يعملون بالمملكة، في مقابل وضع السعوديين بشكلٍ عام أمام اختبار تسيير مؤسسات العجلة الاقتصادية بأنفسهم، خلال مدةٍ قصيرة، وتحديدًا بعد عام 2020.

وإزاء التأثير والاختبار ثمة مؤشراتٍ واضحة على إخفاق هذه الخطة، سواء عبر تناقصٍ حادٍّ مُتوقَّع للعمالة الوافدة من جانب، أو التحايل على خروجها من المملكة بـ "سعودةٍ وهمية"، من جانبٍ آخر.

ومن شأن الحالة الأولى (خروج العمالة) تناقص الإيراد المتوقع من الرسوم المفروضة، بعكس تقديرات واضعي الخطة من فريق "بن سلمان"، فيما تمثل السعودة الوهمية (عبر تعيين مواطنين في وظائف لا يجيدونها كي تمرر الشركات أوراقها رسميًا، مقابل استمرار عمالةٍ أجنبيةٍ تعمل من الباطن).

كما أن الاقتصاد السعودي سيعاني من الضرر في كل المجالات والقطاعات التجارية جراء تناقص أعداد مليونية من المشترين بشكلٍ حاد، حيث ستترك الأسر المغادرة فجوةً كبيرة لتتراجع حجم المبيعات والاستهلاك.

وبإضافة أن العديد من المواطنين السعوديين، من أصحاب الشركات أو المؤسسات، سيضطرون إلى سداد رسوم من تبقَّى من العمالة الوافدة لديهم، بسبب وصولها إلى مستوياتٍ غير واقعية مستقبلًا (800 ريال شهريًا عن كل عامل عام 2020)، يمكن القول بأن "أزمةً جديدة" تلوح في أفق الاقتصاد السعودي، وليس فشل خطة "بن سلمان" فقط، خاصةً أن هناك قطاعات كبيرة من سوق العمل تسيطر عليها العمالة الوافدة.

سعودةٌ وهمية

ومن أهم نماذج هذه الأزمة قطاعات: الذهب والاتصالات والصحافة، إذ يحرِّر محتوى أغلب الصحف السعودية محررين "مصريين" من مكاتب بالقاهرة، وبعضهم يعمل من مقرات هذه الصحف الرئيسية بالرياض، والتي يقتصر دور العديد منها على الجانب الإشرافي.

أما قطاع الذهب فتجربة 16 عامًا، منذ أن شرعت الحكومة السعودية في أول محاولةٍ لتوطينه، كفيلة بتقديم مؤشرات على القرار الأخير بسعودة القطاع كليًا.

فقد لجأ الكثير من تجار وملاك محال الذهب إلى تخفيض متوسط عدد العاملين في المتجر من خمسةٍ إلى اثنين، كلاهما "وافد" في الغالب، لكن بـ "زي سعودي" في محاولة للتحايل على حملات التفتيش التي تسيرها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية.

البعض الآخر لجأ إلى إغلاق محله لعدم تمكنه من صيغة التحايل، سالفة الذكر، أو غيرها، بما يعني ضررًا اقتصاديًا آخر لم يكن في حسبان واضعي خطة "الإصلاحات" التي اعتمدها ولي العهد.

وفي قطاع الاتصالات، تأخذ عملية التحايل تلك طابعًا مغايرًا، عبر توظيف عمالةٍ سعوديةٍ "وهمية" في واجهة محلات الصيانة، وتمرير الأجهزة المراد إصلاحها إلى "شقق" يعمل بها الوافدون من الباطن.

يعود ذلك كله إلى أن وجود نحو 20 مليون عاملٍ أجنبي بالسعودية جعل منهم عصب الاقتصاد الرئيسي، بما يعني أن أي محاولةٍ لإخراجهم من المملكة بشكلٍ سريع، على نحو ما هو وارد في خطة "بن سلمان"، محكوم عليها بالفشل من زاويتين:

الأولى: تتمثل في سيطرتهم الفعلية على العديد من القطاعات الاقتصادية.

والثانية: تتمثل في قلة أعداد المؤهلين من الشباب السعودي، الذين اعتادوا الوظائف الإشرافية بالقطاع الخاص، أو تلك الحكومية، التي هي أشبه ببطالةٍ مُقنَّعة.

فشل التحول

هذا يعني أن كلا الهدفين، المالي والاستراتيجي، من خطة التحول الاقتصادي في طريقه للفشل، بعكس ما تروِّج له الحالة الإعلامية الموجهة حكوميًا بالمملكة.

بدايات هذا الفشل بدت واضحةً من إعلان تأجيل هدف تحقيق التوازن المالي (سد عجز الموازنة السعودية) إلى عام 2023 بدلًا من عام 2020 كما كان مُعلنًا من قبل فريق "بن سلمان".

ومن هنا يمكن قراءة مغزى التقرير الذي نشرته وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية في أكتوبر الماضي بشأن دلالة أرقام الاقتصاد السعودي، مؤكدةً " فشل الجهود الرامية لتنويع الاقتصاد، والتي تقع في إطار رؤية 2030، التي أعلنها ولي العهد"

ولعل ذلك ما يفسر تواتر الأنباء عن أفواجٍ جديدة من الأمراء والوزراء وكبار رجال الأعمال على "ريتز كارلتون - الرياض" في محاولةٍ، تبدو يائسةً، لـ "حلب" هذا المورد المالي حتى آخر قطرة.