الناجيان «صبحي» و«عبدالغفار».. كيف وقع هجوم العريش؟ وما دلالاته؟ وبيد من؟

الناجيان «صبحي» و«عبدالغفار».. كيف وقع هجوم العريش؟ وما دلالاته؟ وبيد من؟

02:10 ص

20-ديسمبر-2017

تطور جديد على جميع المستويات في مواجهة التنظيمات المسلحة في سيناء، بهجوم العريش الذي تزامن مع زيارة وزيري الدفاع والداخلية، بعد أقل من شهر على وعيد السيسي باستخدام القوة الغاشة وتكليفه لرئيس الأركان بإحلال الأمن هناك خلال 3 أشهر.

ربما يم يكن يتوقع أكثر المتشائمين بشأن الأوضاع الأمنية في شمال سيناء، أن يستهدف أحد التنظيمات المسلحة مطار العريش، ليس هذ فحسب، بل تزامنًا مع زيارة وزيري الدفاع والداخلية للمدينة وتفقدهما القوات المرابطة هناك.

وعلى الرغم من عدم إعلان اي تنظيم حتى الآن مسؤوليته عن الحادث، إلا أن أصابع الاتهام تشير إلى تنظيم داعش "ولاية سيناء".

الحادث يفتح الباب على مصراعيه أمام مجموعة من التساؤلات وعلامات الاستفهام بشأن تزامن قصف المطار مع زيارة الوزيرين، والرسائل التي يريد المسلحون في سيناء توصيلها للسلطة، ودلالات التوقيت والهدف.

هل استُهدف الوزيران؟

ربما لم يكن استهداف مطار العريش من قبل التنظيمات المسلحة في سيناء سابقة، لكن العملية عل هذا النحو تعد الأولى من نوعها لاستهداف وزيرين يمثلان أمن البلد وقوة النظام وسيطرته على الأوضاع.

هذه الدلالة في حد ذاتها مليئة بالرسائل الرمزية، حيث لم يكن المستهدف مسؤولًا عاديًا أو حتى مجموعة جنود أو ضباط لكنهما رمزا الأمن والأمان في مصر، ومن بيدهما مفاتيح السلطة والقوة المسلحة بالبلاد.

ربما تحيل هذه الجزئية إلى تساؤل غاية في الأهمية: هل كان الوزيران هما المستهدفان بالفعل؟ أم تصادف وجودهما هناك؟، وهل كانا يتواجدان بمطار العريش قبل أو أثناء استهدافه بالقذيفة الصاروخية؟، أم أنهما كان منخرطين في جولتهما على قوات تأمين شمال سيناء التابعة لكل منهما؟.

الحديث عن المصادفة ربما يكون غير منطقي، على الرغم من سرية الزيارة وعدم الإعلان عنها في وقت سابق، ما يثير الجدل حول علم المتورط في استهداف المطار بتوقيتها.

في هذا السياق يبدو ملمحان ربما يقددمان تفسيرًا وإجابة على التساؤلات السابقة، أولهما الذي نشرته القناة الرسمية لوزارة الدفاع على يوتيوب، ويظهر وصول الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع واللواء مجدي عبدالغفار وزير الداخلية إلى القاهرة بعد ساعات من الإعلان عن استهداف مطار العريش.

التعليق الصوتي على المقطع، الذي لم يتجاوز 22 ثانية، لم يُشر من قريب أو بعيد إلى الهجوم، واكتفى بالقول إنهما عادا بعض جولتهما التفقدية لعناصر القوات المسلحة والشرطة المتمركزة بقطاعات التأمين بنطاق شمال سيناء.

وكان لافتًا نزول الوزيرين في أحد المطارات العسكرية من طائرة مروحية تابعة للقوات المسلحة، وكان في استقبالهما الفريق يونس المصري قائد القوات الجوية، وعدد من قادة الجيش، بينما غابت أية قيادات شرطية عن لحظة الاستقبال رغم بديهية الأمر لوجود وزير الداخلية بجانب وزير الدفاع، كما لم يتبين هل كانت الجولة التفقدية تضم أحد المسؤولين غير الوزيرين أم اقتصرت عليهما بالإضافة إل القادة الميدانيين هناك.

الفيديو يزيد الشكوك المثارة بشأن تعرض الوزيرين للاستهداف بشكل شخصي، وتبدو الرسالة الأبرز المراد توصيلها أنهما بخير ولم يمسهما سوء، لكن ربما يقول قائل أنه كان من الممكن الانتظار إلى صباح الغد وتصويرهما من مكان عمليهما للتدليل على سلامتهما.

لكن النشر السريع للفيديو على هذا النحو، فضلًا عن الغضب الذي بدت عليه ملامح الوزيرين والتجهم يعززان من ترجيح احتمالية أنهما كانا المستهدفين بالفعل في الهجوم وأنهما تواجدا بشكل أو بآخر تزامنًا مع الهجوم وتم نقلهما على وجه السرعة وسط اشتعال الموقف هناك إلى القاهرة، ليصبح التوصيف الأكثر تعبيرًا عن الواقع، أنهما نجيا من الهجوم.

الإعلامي المقرب من السلطة "عمرو أديب" شكل الملمح الثاني الذي يقدم تفسيرات تعد منطقية لحقيقة ما حدث بمطار العريش، حيث تساءل في حلقة من برنامجه "كل يوم" على فضائية "أون إي": "هذا المطار كان فيه وزير الدفاع والداخلية وبعد ما مشيوا تم الهجوم بالقذيفة على هذا المطار.. حاول تتخيل أنهما لو كانا موجودين.. عواقب هذا الحادث كيف كانت ستكون؟".

وتابع: "لماذا تم استهداف المطار.. موجود من سنين وكل يوم ليه النهاردة لأنه طبعًا كان فيه استهداف للشخصيات دي محدش عرف انهم مشيوا.. فيه معلومة إن الناس دي كانت موجودة.. المعلومة مؤكدة أنهما رحلا قبل الهجوم".

اختراق أمني يثير الجدل

عادة يبدو الحديث عن اختراق لأجهزة المعلومات والعمليات الخاصة بوزارة الداخلية أمرًا مستشاغًا في مصر عقب الحوادث التي يُشتم منها رائحة ذلك، كما كان الأمر في حادث الواحات أكتوبر الماضي.

إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالجيش فإنه يكون مختلفًا، على اعتبار ما للقوات المسلحة من إمكانات ضخمة وقدرات تأمينية عالية وكفاءات كبيرة في هذا المجال ربما لا تتوفر لجهاز الشرطة.

معرفة التنظيم المتورط في تنفيذ الهجوم بموعد ومكان زيارة وزيري الدفاع والداخلية، تشي باختراق ما في أجهزة أحد المؤسستين، فالزيارة ليست معلومة مسبقًا ولم يتم الإعلان عنها، وربما كُشف النقاب عن الزيارة بمناسبة وقوع الهجوم وليس بشكل منفصل عنه، وهذا ما أراد الفيديو الذي نشرته وزارة الدفاع الإشارة إليه بالفصل بين الهجوم والزيارة.

ويبقى التساؤل هنا: من المسؤول عن الاختراق المحتمل، وإلى أي مدى يمكن أن ينعكس الأمر على اتهامات متبادلة بين الوزارتين حول المسؤولية عن تسريب ملعومات بهذا الشأن، وهل ينتقل الخلاف من الغرف المغلقة إلى العلن، وكيف تتمكن كل وزارة من تعقب المتورط المحتمل؟.

تساؤلات كثيرة قد لا تنتهي، ولا يملك أحد الإجابة عليها في الوقت الحالي، لكنها تثير الشكوك، خاصة بعدما قيل في أعقاب حادث الواحات من تعمد الجيش عدم الاستجابة لاستغاثات الشرطة بتقديم الغطاء الجوي لضباطها الضحايا، الأمر الذي عده مراقبون سببًا كان كفيلًا بالإطاحة برئيس أركان الجيش السابق الفريق محمود حجازي.

اشتعال الأزمة بين الجيش والشرطة على هذا النحو، يعيد إلى الأذهان الحديث عن الصراع الدائر بين المؤسستين، والذ كان تاريخه وتفاصيله ووشواهده دلالاته وانعكاساته محل تحليل سابق للقصة.

على أرض الواقع، وبعيدًا عن مسألة الاختراق الأمني، تظهر تساؤلات أخرى في محاولة فهم ما حدث ووكيف حدث، أبرزها: أين التأمين والتمشيط الذي يفترض أن يكون اعتياديًا وتزيد حدته وتتسع جغرافيًا وتسليحًا بسبب الزيارة قبلها وأثناءها وبعدها؟، أم أن هذه الإجراءات اتخذت بالفعل قبل الزيارة وبمجرد انصراف الوزيرين عادت الأمور إلى ما كانت عليه من تراخي وإهمال؟.

بغض النظر كذلك عن "الخيانة" المحتملة في تسريب موعد ومكان زيارة الوزيرين، فإن الأمر ينطوي على امتلاك التنظيم الضالع في تنفيذ الهجوم لجهاز معلومات على قدر من الكفاءة والتجهيز، بحيث يتمكن من رصد ومراقبة معلومات سرية تتعلق بوزيري الدفاع والداخلية.

من فعلها؟

وعلى الرغم من عدم إعلان أي تنظيم مسلح في شمال سيناء، حتى اللحظة، مسؤوليته عن الهجوم، إلا أن أصابع الاتهام تشير إلى تنظيم ولاية سيناء التابع لداعش، باعتباره الفصيل الأوقى والأكثر عنفًا وتجهيزًا وتدريبًا في مواجهة الجيش والشرطة هناك.

إطلاق القذائف الصاروخية يعد بطبيعة الحال عملًا منسوبًا لولاية سيناء، الوحيد الذي يملك تلك الإمكانية وفق تفاصيل سنوات من المواجهة، لم تشهد نجاح أي تنظيم في عملية مثل تلك سواه، إلا إذا توفرت تلك الإمكانية لتنظيم آخر.

كما تبدو بصمات التنيظم واضحة على الهجوم، نظرًا لأنه ليس الأول من نوعه (هجوم بقذيفة صاروخية على مطار العريش) على مدار السنوات الماضية، منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013.

ففي 12 فبراير 2016، قال تنظيم ولاية سيناء إن مقاتليه استهدفوا مطار العريش وكتيبة الصاعقة، وذلك أثناء وجود مسؤولين في الحكومة المصرية، وفق تقارير إعلامية.

ونشر التنظيم صورًا على الإنترنت قال إنها للحظات تجهيز عدد من صواريخ "جراد" وإطلاقها على مطار العريش وكتيبة الصاعقة.

وفي 25 أكتوبر 2014، وفي أثناء حضور الرئيس عبدالفتاح السيسي الاجتماع الطارئ لمجلس الدفاع الوطني، أطلق مجهولون صاروخًا على معسكر تابع لقوت الأمن المركزي قرب مطار العريش الدولي.

وفي 5 يوليو 2013، قالت تقارير إن طائرة تابعة للجيش من طراز "أباتشي" أصابت واحدة من سيارات "دوبل كابينة" كانت تهاجم مطار العريش الجوي بصاروخ.

إذن فالمحصلة من خلال استعراض العمليات المشابهة التي استهدفت مطار العريش، تشير إلى ترجيح تورط تنظيم ولاية سيناء في الاستهداف الأخير.

إعلان حرب وتحدي القوة الغاشمة

"إعلان حرب".. توصيف دقيق أطلقه "أديب" على الهجوم، نظرًا لما يمثله استهداف مطار العريش من تهديد للدولة المصرية وضربها في عمق أهدافها وبالتزامن مع تواجد وزيرين سياديين على أرض المطار، الذي يعد منطقة سيادية هو الآخر سواء كان مدنيًا أو عسكريًا.

ومن بين الدلالات القوية للحادث وفق وصف "أديب" أنه ليس مجرد عملية قنص أو كر وفر لكنه تهديد من قبل التنظيم ينازع الدولة في ملكية هذا المكان الاستراتيجي والسيطرة الميدانية عليه في وجود وزيريها القويين.

ولعل الرسالة الأبرز والدلالة الأعمق في هذا الهجوم هو أنه جاء بعد أقل من شهر واحد على تكليف السيسي لرئيس أركان الجيش الجديد الفريق محمد فريد حجازي، باستعادة الأمن والاستقرار في سيناء خلال 3 أشهر.

الهجوم يعد بمثابة الرد العملي المُهين من قبل التنظيم على تكليف رأس الدولة لرئيس أركان حرب القوات المسلحة باستعادة الأمن، ليس هذا فحسب بل بتصريحه استخدام "القوة الغاشمة" في سبيل تحقيق هذا الهدف.

تلك القوة الغاشمة يبدو أن مصدرها كان التنظيم وليس الجيش أو أجهزة الدولة الأمنية، التي تقف حتى الآن عاجزة ليس عن المواجهة إنما عن تقديم تفسير منطقي لما حدث، بعيدًا عن اختلاق التبريرات الواهية، التي لا تقنع أحدًا.

كما يُظهر الهجوم مقدار من وصل إليه ولاية سيناء من تطور عملياتي على قدر كبير من الاحترافية، في رسالة مفادها "نحن هنا"، بعد فترة كُمون أعقبت جريمة الهجوم على مسجد الروضة بمدينة بئر العبد، والذي لم يعلن التنظيم عن تبنيه حتى الآن.

يعزز من هذا التصور تحليل سابق نشره (القصة)، تحدث عن احتمالية أن يكون تفسير هذا الهدوء بمثابة ما يسبق العاصفة، وأشار إلى ما يمكن أن يخفي هذا الكُمون وراءه من عملية أو عمليات مرتقبة موجعة بقدر تأخرها، لكن المسلحون يتحينون الفرصة أو يبحثون عن أهداف جديدة.

بالفعل كان هذا التصور هو الأقرب للحقيقة، حيث جاء الرد قويًا على مستوى السلاح المستخدم في الهجوم والهدف المقصود أيضًا.

هذا البُعد كان محل تعليق العميد "خالد عكاشة"، مدير المركز الوطني للدراسات الأمنية، عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف، الذي وصف استخدام قذائف في استهداف مطار العريش بأنه "أمر مقلق".

وفي تصريحات متلفزة، توقع أن استخدام القذائف في الهجوم يؤكد "وصول دفع تسليحي جديد للعناصر الإرهابية"، مشيرًا إلى أن قذائف الهاون يمكن استخدامها لاستهداف مواقع من على بعد 15 كيلو مترًا.

ومن بين الأمور اللافتة للنظر في هذا الحادث كذلك، سعي تنظيم ولاية سيناء ربما إلى تغيير الصورة الذهنية السلبية التي لحقت به في أعقاب هجوم الروضة المُدان والمرفوض من قبل الجميع، وما سببه من غضب شعبي عليه.

هذا الغضب لا يريده التنظيم بالفعل، كونه يجتهد دومًا في محاولة جذب المزيد من المؤيدين والتابعين تحت لافتات الجهاد وغيرها من المصطلحات البراقة التي تشد الشباب ذوي العاطفة الجياشة، والذين اهتزت لديهم صورة التنظيم كثيرًا بعد جريمة الروضة.

وعليه فإن التنظيم استهدف في هجوم العريش إعادة توجيه بوصلته والتأكيد على أن هدفه الأول هو مواجهة سلطات الدولة الأمنية متمثلة في الجيش والشرطة، وليس المدنيين.

القاعدة في الصورة

وبعيدًا عن كل السيناريوهات التي تقود لتورط تنظيم ولاية سيناء في الهجوم، تبقى احتمالية تورط تنظيم آخر واردة، ويبدو في هذا الإطار تنظيم القاعدة، الذي يأتي في المرتبة الثانية بعد داعش من حيث القوة والتدريب والكفاءة والاستعداد.

تنظيم القاعدة والذي يتفرع منه 3 جماعات مسلحة تعتنق فكر التنظيم، كانت آخر عملياتهم كالتالي:

-"أنصار الإسلام".. أعلن في بيان نشره تبنيه لعملية الواحات، التي قُتل فيها العشرات من صفوة ضباط الشرطة أكتوبر الماضي.

-"جند الإسلام".. أعلن تبنيه للعملية الأمنية التي قام بها في أكتوبر الماضي، ضد عناصر "ولاية سيناء"، وسرد في تسجيل صوتي بثه السبت 11 نوفمبر الجاري، تفاصيل العملية.

-"المرابطون".. التنظيم الذي يتزعمه ضابط الصاعقة المفصول "هشام عشماوي"، ويُعتقد أن له صلة فكرية وتنظيمية بتنظيم أنصار الإسلام، متوار عن الأنظار منذ تسجيله الصوتي المنشور في أغسطس 2015.

تورط أحد هذه الأجنحة المتفرعة عن القاعدة في الهجوم يفرز دلالات ويبعث رسائل لا تقل أهمية وخطورة عن تلك المترتبة على ضلوع ولاية سيناء في تنفيذه.

فضلًا عن التطور العملياتي المترتب على هذا التصور، فإنه ينقل المعركة في سيناء بين الدولة والتنظيمات المسلحة إلى مرحلة أخرى، أشد ضراوة، تصبح فيها السلطة بموقف حرج يستلزم منها مواجهة تنظيمين على قدر كبير من الكفاءة والاتسعداد القتالي والتدريب الجيدين، بعد أن كان الأمر مقصورًا على تنظيم واحد وهو ولاية سيناء.

وكما سبق وتزامن مع إعلان تنظيم "جند الإسلام" مسؤوليته عن استهداف مسلحين تابعين لولاية سيناء، فإن ما نشرته تقارير إعلامية، بشأن انتقال التنافس بين تنظيمي القاعدة (جند الإسلام)، وداعش (ولاية سيناء) من سوريا والعراق إلى مصر، أصبح واقعًا ملموسًا بفرضية ضلوع القاعدة في هجوم العريش الأخير.

وسط هذا المشهد المعقد، باتت سيناء عمليًا مسرحًا لصراعات مسلحة لم تعد قاصرة على مسلحين في مواجهة دولة، بل تنظيمات متناحرة فيما بينها، لأمر الذي يمكن أن ينقلب من محنة إلى منحة بالنسبة للسلطة إما بالاستفادة من تناحرهما في قضء أحدهما على الآخر أو بتضاعف تحديات مواجهة تنظيمين بدلًا من واحد.(المزيد في تحليل سابق للقصة)