قراءةٌ عملياتية لمحاولة اغتيال «صدقي» و«عبد الغفار».. مَن خانهما وأراد التخلُّص منهما؟!

قراءةٌ عملياتية لمحاولة اغتيال «صدقي» و«عبد الغفار».. مَن خانهما وأراد التخلُّص منهما؟!

11:42 م

21-ديسمبر-2017

بالتفصيل، نحن أمام عملية اغتيالٍ مُدبَّرة، زيارة سرية، يتم تسريب موعدها، ومكانها، ليس هذا فحسب، بل تتم من خلال مجموعة نخبة تحمل سلاحًا صاروخيًا متطوِّرًا، ورغم فشلها في قتل الوزيرَين، إلا أنها وضعت المنظومة الأمنية كلها على المحك.

مع آخر ضوءٍ لنهار يوم الثلاثاء الماضي، تعرَّضت الطائرة الهليكوبتر العسكرية التي يستقلُّها كل من وزيري الدفاع، والداخلية، الفريق أول "صدقي صبحي"، واللواء "مجدي عبد الغفار"، لدى تمركزها في مطار العريش لقذائف عالية التوجيه، أمَّنت قوات الجيش الوزيرَين ونجحوا في إجلائهما وإعادتهما إلى القاهرة، ولكن ضابطَين قُتلا، ولكن بحسب المتحدِّث العسكري فضابط واحد قد قتل، وأصيب آخرون بشظايا.

بحسب مصادر صحفية، فإن مَن قُتِل في محاولة اغتيال وزيري الدفاع والداخلية، بقذائف صاروخية، هما المقدم "إسماعيل محمد الشهابي"، والعقيد طيار "محمد رفعت المندوه"، وهما مدير مكتب وزير الدفاع وقائد طائرته العسكرية.

تنظيم ولاية سيناء، مساء أمس الأربعاء، أعلن من خلال منصة "وكالة أعماق" - المتخصِّصة في نشر أخبار تنظيم الدولة وأفرعه- مسؤوليته عن الحادث، وأن عناصر التنظيم استخدمت في هجومها صواريخ "كورنيت" روسية الصنع، عالية التوجيه.

من أين الخيانة؟

بداية نحن هنا أمام محاولة اغتيالٍ لأعلى شخصيتين أمنيتين في مصر، وزيرا الدفاع والداخلية، ومحاولة الاغتيال بالمعنى العسكري، تقوم على معلومةٍ، ورصدٍ، وانتقالٍ، واستهدافٍ، وبالمعنى السياسي، هي ذات هدف، إما إرباك المشهد برمته، لإحداث فوضى داخل مؤسسات الدولة، أو أن هدفها الانتقام من شخصياتٍ محددة.

بالتفصيل، نحن أمام عملية اغتيالٍ مُدبَّرة، زيارة سرية، يتم تسريب موعدها، ومكانها، ليس هذا فحسب، بل تتم من خلال مجموعة نخبةٍ تحمل سلاحًا صاروخيًا مُتطوِّرًا، ورغم فشلها في قتل الوزيرَين، إلا أنها وضعت المنظومة الأمنية كلها على المحك.

أولًا: كأي دولةٍ في العالم، وداخل منظومتها الأمنية، فإن الزيارات التي يقوم بها مسؤولون رفيعون إلى مناطق توتر، فإن هذه الزيارات تتم على أعلى مستوى من الترتيب داخل نطاقٍ محددٍ للغاية من الأجهزة والشخصيات الأمنية والاستخباراتية وبتنسيقٍ بينهم، وهذه الحالة تنطبق على مصر، فزيارة مثل هذه إلى بؤرةٍ مشتعلة في شمال سيناء، وتحديدًا مطار العريش الذي قصفته من قبل عناصر "ولاية سيناء" ثلاث مرات، خلال السنوات الأربعة الماضية، ولا يمكن لضباط أو لمجندين أن يكونوا على علم بتوقيت الزيارة، أو طبيعة هوية عمل ورتب الزائرين.

ثانيًا: زيارةٌ مثل هذه من المفترض أنها تتم بالتنسيق بين جهاتٍ محددة هي "أمانة وزارة الدفاع، فرع الأمن والمعلومات"، والمخابرات الحربية، والجيش الثاني الميداني، وقوات الصاعقة والعمليات الخاصة بالجيش، وبمشاركة وزير الداخلية في الزيارة فمن الممكن أن يكون لدى مدير مكتبه معلومة الزيارة، كما أن قيادة مطار العريش "مطار مدني يسيطر عليه الجيش" يمكن أن يكون لديها معلومة أن زيارة رفيعة دون معرفة طبيعة الزائرين.

ثالثًا: ولأن زيارة مثل هذه سرية، وحساسة، فإنه من المفترض، أن عناصر التحريات العسكرية، والقوات المسلحة أمَّنت محيط المطار بعمق 15 كيلو مترًا على الأقل، وأقامت نقاط وكمائن متابعة ورصد وتأمين، ولكن استخدام مسلحي "ولاية سيناء" صواريخ "كورنيت"، والذي يختلف مدى الصاروخ فيه من نسخةٍ إلى أخرى حيث يتراوح مداه بين 2:8 كيلو مترًا، ويبلغ مداه ليلًا "3500 متر"، كما أن العملية تمَّت في توقيت الغروب، وهو ما يتطلَّب "من رامي الصاروخ" قربًا من المطار من نقطةٍ "عالية - تبة" بحيث يسهل الرصد والقصف.

والكورنيت صاروخ موجه مضاد للدروع، يمكن إطلاقه من خلال منصة إطلاقٍ خاصة تُثبَّت على الأرض أو من على الكتف مباشرة، أو من على منصات إطلاق مثبَّتةٍ على عربةٍ مدرعة، أو عربة ذات دفعٍ رباعي، يتم توجيه الصاروخ من خلال موجه بصري من خلال الرامي الذي يُتابع توجيه الصاروخ حتى يصل إلى هدفه.

وطبقًا لهذه المعلومات، فإن اختراقًا "عن قصد أو دون قصد" حدث للقوات التي كان موكلًا لها تأمين زيارة الوزيرَين.

رابعًا: عملية انتقال المسلحين بتنظيم ولاية سيناء بسلاحٍ غال الثمن، يتطلب مجموعة نخبة مدربة، أي أن مغامرةً يقوم بها التنظيم، لابد وأن يكون مستوثقًا من المعلومة التي حصل عليها من خلال عملائه "أو مررت له"، بحيث ينتقل ويكمن ويستعد ويقصف في التوقيت المناسب.

خامسًا: كما أن معلومة الزيارة ليس من الممكن أن تكون متداولة بصراحة عبر وسائل التواصل داخل الجيش، سواء شبكة الهواتف "bx"، أو الفاكس، أو الهواتف المحمولة، حتى وإن كان التواصل عبر الهواتف المحمولة من خلال شبكة خاصة بالجيش، فالمتعارف عليه أن عمليات زيارة مسؤولين رفيعين، أو الرئيس نفسه، تكون من خلال وسائل اتصال عالية التكنولوجية، ويتم إعطاء الزيارة كودًا يتم تداوله عبر شبكة التواصل الخاصة بقيادة مجموعة التأمين، ويتم تسمية المسؤولين "وزيرا الدفاع والداخلية" بكودين، فحتى إن كان لدى تنظيم "ولاية سيناء" أجهزة متطورة تمكِّنهم من اختراق وسائل التواصل الخاصة بالجيش، فليس بمقدورهم معرفة طبيعة العملية، والشخصيات الزائرة، ومكان الزيارة، فكلها "مكودة ومشفرة".

سادسًا: إن كانت عملية القصف تمت أثناء مغادرة الوزيرين وليس لدى هبوط طائرتهما "وهو الاحتمال الأقرب" فليس معناه أن عناصر تنظيم ولاية سيناء علموا بالمعلومة فتحركوا وتمركزوا وأطلقوا صواريخهم، ولكنهم ربما أخروا إطلاق الصواريخ تجاه طائرة الوزيرين "والتي كان بداخلها قائدها ومدير مكتب وزير الدفاع"، إذ أن توقيت انتهاء الزيارة كان عقب الغروب بساعة تقريبًا، وهو ما سيتيح لهم الهرب عقب إطلاقهم الصواريخ، وعدم قدرة القوات الأمنية، والطائرات على تعقبهم.

مَن يريد الخيانة ومَن يريد الانتقام؟

لا يمكن الجزم، بأن جهة ما من سالفة الذكر "أمانة وزارة الدفاع، المخابرات الحربية، الجيش الثاني الميداني، مكتب وزير الداخلية، قيادة مطار العريش" متورطة في تسريب معلومة زيارة وزيري الدفاع والداخلية، وربما يكشف التحقيق الداخلي بالجيش عن المُتورِّط، ولكن ربما هناك ترجيحات، وقبل الدخول في الترجيحات، هناك سؤال هام، مًن يريد التخلص من وزيري الدفاع والداخلية وسط جنودهما في العريش بسيناء.

نحن أمام ترجيحات، لا يمكن الجزم بها، الترجيح الأول، منقسمٌ لشقّين، هو أن تنظيم "ولاية سيناء" نفذ العملية لحسابه، أي أن لديه عملاء له بجهةٍ ما من التي كانت على علمٍ بالزيارة، ولصعوبة اختراق التنظيم للقيادة العليا بالجيش، فربَّما حصل على المعلومة من "قيادة مطار العريش"، أو أن هناك تقصيرًا أمنيًا في تداول معلومة الزيارة، أو أن القوات المكلفة بتأمين الزيارة لم تستخدم وسائل تواصلٍ مؤمَّنة، كما لم يستخدموا أكوادًا مشفرة، وفي الحالتين فإن القوات لم تؤمِّن بالشكل الكافي عمق المنطقة المحيطة بالمطار حدًا أدنى "10 كيلو متر مربع".

الترجيح الثاني، هو أن التسريب كان وراؤه عنصر ما، إما بوزارة الداخلية، أو داخل الجيش، من خلال الداخلية عبر تسريبٍ "عن قصد أو دون قصد" من مكتب وزير الداخلية لمعلومة الزيارة، وبسابق تجربة، فوزارة الداخلية تعرضت لضربةٍ قوية بمقتل أكثر من 50 ضابطًا ومجندًا من قوات النخبة في عملية الواحات أكتوبر الماضي، تبنَّتها مجموعة مسلحة تابعة لتنظيم القاعدة يقودها ضباط شرطة وجيش سابقين شاركوا في تدريب وإعادة تنظيم أنصار بيت المقدس "الذي بايع تنظيم الدولة وسمّى نفسه ولاية سيناء"، وقيل حينها إن اختراقًا حدث داخل جهاز الشرطة مكَّن من تسريب معلومةٍ مغلوطةٍ عن المجموعة المسلحة في صحراء الواحات، وتعرَّضت قوات الشرطة لكمينٍ محكم قُتِل فيه عشرات الضباط ، والمجندين بقطاعي الأمن الوطني، والعمليات الخاصة.

أما الجيش، فإن وقع التسريب من خلاله، فربما يكون "التسريب" أو "التقصير" من جهتين لا ثالث لهما، الأولى المخابرات الحربية، وهي جهة معلوماتية، والثانية قيادة الجيش الثاني، المسؤولة عن تأمين الزيارة ميدانيًا وتمشيط المنطقة المحيطة بالمطار وعمقها.

البعض قد يربط بين محاولة اغتيال وزيري الدفاع والداخلية، وبين إقالة الفريق "محمود حجازي" من رئاسة الأركان قبل شهر ونصف الشهر، عقب حادثة الواحات، والتي قيل إنها كانت سببًا في الإقالة بتأخره في تقديم الدعم الجوي والعسكري لقوات الشرطة، كما أن فشله في وقف تمدُّد تنظيم الدولة وعمليات تهريب السلاح والمسلحين من ليبيا، وارتفاع وتيرة عمليات تنظيم ولاية سيناء في سيناء كانت كلها ضمن أسباب إقالته، ولكن بالتأكيد لا يمكن التحقق من أي هذه الأمور إلا من خلال تحقيقٍ ستُجريه بالتأكيد وزارة الدفاع، وربما تصدر قرارات بإقالة مسؤولين بالجيش الثاني، والمخابرات الحربية.