موازنة السعودية 2018.. خطاب سلمان ستار لـ «فقاعات» مشروع الوريث

موازنة السعودية 2018.. خطاب سلمان ستار لـ «فقاعات» مشروع الوريث

01:42 ص

21-ديسمبر-2017

وأثارت مضامين الخطاب الملكي وأسلوب تغطية الصحف المحلية لاعتماد الموازنة العامة الجديدة الشكوك حول الهدف الحقيقي من حملة الترويج تلك..

هكذا وصفت وسائل الإعلام السعودية الموازنة العامة لعام 2018، التي أعلنها الملك "سلمان بن عبد العزيز آل سعود"، مساء الثلاثاء (19 ديسمبر 2017)، باعتبار أن قيمة الإنفاق الواردة بها تبلغ نحو 978 مليار ريال بزيادة 5.6% عن عام 2017.

وتضمن خطاب" width="100%" height="315"> الملك، خلال ترؤسه جلسة مجلس الوزراء الاستثنائية لإعلان الموازنة، الوصف ذاته، مشيرًا إلى أن اعتمادها يأتي في إطار رؤية المملكة 2030، التي أعلنها نجله، ولي العهد، الأمير "محمد بن سلمان"، وتستهدف تنويع قاعدة الاقتصاد السعودي وتحريره من أحادية الاعتماد على النفط كموردٍ أساسي.

وفي كلمته، أكد الملك "سلمان" أن تحقيق هذا الهدف يسير في الاتجاه الصحيح، مستدلًا على ذلك بأن 50% من موارد الموازنة العامة الجديدة من مصادر غير نفطية.

وأثارت مضامين الخطاب الملكي وأسلوب تغطية الصحف المحلية لاعتماد الموازنة العامة الجديدة الشكوك حول الهدف الحقيقي من حملة الترويج تلك، خاصةً في ظل توثيق العديد من المؤشرات الدولية التي تُنذر بمستقبلٍ سيء ما لم يتم يتدارك "النزيف المالي" و"الخلل الهيكلي" الذي يعاني منه الاقتصاد السعودي.

أرقامٌ مغلوطة

فالتركيز على المبلغ الخاص بـ "الإنفاق" لا يعبر عن تحسن اقتصادي بالضرورة، خاصةً إذا كانت الفجوة بين هذا الإنفاق والإيرادات كبيرة (بما يعني عجزًا كبيرًا بالموازنة)، وإذا كان توزيع بنود الإنفاق لا يدعم خلق موارد اقتصاديةٍ جديدة.

وبالعودة إلى الأرقام الواردة بموازنة 2018 نجد أن قيمة الإيرادات المتوقعة تبلغ 783 مليار ريالٍ فقط، بما يعني وجود عجزٍ بقيمة 195 مليار ريال.

أما التوزيع الخاص للإنفاق بكل قطاع فتمثل في نسبة 50% تقريبًا لقطاعات الداخلية والجيش والتعليم والصحة، فيما تم تخصيص 105 مليارات ريالٍ فقط لصالح قطاع الموارد الاقتصادية.

هذا يعني أن نسبة الإنفاق على خلق موارد اقتصاديةٍ جديدة لا تتعدى الـ 11% فقط وبقيمةٍ تمثل نصف عجز الموازنة تقريبًا، ما يؤشر إلى أن المضامين الواردة بخطاب الملك "سلمان" تنطوي على مغالطاتٍ مقصودة.

نظرة فاحصة لأرقام الموازنة العامة السعودية منذ عام 2007 وحتى 2018 تكشف أن قيمة "الفائض" وحدها (الفرق بين قيمة الإيرادات والمصروفات) بلغت 581 مليار ريال، ليتحوَّل الفائض إلى عجزٍ ابتداء من عام 2014، إذ سجَّلت الموازنة إيرادات بقيمة 1044 مليار ريال ومصروفات بقيمة 1110 مليار ريال، بما يعني تسجيل عجزٍ بلغت قيمته حينها 66 مليار ريال.

تصاعد هذا العجز بشكلٍ هائل إلى 367 و326 مليار ريال في موازنة عامي 2015 و2016، على الترتيب، تزامنًا مع إعلان التحالف العربي، الذي تقوده السعودية، إطلاق عملياته العكسريَّة في اليمن، وبداية صعود "بن سلمان" على سلم السلطة بالرياض.

رؤية 2030

وقد يقول قائلٌ إن هذه الأرقام، وإن كانت تؤكِّد حالة التردِّي التي يعاني منها الاقتصاد السعودي جراء كلفة الصراعات الإقليمية، فإنها تدلُّ على تقلُّص في العجز وتصاعد في الموارد غير النفطية، بما يعني أن الهدف الاستراتيجي لرؤية المملكة 2030 يسير بالاتجاه الصحيح، لكن حقيقة "ما وراء" هذه الأرقام لا يعبر عن تلك النتائج التي روَّجت لها الصحف السعودية.

الأمر هنا يعود بالأساس إلى أسعار النفط، وبالعودة إليها وعقد مقارنةٍ بين معدلاتها في بداية عام 2016 (نحو 30 دولارًا للبرميل) ونهايات عام 2017 (ناهزت 65 دولارًا للبرميل)، يمكن استنتاج المورد الأساسي الذي ساهم في هذا التقليص الضئيل لعجز موازنة 2018، وهو موردٌ غير مرشّح للاستمرار، في ظل تنامي اكتشافات النفط الصخري بالولايات المتحدة، ودخول صناعة السيارات الكهربائية إلى مرحلة خطوط الإنتاج في الغرب، إلى جانب تزايد الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة عالميًا، وهو ما يعترف به "بن سلمان" وفريق الحكم الجديد بالمملكة، بدليل استهدافهم للتحرر من صيغة "اقتصاد النفط" في رؤيتهم المعلنة.

ومن هنا كانت إشارة الملك "سلمان"، في خطابه، إلى نسبة الموارد غير النفطية بالموازنة (50%)، وهو ما قد يشي بأكبر تحولٍ نوعي للاقتصاد السعودي، إلا أن ما وراء هذا الرقم أيضًا ينطوي على مغالطاتٍ تصل إلى حد التدليس.

فالحديث عن تحرر نصف الاقتصاد من أحادية الاعتماد على النفط دون "بديل" قائمٍ على الإنتاج والاستثمار، لا يعني سوى استبدال "مصدر ريعي" بآخر من نفس نوعه.

الضرائب والرسوم

وفي هذا الإطار، تؤكِّد الإحصاءات الرسمية أن التراجع "الوهمي" لنسبة عائدات النفط بالموازنة السعودية يعود إلى فرض ضرائب جديدة على المواطنين (منها السلع الانتقائية)، إضافةً إلى الرسوم على العمالة الوافدة ومرافقيها، والتي صدر القرار بالتدرُّج في مضاعفتها سنويًا حتى عام 2020 (طالع تحليل القصة).

أنقذت هذه الضرائب والرسوم موازنة 2017، لكنها تظلُّ إيرادات ريعية لا تعبر عن تحسنٍ اقتصادي حقيقي، بل تنطوي على تأثيراتٍ اجتماعية سلبية، اعترف بها "بن سلمان" وفريقه، بدليل اعتمادهم لبرنامج خاص لدعم السعوديين من ذوي الدخل المحدود "نقديًا" تحت اسم "حساب المواطن".

هذا التأثير الاجتماعي هو ما دفع الملك "سلمان" نفسه إلى التراجع عن جموح نجله في إلغاء المكافآت والبدلات الخاصة بالعاملين في القطاع الحكومي، كي يوفر مليارات الريالات، يوردها في موازنة العام الجديد لاحقًا كـ "موارد غير نفطية"، إذ بدا من ردود أفعال المواطنين، عبر تويتر، حالة سخطٍ عامة.

وبإضافة اتجاه "بن سلمان" وفريقه إلى خصخصة الخدمات (بما فيها الصحية)، يمكن توقع تفاقم مشكلاتٍ اجتماعية بالمملكة، بدأت مؤشراتها في الظهور بتصاعد الشكاوى من ارتفاع قيم فواتير الكهرباء والمياه خلال الشهور الأخيرة.

ويرى مراقبون أن المغالطات الواردة بخطاب الملك وحملة الترويج الإعلامي بالسعودية ليست سوى محاولة للتغطية على "فقاعات" الأرقام الخالية من مضامين حقيقية بمسيرة المشروع الاقتصادي لـ"بن سلمان" وفريقه، خاصة في ظل مؤشراتٍ على عجز القطاع الخاص السعودي عن تمثيل دور "البديل الاستثماري والإنتاجي"، سالف الذكر، لمورد النفط.

 

تسويات الفساد

 

فإلى جانب كون القطاع غير مؤهل، معرفيًا وتقنيًا، للمشاركة بمشروعات عملاقة، لا تمكنه حالة الفساد المستشرية في المملكة من تمثيل البديل المأمول، إذ لا يمكن لأي مستثمرٍ المساهمة في مشروعاتٍ كهذه إلا بشراكةٍ من الباطن مع أحد الأمراء.

وبدلًا من ضرب أسس هذا الفساد، عبر تفكيك "بنية" نظامه وشبكة علاقاته، عبر منظومةٍ قانونيةٍ وإدارية متكاملة، اعتمد "بن سلمان" أسلوبًا آخر، يتمثّل في "حملة مكافحة الفساد" التي يقودها حاليًا لإبرام "تسويات" مع مئات الأمراء والوزراء وكبار رجال الأعمال، بما يعني، في المحصلة، "تقاسم" عائدات الفساد بينهم وبين الدولة.

وإذا كانت هذه الصيغة تكفل لـ"بن سلمان" استتبابًا كاملًا لسلطته الجديدة، إلا أنها تمثِّل ضربة قاصمة لأهم موردٍ غير نفطي يمكن الاعتماد عليه مستقبلًا، إذ لا يمكن توقُّع إقبال الاستثمارات الأجنبية على مناخٍ تسوده "مكافحة الفساد" بطريقةٍ أقرب إلى القوانين الاستثنائية، عبر احتجاز رجال الأعمال وعدم إطلاق سراحهم إلا بعد دفع مقابل ذلك.

هل تنبأ الاقتصاديون السعوديون بهذه النتائج؟ أغلبهم يروِّج ما يملى عليه رسميًا في الواقع، لكن أصواتًا قليلة سجَّلت مخاوفها من ثغرات رؤية السعودية 2030، على رأسها، "عصام الزامل"، الذي تم اعتقاله لاحقًا، ضمن مجموعةٍ كبيرةٍ من الدعاة والأكاديميين والقضاة والصحفيين (طالع تحليل القصة).

مراجعةٌ حكومية

وبمرور الأيام ثبتت صحة هذه المخاوف، حتى اضطرت الحكومة السعودية إلى إعلان تأجيل هدف تحقيق التوازن المالي (سد عجز الموازنة) من عام 2020 إلى 2023 لـ "تجنب التباطؤ الاقتصادي" المتوقع من الإسراع في تحقيق الهدف دون وجود موارد استثمارية حقيقية.

فالعائد المتوقع من الضرائب والرسوم (حتى بعد مضاعفتها) لن يفي بتحقيق الهدف، اللهم إلا في حال فرض المزيد من الضرائب، الأمر الذي ينطوي على تأثيراتٍ اجتماعية سلبية، قد تؤدِّي إلى تكرار ما جرى في قرار "البدلات والمكافآت الحكومية"، ومن هنا كان قرار التأجيل رضوخًا للأمر الواقع.

وفي هذا السياق أيضًا يمكن قراءة عكوف الدوائر الحكومية بالسعودية على إخراج نسخةٍ منقَّحة من "رؤية 2030"، وتأجيل بعض المواعيد النهائية التي كانت مقررة لبعض التحولات الاقتصادية.

وإزاء ذلك، وبعيدًا عن بروباجندا الإعلام السعودي، فإن صندوق النقد الدولي نفسه، الذي يؤيِّد أغلب سياسات "بن سلمان" الاقتصادية، لا يتوقع أكثر من 1% كنسبة نموٍ متوقعة في عام الموازنة الجديدة (2018).