«أمريكا وإسرائيل»إعادة هندسة المنطقة عبر الحروب وسيناريو توظيف الورقة الإيرانية

«أمريكا وإسرائيل»إعادة هندسة المنطقة عبر الحروب وسيناريو توظيف الورقة الإيرانية

02:37 ص

21-ديسمبر-2017

فالولايات المتحدة دعَّمت إيران والعراق معًا في حرب الخليج الأولى لصالح إسرائيل والقضاء على ما تراه تهديدًا عراقيًا لتل أبيب، الآن ترامب وإسرئيل يدعمان حربًا إيرانية سعودية بالوكالة لصالح إسرائيل.. الخطة اختلفت والهدف واحد.

ورقة إيران وصراعها مع العراق "سابقا" أو السعودية "حاليا" يتم توظيفها من آنٍ لآخر، مع اختلاف تعريف العدو والصديق حسب المصلحة بكل مرحلة وبكل دولة كلٌ على حدة، فواشنطن تستهدف عزل السعودية عن محيطها العربي والإسلامي وتأجيج صراعها مع إيران لدمجها في "محورٍ إسرائيلي أمريكي عربي" يستهدفه "ترامب"، وهي سياسة عرفت باسم "سياسة إنهاك جميع الأطراف"، فالحرب الإيرانية العراقية" أنهكت الطرفَين، وكذلك "الحرب الإيرانية السعودية" الجاري إدارتها بالوكالة ستُنهك الطرفين، وتستنزف أهم دولةٍ عربية إسلامية تُعزل الآن عن محيطها الإسلامي بينما تُعقد صفقات غير معلنة بزعم محاربة طهران، في مؤشرٍ على تحضيرٍ أمريكي إسرائيلي لتسوياتٍ قسرية قادمة تشمل عدة دول، منها اليمن وفلسطين لصالح خريطة شرق أوسطٍ جديد الطرف المسلم فيه جسد منهك ممزق بصراعاتٍ طائفية تشرعن التدخل العسكري الأمريكي والروسي والإسرائيلي، وتحتلُّ أراضيه وتزجُّ به في دائرة حروبٍ لا تنتهي.

فالولايات المتحدة دعَّمت إيران والعراق معًا في حرب الخليج الأولى لصالح "إسرائيل" والقضاء على ما تراه تهديدًا عراقيًا لتل أبيب، الآن "ترامب" وإسرئيل يدعمان حربًا إيرانية سعودية بالوكالة لصالح "إسرائيل".. الخطة اختلفت والهدف واحد.

اللوبي الصهيوني والحروب الاستباقية

يعد تغلغل اللوبي الصهيوني ورجاله داخل أروقة الحكم الأمريكي ومؤسساته السيادية أهم ورقةٍ لصناعة وتحقيق المصالح الصهيونية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، حيث يشكّل اللوبي الصهيوني قوة أساسية في الولايات المتحدة ويقوم بصنع القرار السياسي المتعلق بالبلدان العربية والإسلامية، وبشكلٍ خاص قضية فلسطين و الصراع العربي – الإسرائيلي، ونجح بزرع أعضائه في أهم المراكز الرئيسية والحساسة في الإدارات الأمريكية إبان عهد الرؤساء "كلينتون" و"بوش" و"أوباما" و"ترامب". ‏والأكثر خطورة إدارة "ترامب" حيث يهيمن عليها جنرالات حربٍ سابقين وشخصيات تدين بالولاء للصهيونية، ومنهم الرئيس "ترامب" نفسه وعائلته.

كان قد بدأ الصهاينة منذ مطلع الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين بتسويق استخدام القوة العسكرية والحروب الاستباقية وفرض العقوبات الاقتصادية على البلدان العربية والإسلامية، لفرض الهيمنتين الأمريكية والإسرائيلية على منطقة الشرق الأوسط الكبير كمقدمةٍ لفرضها على العالم، ولتسويق مخططات الشرق الأوسط الجديد التي وضعتها "إسرائيل". ‏

إدارة المكاسب عبر آلة الحرب

قبل الدخول في رصد دور واشنطن و"إسرائيل" في تأجيج حربٍ بالوكالة "سعودية إيرانية" تتصاعد مؤشراتها مؤخرًا، نرصد أولًا دورهما في تأجيج الحرب "الإيرانية العراقية" حرب الخليج الأولى، التي تكشف عن سيناريو تحقيق المكاسب عبر إشعال الحروب وهندستها بين الطرفين لإنهاكهما معًا، والجاري إعادة إنتاجه الآن بأدوات وأشكال أخرى.

تشير تحليلاتٌ ترصد "العلاقات السياسية العراقية-الأمريكية" بالفترة من " 1979 - 2003 " إلى أن المرحلة الأولى من العلاقات بالفترة من (1979 - 1988) بين البلدين كانت تعدُّ مرحلة تقاربٍ وتعاونٍ والتقاءٍ على كبح جماح الثورة الإيرانية.

أما العنوان الرئيسي لهذه المرحلة، أنها مرحلة الحياد الأمريكي المعلَن بين طرفي القتال، والتعاون السري، ثم الانحياز الصريح للعراق ودعمه عسكريًا، على الرغم من انتقاداتٍ هائلة تعرَّضت لها الإدارة الأمريكية من جراء دعمها للعراق.

سياسة إنهاك الطرفين

واشنطن كانت تدعم الطرفين لإنهاكهما معًا، فقد جاء الدعم الأمريكي للعراق أثناء الحرب العراقية الإيرانية في خمسة أشكال: الدعم المباشر الاستخباراتي والمعلوماتي والعسكري، الدعم من خلال حلفاء، مع فرض حصارٍ على إيران لعدم استيراد السلاح، والسكوت عن جرائم العراق باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد القوات الإيرانية، والتدخل المباشر لتعديل ميزان الحرب وأحيانًا الهجوم المباشر على مواقع إيرانية.

من جهتها، فعلت الولايات المتحدة ذلك في ظل استراتيجيةٍ وسياسةٍ لميزان القوى بين الطرفين، حيث اعتبرت الحرب فرصة لإضعاف الطرفين، ففي الوقت الذي كانت تزوِّد العراق بالأسلحة الحديثة، لم تتردد في تزويد إيران سرًا بالأسلحة عن طريق مصادر غربية عديدة منها "إسرائيل" نفسها وذلك في فترة 1984 و1987  وهي التي عرفت فيما بعد بفضيحة "إيران كونترا - جيت".

الدعم العسكري السرِّي

في مؤشر على لعب واشنطن على كل الحبال عبر أجهزتها السيادية سرًا، وفي أغسطس 1984 أقامت السي أي إيه علاقة مخابراتية مباشرة مع العراق، وفي 26 نوفمبر 1984 أعادت إدارة "ريجان" العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع العراق، وفي أوائل 1985 وأواخر 1986 فضلًا عن أن الولايات المتحدة قدَّمت للعراق صورًا بالأقمار الصناعية تكشف تحركات القوات الإيرانية فقد نشرت الولايات المتحدة بسريةٍ ضباط قوات جوية أمريكيين في العراق لكي يساعدوا نظراءهم في الجيش العراقي، علاوة على أكثر من 60 ضابطًا من وكالة استخبارات الدفاع، التي قدمت معلومات سرية مفصلة عن القوات الإيرانية وأماكن انتشارها، والتخطيط التكتيكي للمعارك، وخطط لضربات جوية وتقديرات لنتائج الضربات وما ألحقته من خسائر للعراق.

خسائر مدمرة

تعد الحرب الإيرانية العراقية أطول حروب القرن العشرين، نشبت بين العراق وإيران في سبتمبر 1980 وانتهت في أغسطس 1988 وخلَّفت أكثر من مليون قتيل، وألحقت أضرارًا بالغة باقتصاد البلدين.

أما عن الكُلفة والتبعات، فيقدر خبراء اقتصاديون كلفة ثماني سنوات من الحرب بأكثر من أربعمائة مليار دولار، فضلًا عن كلفةٍ بشرية أهم وهي أكثر من مليون قتيل وأضعاف ذلك من المصابين والمعوقين.

كما خلَّفت دمارًا واسعًا في البنية التحتية للبلدين وألحقت ضررًا كبيرًا بالمنشآت النفطية التي هي قوام اقتصاديهما.

تدمير القوة الاستراتيجية للعراق

وعقب الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990 اتخذت العلاقات الأمريكية - العراقية مسارًا مختلفًا تمامًا عن مسار ما قبل الحرب، وهو مسار العداء التام، والذي استمرَّ حتى الآن.

وتمثلت الخطوط العامة للسياسة الأمريكية في إدارتها لأزمة وحرب الخليج الثانية، بإدارة الأزمة بهدف الوصول إلى الحرب، وإدارة الحرب بشكلٍ ينتهي إلى تدمير القدرات الاستراتيجية للجيش العراقي، والإدارة بالأزمات المستمرة ما بعد الحرب، وضمان استمرار بقاء العقوبات وتطبيق قرارات مجلس الأمن كلها دون أدنى اختراق، مع الضربات العسكرية المتواصلة لمواقع القوة الاستراتيجية العراقية، وبما يجعل العراق في استنزافٍ مستمر لقدراته، وفرض منطقتي حظر طيرانٍ في الشمال والجنوب تغطي 62% تقريبًا من مساحة العراق تؤهِّل لتنامي حكم فيدرالي في المستقبل.

هندسة التنازلات تحت ضغط الحرب

في رصدٍ لتأثير الحرب على مواقف الدول تجاه ملف فلسطين، فقد أدَّت الثورة التي قادها الإمام "الخميني" في إيران 1979 والتي أطاحت بحكم "الشاه"، ثم بدء الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988) إلى تغييرٍ كبيرٍ في العلاقات الأمريكية - العراقية، بالنسبة للعراق، ونزولًا على ظروف الحرب العراقية الإيرانية وحاجته الماسة للدعم الأمريكي تآكلت الطاقة الراديكالية للنظام في الصراع "العربي - الإسرائيلي" وأعلن الرئيس "صدام حسين" قبوله بخيار الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، وهو موقفٌ امتدحته واشنطن.

الآن يجري نفس السيناريو، تصعيد خطر إيران على الرياض من قبل إدارة "ترامب" وفي المقابل يدعو لحلفٍ "أمريكي إسرائيلي عربي سعودي" ذو أبعادٍ أمنية وعسكرية واستخباراتية ضد إيران لتمرير تنازلاتٍ تتعلق بملف الصراع العربي الإسرائيلي، حيث يجري تحييد وعزل دور السعودية كقائدةٍ للعالم الإسلامي، وبالفعل بدأت تصمت على تمرير ما يعرف بـ"صفقة القرن"، ولم تقم بالدور المنوط بها تجاه قرار "ترامب" باعتبار "القدس عاصمة "لإسرائيل" بحسب مراقبين، بل هناك تحضير يجري خلف الكواليس لتمرير التطبيع ودمج "إسرائيل" في النظام العربي بذريعة "محاربة إيران".

مبدأ الدفاع المشترك

وكانت قد كشفت "وول ستريت جورنال" في 16 فبراير 2017 -أي بعد أيامٍ من تنصيب "دونالد ترامب" رئيسًا- عن مباحثاتٍ تدور بين إدارة الرئيس "دونالد ترامب" وإدارات عدد من الدول العربية لحشد حلفٍ عسكري معادٍ لإيران يزود إسرائيل بالمعلومات الاستخباراتية.

وأشارت الصحيفة الأمريكية نقلًا عن مصادر حكومية عربية، إلى أن التحالف المحتمل سيضم بلدانًا بينها السعودية والإمارات ومصر والأردن، على أن تلتحق به دول عربية أخرى في وقتٍ لاحق من تشكيله.

وقالت "وول ستريت جورنال" أن الحلف المنتظر سوف يقوم على غرار الناتو من حيث مبدأ الدفاع المشترك، الذي يعتبر الاعتداء على أي بلدٍ عضو فيه، اعتداء على الحلف ككل، وأن العمل مستمر في الوقت الراهن على صياغة النظام الداخلي لهذا الحلف.

تطورٌ نوعي.. صواريخ تقصف الرياض

هل يريد "ترامب" جرُّ السعودية إلى حربٍ بالوكالة مع إيران مثلما فعل مع نظام "صدام"؟ سؤال طرحه تأكيد واشنطن أن صواريخ "الحوثي" إيرانية، في الوقت نفسه لماذا لا تضغط لوقف تغوُّل "الحوثي" وتهديدات إيران برغم قدرتها على ذلك، هل للضغط على السعودية واستنزافها وتطويقها؟

ابتداء مَن تقود الحرب مع "إسرائيل" ضد القدس في أروقة الأمم المتحدة هي نفسها مَن تحرِّض على الحرب بين إيران والسعودية، ورئيسها "ترامب" يدعو لتحالفٍ "سعودي إسرائيلي عربي ضد إيران"، فقد صرَّحت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، "نيكي هيلي"، أن الصاروخ الذي أطلق تجاه العاصمة السعودية، الرياض، من اليمن أمس الثلاثاء "يحمل بصمات" هجمات سابقة استخدمت فيها أسلحة إيرانية.

وتقول "هيلي" إن الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون له خصائص الصاروخ الإيراني قيام،

وقال الحوثيون، المدعومون من إيران، إنهم أطلقوا صاروخًا على الرياض، استهدفوا به قصر اليمامة، وهو مقرُّ الإقامة الرسمية للملك "سلمان"، وأكَّدت السعودية أنها اعترضت الصاروخ في سماء العاصمة، فيما يتهم التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن إيران بتوفير هذه الصواريخ للحوثيين.

بدوره، قال المتحدث باسم التحالف، "تركي المالكي"، إن الصاروخ أطلق على الرياض بشكلٍ عشوائي لاستهداف المدنيين والمناطق السكنية، وفق وكالة الأنباء السعودية، وأضاف أنه تم اعتراض الصاروخ جنوبي المدينة.

ونفى المتحدث باسم البعثة الإيرانية في الأمم المتحدة، "علي رضا مير يوسفي"، مزاعم "هيلي"، ووصفها بأنها "لا أساس لها، وغير مسؤولة، واستفزازية".

أمريكا تنفض يدها

"ترامب" يُحرِّض السعودية ضد إيران، ووزير دفاعه يقطع بأنه لن يحاربها عسكريًا، فكيف سيحاربها إذن، هل عبر وكلاء منهم الرياض، ولماذا لا تتدخل للضغط على إيران لوقف دعم جماعة الحوثي باليمن؟

فقد أكّد وزير الدفاع الأميركي، "جيمس ماتيس"، في 16 ديسمبر 2017 ، أن فضح الممارسات الإيرانية يصبُّ في صالح المجتمع الدولي، مضيفًا في تصريحاتٍ للصحفيين إن "ما تقوم به إيران حاليًا هو غير شرعي ويساهم في مقتل أبرياء"، مؤكدًا أن "فضح ما تقوم به طهران أمر مفيد للمجتمع الدولي لتوعيته بشأن ما يجري هناك".

وأوضح أن الولايات المتحدة لا تعتزم الرد عسكريًا على إيران، بسبب دورها المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط، مشدِّدًا على أن الرد الأمريكي لن يتعدَّى الإطار الدبلوماسي.

جرح اليمن

يدفع اليمنيون كلفة إنسانية وبشرية عالية بسبب حرب جماعة الحوثي المدعومة من إيران، وتدخل الرياض لمواجهتها في اليمن وإطالة أمد الحرب دون حسم، مع توقعاتٍ باتجاه واشنطن لإعادة إنتاج نظام "علي عبد الله صالح" المحسوب على قوى الثورة المضادة، بإعادة تأهيل نجله "أحمد صالح" عبر دعمٍ إماراتي، بحسب مراقبين.

بما يؤشر على رغبة الإدارة الأمريكية في إعادة تمكين الأنظمة التقليدية التي تحارب ثورات الربيع العربي والتيارات الإسلامية المعتدلة، وهو توجه أعلنه "ترامب" ولم يخفيه.

وقتل أكثر من 8670 شخصًا، وأصيب أكثر من 49960 شخصًا منذ بدء الحملة العسكرية بقيادة السعودية في اليمن، حسب الأمم المتحدة، وجعل القتال وحصار التحالف أكثر من 20 مليون يمني بحاجةٍ إلى المساعدات الإنسانية، وتسبب في نقصٍ حاد في الغذاء، وفي انتشار وباء الكوليرا، الذي يُعتقد أنه قتل 2219 شخصًا منذ أبريل/ نيسان.

في هذا الإطار، يمكن فهم التصعيد الأمريكي ضد صواريخ الحوثي وإيران لفظيًا فقط بدون التدخل العسكري المباشر، سواء لحسم الحرب في اليمن أو حتى التلويح بمواجهةٍ عسكرية أمريكية ضد إيران، فيما يبدو للضغط عسكريًا على السعودية واستنزافها وانكفائها في مواجهة صواريخ تنتقل من الحدود لتهدد العاصمة بينما يعاد رسم خريطة الشرق الأوسط حولها بشكلٍ قسري.

فهل يتم تمهيد الشعب السعودي والعربي لقبول تسويةٍ تعيد "ابن صالح" "أحمد صالح" للمشهد السياسي باعتبارها أقل الخسائر، والقبول بتسوية مهينةٍ أو مذلةٍ ولا تليق بتضحيات الشعب اليمني مقابل الإسراع بإنهاء عملية استهداف العاصمة الرياض وإحراج "محمد بن سلمان" كوزيرٍ للدفاع أمام شعبه.

بالنهاية يبقى الهدف الأمريكي إعادة هندسة المنطقة، وفرض تسوياتٍ قسرية باليمن وغيرها تحت ضغط الصواريخ، مع تسويةٍ قسرية في فلسطين، عبر تطويق السعودية واستنزافها وتحييدها من الصراع العربي الإسرائيلي مقابل حماية أمريكية من فزاعة إيران المصنوعة.