«المخابرات العامة» تعود وتسيطر وتزيح نظيرتها الحربية «الإعلام ليس الأول أو الأخير» (1/2)

«المخابرات العامة» تعود وتسيطر وتزيح نظيرتها الحربية «الإعلام ليس الأول أو الأخير» (1/2)

03:29 ص

21-ديسمبر-2017

بقوة يدخل جهاز المخابرات العامة على خط تملك وسائل الإعلام، امتدادًا لسيطرته على العديد من الملفات السياسية والأمنية الحساسة، بجانب أنشطة اقتصادية آخذة في التوسع.

يبدو أن صراع الأجهزة الأمنية للسيطرة على وسائل الإعلام لم يتوقف بعد، بل زادت حدته واتسع ليشمل جميع الصحف والفضائيات الخاصة، تنفيذًا لمخطط (الفريق أول) عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع الذي قال في التسريب الشهير الذي يعود إلى أوائل عام 2013: "علشان تعمل الموضوع ده لازم يكون لك أذرع"، ردًا على ضابط طالب بضرورة السيطرة على وسائل الإعلام وتقريب رجال الأعمال والإعلاميين من الجيش.

فلم تمر سوى 3 أشهر على صفقة استحواذ شركة "فالكون" للخدمات الأمنية، في سبتمبر الماضي، على مجموعة قنوات "الحياة" مقابل مليار و400 مليون جنيه، تلك الشركة التي يرأس مجلس إدارتها اللواء شريف خالد، وهو وكيل سابق بالمخابرات الحربية ورئيس قطاع الأمن الأسبق باتحاد الإذاعة والتلفزيون، وطالعتنا الصحف بصفقة جديدة تثير الريبة، حيث أعلنت شركة "إيجل كابيتال" للاستثمارات المالية، الإثنين الماضي، عن نجاحها في الاستحواذ على حصة رجل الأعمال "أحمد أبوهشيمة" في شركة "إعلام المصريين" للتدريب والاستشارات الاعلامية، وهي الكيان المالك لشبكة قنوات "أون" وغيرها من الشركات والمؤسسات الاعلامية المؤثرة.

المخابرات العامة تعود

إلى هنا ربما لا يثار جدلًا بشأن الصفقة الأخيرة، لكن تقارير إعلامية، أماطت اللثام عن حقيقة شركة "إيجل كابيتال" التي ترأسها داليا خورشيد وزيرة الاستثمار السابقة وزوجة محافظ البنك المركزي طارق عامر.

التقارير نقلت عن مصادر قريبة الصلة من الشركة ورئيسة مجلس إدارتها، قولها إن الشركة صندوق استثمار مباشر مملوك لجهاز المخابرات العامة المصرية، جرى تأسيسه مؤخرًا ليتولى إدارة جميع الاستثمارات المدنية للجهاز في عدد كبير من الشركات المملوكة للمخابرات جزئيًا أو كليًا.

المفاجأة الأكبر في هذا السياق يكشفها مسؤول تنفيذي سابق بمجموعة شركات أبو هشيمة، الذي أكد أن حصة الأخير من "إعلام المصريين" لم تتجاوز أبدًا عددًا محدودًا من الأسهم، حيث أن دوره كرئيس لمجلس إدارة الشركة انحصر بالأساس في تمثيلها كواجهة إعلامية، وتوقيع التعاقدات باسمها؛ فيما كانت الحصة الحاكمة من الشركة مملوكة بالفعل لجهاز المخابرات العامة.

وبموجب الصفقة الأخيرة أصبح جهاز المخابرات العامة يمتلك كافة أسهم مجموعة إعلام المصريين، من خلال شركة قابضة، إلى جانب شبكة "أون" ستة من الصحف والمواقع الإخبارية، أكبرها موقع وجريدة "اليوم السابع"، وشركتين للإنتاج الدرامي والسينمائي، و7 من شركات الخدمات الإعلامية والإعلانية، وشركة للأمن والحراسة، بحسب موقع المجموعة.

مصدر آخر كشف أن أبو هشيمة خرج من الشركة ضد إرادته، بعد أن اقتنعت "خورشيد" بأن قراراته الإدارية والمالية قد كبدت المجموعة خسائر مالية ضخمة لن يمكن معالجتها إلا بخروجه تمامًا من المشهد، بينما أعلنت تعيين المهندس أسامة الشيخ رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون ومجموعة قنوات "دريم" السابق رئيسًا للمجموعة.

وفي صفقة مشابهة لم يعلن عنها من قبل، كشف مصدر مطلع داخل شبكة قنوات "سي بي سي" المملوكة لرجل الأعمال محمد الأمين عن أن أسهم المخابرات العامة في الشبكة قد جرى خلال شهر ديسمبر الجاري نقلها، في سرية، إلى مجموعة "إعلام المصريين"، وبذلك أصبحت "إيجل كابيتال" تمتلك حصة تقترب من النصف من "سي بي سي".

وكانت شركة "المتحدة للطباعة والنشر وتكنولوجيا المعلومات"، المملوكة للمخابرات العامة، قد أعلنت، في أكتوبر من العام الماضي، عن استحواذها على حصة من تحالف شبكتي "سي بي سي" و"النهار"، وهو الاندماج الذي أعلن فشله في أبريل الماضي لتخرج شبكة النهار وتبقى الشراكة بين كل من شركة المتحدة (المخابرات العامة) ومحمد الأمين عبر شركته "فيوتشر".

التقرير نقل عن الناشر الصحفي هشام قاسم، العضو المنتدب الأسبق لصحيفة "المصري اليوم"، تأكيداته أن "خورشيد" تواصلت مع ملاك لصحف وقنوات تلفزيونية على مدار الأسابيع الماضية للتفاوض بشأن مشاركة جهاز المخابرات العامة في شركاتهم أو شرائها بالكامل.

الخريطة الحالية، وفق المعلومات السابقة، تشير إلى أن جهاز المخابرات العامة دخل بقوة على خط السيطرة على وسائل الإعلام ليس من خلال التوجيه ونشر ما تريده من رسائل واتجاهات عامة، بل عن طريق الملكية المباشرة.

هذه الخطوات المتسارعة قد تدخل في سياق الصراع المحموم بين الأجهزة الأمنية في مصر على امتلاك وسائل الإعلام، وسعي المخابرات العامة لاستعادة ما تراه نفوذًا سُحب من تحتها لصالح المخابرات الحربية والجيش.

الإخوان والمصالحة الفلسطينية

هذا النفوذ لم يقتصر على وسائل الإعلام بل امتد ليشمل السيطرة على ملفات حيوية بالدولة يرى جهاز المخابرات العامة أنه الأولى بالتحكم فيها، في ظل استحواذ غير مسبوق للجيش والمخابرات الحربية ولوزارة الداخلية أيضًا على مقاليد الأمور في البلاد سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا ومعلوماتيًا.

وربما رأت المخابرات العامة في تلك الخطوات المتتابعة، أنها تثبت للسيسي أنها الأجدر والأكفأ بقيادة تلك الملفات الحساسة، أو أنها خيرت السلطة بين استعادة السيطرة عل ملفات بعينها والاستحواذ على أخرى وبين التغريد بعيدًا عن سربها، خاصة بعدما سحبت البساط من تحت أقدامها في ملفات هامة.

أبرز هذه الملفات قضية تيران وصنافير، التي تم فيها تنحية المخابرات العامة نهائيًا عن لعب أي دور، مقابل سيطرة كاملة من الجيش، فضلًا عن احتجاجات 11 نوفمبر 2016 التي عُرفت إعلاميًا بـ"ثورة الغلابة"، التي وُضع التعامل معها برمته في يد الداخلية، رغم ما قيل عن معلومات غاية في الأهمية وتقارير وضعها جهاز المخابرات على مكتب السيسي بشأن الاحتجاجات غير أنه لم يلتفت إليها.

ومن بين الملفات الحساسة التي دخلت المخابرات العامة على الخط فيها صراع الدولة مع جماعة الإخوان المسلمين، والذي تجلى مؤخرًا في تصديها لقضية التخابر مع تركيا، والتي اتهم فيها 29 من قيادات وأعضاء الجماعة بالتخابر.

تحريات المخابرات العامة كشفت عن اتفاق مسبق بين عناصر من أجهزة الأمن والمخابرات في تركيا مع عناصر من جماعة الإخوان على وضع مخطط لاستيلاء الجماعة على السلطة في مصر "عن طريق إرباك الأنظمة القائمة في مؤسسات الدولة المصرية بغية إسقاطها".

كثيرون قالوا إن ملف الإخوان كان تابعًا من الناحية السياسية للمخابرات العامة، وانتقل في عهد السيسي إلى المخابرات الحربية والأمن الوطني، بينما يرجح أن تكون المخابرات قد نجحت في استعادته مرة أخرى.(تفاصيل أوفى في تحليل سابق للقصة)

كان جهاز المخابرات العامة على موعد مع ملف آخر شديد الارتباط بالأمن القومي المصري، فرغم أن الجهاز كان المسيطر على مدار عقود على جزء كبير من القضية الفلسطينية خاصة تلك المتعلق منها بالتواصل مع حركة حماس في أعقاب حسمها العسكري بقطاع غزة، إلا أن السيطرة اتخذت منحى متصاعدًا في الآونة الأخيرة.

وانعكست تلك السيطرة على نجاح الجهاز في لم شمل الفرقاء الفلسطينيين وتوقيع اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس بالقاهرة أكتوبر الماضي، داخل مقر الجهاز.

ولعل الحنكة التي أدار بها جهاز المخابرات العامة تفاصيل المصالحة والجهود التي يبذلها حاليًا من أجل إتمامها وتنفيذ بنودها المتفق عليها، أعلت كثيرًا من أسهم الجهاز لدى السيسي، ليصبح ملف المصالحة وما يتعلق بمسألة الحدود مع قطاع غزة – باستئناء التأمين – حصرًا بيد المخابرات.

بيزنس المخابرات

ووسط هذا الكم المتخم من قضايا وملفات سياسية وأمنية وإعلامية متشابكة، لم يغفل جهاز المخابرات العامة عن تطوير وتنمية ذراعه الاقتصادية الممتدة عبر العديد من الشركات والمؤسسات.

القصة بدأت مع الانطلاقة الحقيقية للجهاز مع تولي صلاح نصر رئاسته عام 1957، فلتغطية نفقات الجهاز الباهظة في ذلك الوقت، أنشأ "شركة النصر للاستيراد والتصدير" لتكون ستارًا لأعمال المخابرات المصرية، بالإضافة إلى الاستفادة منها في تمويل عملياته.

وبطبيعة الحال لا يجد الباحث عن معلومات بشأن النشاط الاقتصادي للمخابرات العامة أية بيانات رسمية موثقة، لكن بعض التقارير والشواهد الأخرى تكشف كل يوم المزيد مما يخفيه هذا الجهاز الغامض.

في أبريل 2015، أجرى رجل الأعمال المتصالح مع الدولة مؤخرًا حسين سالم، حوارًا صحفيًا كشف فيه معلومة كفيلة بالجزم بأن المخابرات تمارس أدوارًا اقتصادية كبيرة، حيث تحدث في الحوار عن علاقته بجهاز المخابرات العامة، وكيف أن كل المشروعات التي قام بها كانت بتكليف من الجهاز.

الضابط الطيار السابق بالجيش، أطلق تصريحات غاية في الأهمية بشأن بيزنس المخابرات، ومما قاله في إجابته على أحد الأسئلة: "نعم، كلفنى الجهاز بتأسيس شركة الشرق للغاز لتصدير الغاز إلى الأردن، وتنازلت عن أسهمى في الشركة وكل ما دفعته فيها للمخابرات دون مقابل وعن طيب خاطر، ثم كُلفت بتأسيس شركة البحر الأبيض المتوسط للغاز لتصدير الغاز إلى إسرائيل، ولم يكن هدف هذه الشركة الربح على الإطلاق، بل تحقيق مصلحة قومية لمصر".

وقال أيضًا: "هناك إدارة في المخابرات أسستها أيام حرب الاستنزاف في الستينيات، تحولت إلى وحدة وهى متخصصة في عمل منظمات ومؤسسات تكون واجهة للجهاز.. لأن ميزانيات أجهزة المخابرات ليس بها بنود للصرف على أشياء معينة، وهدف هذه المؤسسات تحقيق إيراد خارج الميزانية الرسمية..".

وفي ديسمبر 2016، استقبل ميناء الإسكندرية شحنة من الدواجن المستوردة سرى عليه قرار رئيس الوزراء بالإعفاء الجمركي، قبل أن يتراجع عنه، الأمر الذي فُسر حينها على أن القرار صدر خصيصً من أجل هذه الشحنة.

المحلل المالي والخبير الاقتصادي محمد هاشم، قال، عبر حسابه على فيس بوك، إن شحنة الدواجن المستوردة التي سرى عليها الإعفاء الجمركي، هي 70 ألف طن وليس 147 ألف طن، وأن الشركة المستوردة اسمها Medi Trade.

الشركة، بحسب هاشم، هي أكبر شركة استيراد تابعة لجهاز المخابرات العامة المصرية، وتعمل في مجال استيراد كافة السلع الاستراتيجية، وتأسست عام 1979 برأس مال 5 ملايين جنيه، وآخر رئيس لها هو اللواء أحمد رفعت، إلا أن المحلل الاقتصادي كشف أن رئيسها السابق هو "محيي الدين مراد طه العارف" نائب رئيس جهاز المخابرات العامة حتى 2007، والمتوفي يناير 2014.(تفاصيل أكثر في تحليل سابق للقصة)

تقارير إعلامية تحدثت عن امتلاك جهاز المخابرات العامة لشركات كثيرة تنشط في مجالات الاستيراد والتصدير والسياحة والطيران والمقاولات.

ومن بين تلك الشركات: "فالي" للاستثمار العقاري، وشركة وادي النيل للمقاولات التي قيل إنها متورطة في وقائع فساد سهلت استيلاء ضباط الجهاز على مساحات شاسعة من أراضي الدولة أبرزها تلك المجاورة لـ"كمباوند المصراوية" بالتجمع الخامس في القاهرة، وأخرى بالحزام الأخضر في 6 أكتوبر، وقرية الزهور بالساحل الشمالي.