جثة «الجيراني».. إيران تتبنى استراتيجية «بن سلمان» لتقويض الداخل السعودي

جثة «الجيراني».. إيران تتبنى استراتيجية «بن سلمان» لتقويض الداخل السعودي

12:13 م

22-ديسمبر-2017

ومنذ هذا التاريخ والسعودية تدفع باتجاه إعادة تفجير الوضع الداخلي اللبناني للضغط على إيران باتّجاه صيغة تسويةٍ إقليمية شاملة، تتضمن تقاسم النفوذ في سوريا واليمن، لكن بضماناتٍ أمنية وعسكرية تراها الرياض ضرورية لأمنها القومي.

 "لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سنعمل لكي تكون المعركة لديهم في إيران"..

بهذه الكلمات شدَّد ولي العهد السعودي، الأمير "محمد بن سلمان بن عبد العزيز"، في مايو الماضي، على أن فريق الحكم الجديد بالمملكة "لن يُلدغ" من إيران (مجددًا)، مؤكِّدًا أنه "لا توجد نقاط التقاءٍ بين الرياض وطهران للحوار والتفاهم".

واعتبر العديد من المراقبين هذا التصريح إعلانًا" width="100%" height="315"> من قِبَل الرياض بتبني استراتيجيةٍ للتصعيد ضد طهران بعدما وصل صانع القرار السعودي لقناعةٍ بأن المملكة خرجت خالية الوفاض من صيغة التسوية لتقاسم النفوذ، والتي أسفرت عن وقف مسلسل عرقلة انتخاب رئيسٍ للبنان.

وفي هذا الإطار، وظَّف "بن سلمان"، وفريق الحكم الجديد بالمملكة، زيارة الرئيس الأمريكي، "دونالد ترامب"، إلى الرياض، في أول رحلةٍ خارجيةٍ له منذ تولّيه منصبه، باتجاه تشكيل تكتلٍ دولي مناهضٍ لطهران، وصولًا إلى تأسيس تحالفٍ دولي عسكري لمكافحة أذرع النفوذ الإيراني بالإقليم، وهو التحالف الذي سمّاه العديد من المراقبين "ناتو الشرق الأوسط".

ومنذ هذا التاريخ والسعودية تدفع باتجاه إعادة تفجير الوضع الداخلي اللبناني للضغط على إيران باتّجاه صيغة تسويةٍ إقليمية شاملة، تتضمن تقاسم النفوذ في سوريا واليمن، لكن بضماناتٍ أمنية وعسكرية تراها الرياض ضرورية لأمنها القومي.

وتضاعفت القيمة الاستراتيجية لهذه الضمانات بعد تحوُّل الحد الجنوبي للمملكة إلى مدن أشباح جراء سقوط المقذوفات والصواريخ الحوثية يوميًا، الأمر الذي تطوَّر لاحقًا إلى وصول الصواريخ الباليستية إلى عمق الأراضي السعودية، بما فيها العاصمة (الرياض)، حيث سقط أول هذه الصواريخ قرب مطار الملك "خالد" الدولي.

محاولاتٌ فاشلة

ولما تعثرت المحاولات السعودية للوصول إلى تسويةٍ كهذه، كان إجبار رئيس الوزراء اللبناني، "سعد الحريري"، على إعلان استقالته من الرياض، وهي المغامرة التي خسرها "بن سلمان" في النهاية بإعلان "الحريري" تراجعه عن الاستقالة من بيروت (طالع تفاصيل ذلك بتحليل القصة).

سبق ذلك رعاية سعودية صريحة لمؤتمر المعارضة الإيرانية بالخارج، الذي عقد في يوليو الماضي، بالعاصمة الفرنسية (باريس)، في محاولة لترجمة تهديد "بن سلمان" إلى واقعٍ عملي على الأرض.

لكن المؤتمر لم يُسفر عن فعالياتٍ ذات زخمٍ جماهيري بالداخل الإيراني، الأمر الذي اعتبره مراقبون دليلًا على ضعف تأثير معارضة الخارج من جانب، وقلة حيلة الداعم السعودي من جانبٍ آخر.

 

الردُّ الإيراني

 

في المقابل، جاء الرد الإيراني على التصعيد السعودي بتحقيق تهديد "بن سلمان" بالاتجاه المعاكس عمليًا على الأرض، ودون تهديدٍ إعلامي، وذلك عبر مسارين متوازيين.

المسار الأول يتمثل في تزويد الحوثيين بقدراتٍ قتالية متطورة تُمكِّنهم من استهداف كامل مساحة الأراضي السعودية، بما فيها المنشآت الحساسة، وهو ما ثبت عمليًا باعتراف الرياض الأخير بشأن سقوط صاروخٍ باليستي استهدف قصر اليمامة الملكي.

أما المسار الثاني فيتمثّل في إشعال جبهة "المنطقة الشرقية" السعودية، ذات الأغلبية الشيعية، وقد بلغ ذلك حدَّ مواجهة القوات الأمنية هناك لحرب شوارع مع "ملثمين" استهدفوا العديد من مراكز الشرطة والمنشآت الاقتصادية ومقرات البنوك بالحرق.

وتعدُّ محافظة القطيف، وتحديدًا بلدة "العوامية"، مركزًا رئيسيًا لحركة التمرد الشيعي ضد النظام السعودي تاريخيًا، إذ كانت هي المدينة الوحيدة التي شهدت مظاهراتٍ احتجاجية تزامنًا مع أحداث الربيع العربي، وهو ما واجهه الأمن السعودي آنذاك بالقوة.

وخلال الفترة الممتدة من أواخر مارس وحتى يونيو 2011 شهدت العوامية مظاهراتٍ مستمرة تطالب بخروج قوات درع الجزيرة من البحرين، في موقفٍ آخر مناهض للنظام ومؤيد لانحيازات النظام الإيراني في المنطقة.

ولما وصل العنف الأمني في مواجهة المظاهرات بالعوامية إلى مستوياتٍ غير مسبوقة (تحديدًا في أكتوبر ونوفمبر 2011) تحولت المظاهرات السلمية إلى عنفٍ متزايد وسقط جرحى وقتلى من المتظاهرين ورجال الأمن واستعمل الرصاص الحي وقنابل المولوتوف، وسرعان ما تلاشت المظاهرات وبدأت حالة من الاشتباكات المتكرِّرة وحرب العصابات تسود العلاقة بين النظام ونشطاء "المقاومة" هناك.

قيادةٌ بديلة

وإزاء ذلك، اتَّبع النظام السعودي استراتيجية تقوم على استقطاب بعض النخب الشيعية بالمناصب، لتشكيل "قيادةٍ بديلة" عن تلك الموالية لإيران بالمنطقة الشرقية، ومنهم "محمد الجيراني" الذي تم تعيينه قاضيًا بدائرة الأوقاف والمواريث.

لعب "الجيراني" دورًا بالمجتمع القطيفي لصالح النظام، حيث تبنَّى العديد من المواقف الموالية للدولة السعودية، منها انتقاده المتكرِّر لإرسال الكثير من مواطني القطيف لأموال "الخمس" إلى المرجعية الشيعية في إيران والعراق ولبنان، عوضًا عن توزيعها في المدينة التي يعيشون فيها.

وكثيرًا ما استنكر "الجيراني" حوادث الاعتداء على رجال الأمن بالقطيف، واصفًا إياها بالأعمال الإرهابية المنافية للشرائع السماوية ولمبادئ الدين الحنيف.

كما سبق للقاضي الشيعي التأكيد على رفضه الشديد لاستخدام المنابر في انتقاد الدولة والهجوم عليها، متهمًا الموالين لإيران بأنهم يتاجرون بدماء الشباب عبر إقحامهم في الفتن والاحتجاجات والمظاهرات، حسب قوله.

لكن الحالة الشعبية (الشيعية) بالقطيف واجهت محاولات تشكيل نخبةٍ "متسعودة" بالرفض، واعتبرت "الجيراني" وأمثاله حفنةً من "الخونة"، إلى حدِّ تعرُّضه لاعتداءاتٍ متكررة قرب منزله.

سياسة «بن سلمان»

وإزاء ذلك، ومع بداية صعود "بن سلمان" على سلم السلطة السعودية، عام 2015، بدأ النظام في اتباع سياسةٍ أخرى، تتمثّل في عملية "استئصالٍ" لقيادات التمرد الشيعي، بالمعنى الحرفي.

بداية هذه السياسة تمثّلت في إعدام رجل الدين الشيعي، "نمر النمر"، وعدد من قيادات التمرد، ما زاد من اشتعال التوتر بالمنطقة الشرقية، والذي وصل مداه إلى كافة مناطق النفوذ الإيراني حول العالم، ووصل حريقه إلى مقرّ السفارة السعودية في طهران، التي أعلنت إغلاقها لاحقًا، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران.

وفي الداخل السعودي، ترجم "بن سلمان" نزعته الاستئصالية مؤخرًا (أغسطس 2017) بتنفيذ مشروعٍ لـ"تطوير العوامية" تحت شعار تحويل البلدة إلى مساحةٍ لتحقيق تنميةٍ مستدامة بالمنطقة الشرقية، عبر مشروعاتٍ اقتصادية وثقافية ورياضية تنتشل الشباب من فكر الغلوّ والتطرّف إلى آفاق البناء والتنمية تحت مظلّة الدولة السعودية.

لكن تفاصيل المشروع، الذي يشمل هدم أغلب منازل البلدة القديمة واستبدالها بأخرى، تشي بأن أهدافًا "أمنية وديموغرافية" تقف وراء التطوير المزعوم، وذلك عبر محاولة تغيير التركيبة السكّانية بأهم مراكز التمرد ضد النظام السعودي.

تصفيةٌ موازية

وتبدو مقاومة التمرد الشيعي لمحاولةٍ كهذه مستمرة عبر تطوير حرب العصابات، سالفة الذكر، واستهداف منشآت الدولة، وأخيرًا تصفية قيادات "النخبة الخائنة"، كما يصفونها، ردًا على إعدام الشيخ "النمر" ورفاقه.

في هذا السياق يمكن قراءة تلقي الجهات الأمنية السعودية بلاغًا عام 2016 يفيد باختفاء القاضي "الجيراني" في ظروفٍ غامضة من أمام منزله في جزيرة تاروت، لتخفق كافة الجهود البحثيّة في العثور عليه على مدار عامٍ كامل.

الإعلام السعودي أعلن العثور على "الجيراني" "جثة مدفونة"، الأربعاء (20 ديسمبر)، إثر مداهمةٍ لموقع عددٍ من المتمردين الشيعة أسفرت عن مقتل رجل أمن، ومطلوب يدعى "سلمان علي سلمان الفرج".

وكان "الفرج" ضمن 23 اسمًا بقائمةٍ أعلنتها وزارة الداخلية السعودية باعتبارهم أخطر عناصر التمرد الطائفي بالقطيف.

وإزاء ذلك، يمكن القول بأن إيران هي التي نقلت الصراع إلى داخل العمق السعودي، ما يعدُّ فشلًا جديدًا يُضاف إلى سلسلة إخفاقاتٍ لمغامرات "بن سلمان" داخليًا وخارجيًا.

وبإضافة وصول ثاني الصواريخ الباليستية للحوثيين إلى الرياض، واستهدافه لقصر اليمامة، يمكن القول بأن "أزمةً استراتيجية" كبرى تعاني منها المملكة حاليًا، خاصةً مع التأثير النفسي لسقوط الصاروخ في هذه المنطقة الحساسة، ما أفقد قطاعاتٍ شعبية واسعة الشعور بالثقة بشأن نجاح "بن سلمان" في حربه التي وعد بحسمها منذ عام 2015 (عاصفة الحزم) دون أن يحقِّق شيئًا حتى اليوم.

وبخلاف التأثير النفسي، كشف وصول الصاروخ إلى هذه المنطقة من الرياض أن الدفاعات الجوية السعودية غير قادرةٍ على التعامل مع التهديد الحوثي، فضلًا عن الإيراني المباشر، خاصةً في ظل تسريباتٍ تؤكِّد أن الصاروخ سقط بعد استنفاذه مداه وليس لاعتراضه من قِبَل القوات السعودية، كما روَّجت وسائل الإعلام المحلي.

ورغم ذلك، لا مؤشرات على قبول "بن سلمان" لصيغة تسويةٍ وفق الشروط الإيرانية لوقف المزيد من الخسائر، لكن المؤكَّد أن الوقت لم يعد في صالحه، لأن مزيدًا منه يعني صواريخ أخرى، ربما تصيب أهدافًا حساسة بالرياض، إضافة إلى مزيدٍ من جثث "إخوان الجيراني" وإشعال جبهة المنطقة الشرقية ضد نظام الملك المُنتظَر.