الجميع يخرج فائزًا.. هل حسم السيسي «صراع الأجهزة» بتوزيع النفوذ؟ (2/2)

الجميع يخرج فائزًا.. هل حسم السيسي «صراع الأجهزة» بتوزيع النفوذ؟ (2/2)

12:44 م

22-ديسمبر-2017

ربما أدرك «السيسي» مؤخرًا خطورة الصراع القائم بين أجهزة الدولة السيادية على بقاء نظامه، فسعى إلى توزيع النفوذ عليها «بالتراضي» حتى يضمن أن تقف جميعها بجانبه.

صراع الأجهزة.. حديثٌ قديمٌ متجدد في مصر على مدار السنوات القليلة الماضية، خاصةً بين الأجهزة السيادية التي يسعى كل منها لفرض سيطرته، والاستئثار بأكبر كمٍّ من المصالح سواء المادية أو ما يتعلق منها بالنفوذ.

الحديث هنا ربما ينحصر بين 3 جهاتٍ على وجه الدقَّة وهي: الجيش، المخابرات الحربية، والمخابرات العامة والتي يُشكِّل الصراع القائم بينها تهديدًا للنظام الحاكم نفسه، وهو ما ألمحت إليه أقلامٌ موالية للسلطة في فتراتٍ سابقة.

المصالح الاقتصادية، الإعلام، والملفات السياسية والأمنية.. 3 محاور كبرى يندرج تحتها هذا الصراع المكتوم والذي يخرج للعلن بين الحين والآخر، على نحوٍ أشعر النظام وفي مقدمته الرئيس "عبد الفتاح السيسي" بالقلق.

النفوذ المتزايد للمرشح الرئاسي المحتمل الفريق "أحمد شفيق"، رغم ما أثير بشأن تعرُّضه لضغوط من أجل إجباره على الانسحاب من السباق الرئاسي، يلفت الأنظار إلى هذا الصراع المحتدم.

في يوليو الماضي، أُحيل 4 رؤساء سابقين لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام الصحفية القومية، إلى المحاكمة الجنائية لاتهامهم بالفساد في القضية المعروفة باسم "هدايا الأهرام"، وكان لافتًا أن القائمة تضمنت اسم الكاتب الصحفي "عبدالمنعم سعيد" عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف، الذي شكَّله "السيسي" قبلها بأيام، الأمر الذي أثار حالةً من الجدل بتساؤلٍ مفاده: كيف يُعيِّن "السيسي" متهمًا بالفساد في مجلس مكافحة الإرهاب؟.

الواقعة سلَّطت الضوء على قضية صراع النفوذ بين الأجهزة التي ربما سعى أحدها لإحراج الرئيس وتوريطه، مثلما ينسحب الأمر على وقائع أخرى تحدثت عنها تقارير إعلامية مثل إقالة المستشار "أحمد الزند" وزير العدل الأسبق.

وللوقوف على حقيقة هذا الصراع لابد من إلقاء نظرةٍ على خريطة النفوذ والسيطرة الموزَّعة بين الجهات الثلاث، على مختلف المحاور.

الجيش على القمة

خلصت دراسة مستفيضة نشرها "مركز كارنيجي للشرق الأوسط" في أبريل 2015، إلى أن الجيش في عهد "السيسي" "تمكّن من دخول قطاعاتٍ اقتصاديةٍ جديدة، ومن الاستحواذ على مشروعاتٍ اقتصاديةٍ كبيرة، كما تمكّن من اقتحام مجالات طالما امتازت بحضور رأس المال الكبير".

في ديسمبر 2016 قال "السيسي" إن "جيش مصر لا يسيطر على نصف الاقتصاد كما يدعي البعض، وأن نشاطه في مصر لا يتخطَّى 2%"، وكان لافتًا أن تصريحه هذا كان في أثناء كلمته بمناسبة افتتاحه توسعات شركة النصر للكيماويات الوسيطة بمنطقة أبو رواش في الجيزة، وهي شركة تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة.

الدراسة السابقة لفتت إلى تصريحَين مخالفَين لـ"السيسي" والمفارقة أنهما سابقان عليه وكانا في وقتٍ لم يصل فيه تحكم الجيش بمفاصل الاقتصاد إلى هذه الدرجة.

ففي 2012 عقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة – الحاكم حينها - مؤتمرًا صحفيًا كشف فيه نائب وزير الدفاع للشؤون المالية آنذاك، اللواء أركان حرب "محمد نصر"، أن العائدات السنوية للأنشطة الاقتصادية للجيش، هي (198 مليون دولار) وأن نسبتها في ميزانية الدولة (4.2 %).

كما صرح "رشيد محمد رشيد" وزير الصناعة والتجارة في عهد الرئيس الأسبق "حسني مبارك"، بأن الجيش يسيطر على 10% من الاقتصاد المصري في حوارٍ سابق له مع جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

"من الإبرة للصاروخ" بات مُجهدًا على المتابعين حصر المجالات الاقتصادية التي اقتحمها الجيش وشملت كافة مناحي الحياة بشكلٍ لم يسبق له مثيل، عبر العديد من الأجهزة والمؤسسات والهيئات الضخمة.

كل هذا والجيش يمتلك 80% من أراضي الدولة، وتتمتع جميع مصانعه وشركاته بإعفاءٍ كامل من الضرائب والجمارك، كما أن النسبة الأكبر من العاملين في مشروعاته هم من المجندين الإلزاميين في الجيش.

وبعيدًا عن سيطرة الجيش على الاقتصاد وتحكُّمه في غالبية الملفات الأمنية والسياسية بالبلاد، فإن إحكام السيطرة يستلزم تملك وسائل إعلام قوية ومؤثرة وليس مجرد التحكم في مخرجاتها.

ففي يناير الماضي، قال بيان صادر عن شركة "شيري ميديا" إن الشركة تسلمت رسميًا إدارة شبكة قنوات "العاصمة"، التي كانت مملوكة لعضو مجلس النواب "سعيد حساسين".

وتسلم إدارة القناة بمدينة الإنتاج الإعلامي نائب رئيس مجلس إدارة الشركة العميد "محمد سمير"، المتحدث الرسمي السابق باسم القوات المسلحة.

المخابرات الحربية.. تحجيم أدوارٍ متعاظمة

في سبتمبر الماضي، أعلنت شركة "فالكون" للخدمات الأمنية، الاستحواذ على مجموعة قنوات "الحياة" مقابل مليار و400 مليون جنيه في صفقةٍ غير مسبوقة.

مجموعة "تواصل"، إحدى شركات مجموعة "فالكون"، وشركة "سيجما" للإعلام المملوكة لرئيس حزب الوفد "السيد البدوي"، أعلنتا توقيع اتفاقيةٍ إطارية تستحوذ من خلالها الأولى على شبكة قنوات الحياة الفضائية.

"فالكون جروب" تأسست عام 2006، بمشاركةٍ رئيسية من البنك التجاري الدولي – مصر، وأصبحت إحدى كبرى الشركات التي تقدِّم خدمات أمنية متكاملة حيث أنها تقوم بتغطية 28 محافظة عبر 13 فرعًا في جميع أنحاء الجمهورية.

ومن أبرز مهامها تأمين الجامعات الحكومية والشخصيات العامة والمكاتب الأممية والسفارات الأجنبية والمباريات الدولية، وتُقدِّم الشركة أنشطتها الرئيسية من خلال عدة كياناتٍ منفصلة في مجالات: الأمن، نقل الأموال، الخدمات الفنية، والخدمات العامة وإدارة العقارات.

شركة "تواصل" تعود ملكيتها إلى شركة "فالكون" التي قرَّرت مؤخرًا الاستثمار في قطاع الإعلام، بعدما أعلنت عن إطلاق شركة تواصل للعلاقات العامة والإعلام في يوليو 2016.

المثير للجدل في صفقات "فالكون" الإعلامية، أن رئيس مجلس إدارتها اللواء "شريف خالد"، وهو وكيل سابق لجهاز المخابرات الحربية ورئيس قطاع الأمن الأسبق باتحاد الإذاعة والتلفزيون.

وشهدت بدايات 2017 انطلاقة مجموعة قنوات (dmc) التي لا يزال الجدل يحوم حول مالكها الحقيقي، فيما قالت حينها مصادر إعلامية إن "مصر هي المالك الأساسي للقناة، وهي مَن تتكفّل بإنتاج كافة البرامج، وأجور النجوم والمذيعين، وغيرهم من العاملين، ولا تتبع القناة لرجل أعمال معين".

بينما قال آخر إن "المخابرات الحربية هي من خطَّطت لإنشاء هذه القنوات لتكون صوت الدولة الجديد، والمتحدث الرسمي باسم النظام ورئيسه، بعيدًا عن المنابر الأخرى التي فقدت مصداقيتها لدى الجماهير في الآونة الأخيرة".

المُعلَن في هذا الصدد أن رجل الأعمال "طارق إسماعيل" هو مالك القناة، والذي يمتلك شركة "الطارق" لتجارة السيارات، وشركة "دي ميديا" للإنتاج الإعلامي، وقيل إن الميزانية الأولية المرصودة لها تجاوزت 120 مليون دولار.

تقارير إعلامية، تحدثت عن علاقة "إسماعيل" الذي يرأس مجلس إدارة موقع "مبتدأ" ويملك "راديو 9090" بأجهزة السلطة الأمنية، ويُروَّج في الأوساط الإعلامية أن الرجل ضابطٌ سابق بالمخابرات الحربية، وأنه مقربٌ بشدة من "السيسي" نفسه.

هكذا نسجت المخابرات الحربية خيوطها حول وسائل الإعلام لتصبح الأبرز في هذا المجال بين الأجهزة المختلفة محل الصراع الدائر على النفوذ.

وبطبيعة عملها فإنها تسيطر على مجموعةٍ من الملفات الأمنية الحساسة داخل وخارج البلاد، لعل أبرزها ما يتعلق بتحليل الأوضاع الداخلية في مصر وتقديم المعلومات بشأنها لرئيس الجمهورية مباشرة.

هذا الاختصاص يشهد تنازعًا شديد الوطأة بين المخابرات الحربية والعامة وقطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، لكن الأولى هي التي تفرض سيطرتها.

كذلك كانت المخابرات الحربية تُحكم قبضتها على الملف الليبي برمته، عن طريق اللجنة التي شكَّلها "السيسي" لإدارة الأزمة على المستويات العسكرية والسياسية برئاسة رئيس أركان الجيش.

المخابرات العامة.. إعلامٌ وبيزنس

قبل أيامٍ فقط أعلنت شركة "إيجل كابيتال" للاستثمارات المالية، الإثنين الماضي، عن نجاحها في الاستحواذ على حصة رجل الأعمال "أحمد أبوهشيمة" في شركة "إعلام المصريين" للتدريب والاستشارات الإعلامية.

وكشفت تقارير إعلامية، أن شركة "إيجل كابيتال" التي ترأسها "داليا خورشيد" وزيرة الاستثمار السابقة وزوجة محافظ البنك المركزي "طارق عامر"، صندوق استثمارٍ مباشر مملوك لجهاز المخابرات العامة المصرية، جرى تأسيسه مؤخرًا ليتولّى إدارة جميع الاستثمارات المدنية للجهاز في عددٍ كبيرٍ من الشركات المملوكة للمخابرات جزئيًا أو كليًا.

وكانت الحصة الحاكمة من الشركة مملوكةً بالفعل لجهاز المخابرات العامة، وبموجب الصفقة الأخيرة أصبح الجهاز يمتلك كافة أسهم مجموعة "إعلام المصريين"، وهي شركةٌ قابضة تملك بدورها، إلى جانب شبكة "أون" ستة من الصحف والمواقع الإخبارية، أكبرها موقع وجريدة "اليوم السابع"، وشركتين للإنتاج الدرامي والسينمائي، و7 من شركات الخدمات الإعلامية والإعلانية، وشركة للأمن والحراسة، بحسب موقع المجموعة.

وفي صفقةٍ مشابهة كشف مصدرٌ مطّلع داخل شبكة قنوات "سي بي سي" المملوكة لرجل الأعمال "محمد الأمين" عن أن أسهم المخابرات العامة في الشبكة قد جرى خلال شهر ديسمبر الجاري نقلها، في سريةٍ، إلى مجموعة "إعلام المصريين"، وبذلك أصبحت "إيجل كابيتال" تمتلك حصة تقترب من النصف في "سي بي سي".

نفوذ جهاز المخابرات العامة لم يقتصر على وسائل الإعلام بل امتدّ ليشمل السيطرة على ملفاتٍ حيويةٍ بالدولة يرى جهاز المخابرات العامة أنه الأولى بالتحكم فيها، في ظل استحواذٍ غير مسبوق للجيش والمخابرات الحربية ولوزارة الداخلية أيضًا على مقاليد الأمور في البلاد سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا ومعلوماتيًا، ومن أبرز هذه الملفات: جماعة الإخوان المسلمين، والمصالحة الفلسطينية.

وكان الاقتصاد حاضرًا أيضًا عبر العديد من الشركات العاملة في مجالات المقاولات والسياحة والاستيراد والتصدير. (طالع تحليلًا مفصلًا حول نفوذ المخابرات العامة)

السيسي يفضُّ الاشتباك

الخريطة السابقة التي توزعت فيها مناطق النفوذ والسيطرة بين الأجهزة السيادية، تشير إلى تدخلٍ محتملٍ من قِبَل "السيسي" شخصيًا لحسم هذا الصراع وفض الاشتباك على قاعدة "الترضية" للجميع.

ويبدو "السيسي" هنا مستفيدًا من سياسة "مبارك" القائمة على المساواة بين الأجهزة المختلفة (باستثناء السنوات العشر الأخيرة من حكمه)، بعد أن ظهر بشدّة طغيان المؤسسة العسكرية بأجهزتها على مقاليد الأمور فيما بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي".

ولعل إطاحة "السيسي" بصهره الفريق "محمود حجازي" من رئاسة الأركان ومن ثم إدارة الملف الليبي وهو ابن المخابرات الحربية، قرأها البعض استجابةً لضغوطٍ مارسها جهاز المخابرات العامة عليه لإبعاد المخابرات الحربية عن الملف.

وكان من اللافت الزيارات التي قام بها "السيسي" لجهاز المخابرات العامة خلال الفترة الماضية، حيث زارها في يناير 2015 لأول مرةٍ بعد أشهرٍ من جلوسه على كرسي الرئاسة، ثم في أكتوبر من العام نفسه، وزيارة ثالثة في يناير 2016.

وجاء سعي "السيسي" للتصالح مع المخابرات العامة، في أعقاب موجة الهجوم الذي تعرضت له وتزامنت مع قراراتٍ أطاح بها "السيسي" بالعشرات من ضباط الجهاز بدعاوى مختلفة، لكن تقارير أشارت إلى أنها حملة لتطهير الجهاز من محسوبين على نظام الإخوان، فضلًا عن الدفع بكفاءاتٍ جديدة والتخلص من آخرين منعدمي الكفاءة.

هذه الخطوات غير المحسوبة ربما دفعت "السيسي" إلى محاولة تلافي الأخطاء، والدفع باتجاه استعادة الجهاز لرونقه ومكانته خشية اندفاعه في أتون الصراع مع مؤسساتٍ أخرى تدين لـ"السيسي" بالولاء.

ثمة أجنحةٍ داخل السلطة قد تكون بعيدة عن حالة الصراع وتجاذبات المصالح تؤيد فكرة ضرورة إحداث توازنٍ بين مؤسسات الدولة وأجهزتها السيادية، خشية خروج الأمور عن السيطرة، ما يُنذر بعواقب وخيمة تطال بنية النظام وقد تقود إلى تفكُّكه وانهياره.

وبالتوزيع المُحكم للنفوذ بين الجهات السيادية يضمن "السيسي" أن يقف جميعها بجانبه في هذا التوقيت الحساس، حيث تحيط المشاكل والأزمات السياسية والاقتصادية به، بينما تتبقى أشهر قليلة على معترك انتخابات الرئاسة.

ولعل رهان "السيسي" في تحقيق المعادلة السابقة، يقيه كثيرًا من مصادر القلق التي يسببها صراع الأجهزة وتنعكس على إزعاجٍ يعرقل خططه للاستمرار في الحكم، على شاكلة "أحمد شفيق" و"خالد علي".