الاقتراض المحلي والاستدانة الدوليّة دائرة مفرغة من الديون.. ما المخاطر والتهديدات التي تواجه مصر؟

الاقتراض المحلي والاستدانة الدوليّة دائرة مفرغة من الديون.. ما المخاطر والتهديدات التي تواجه مصر؟

01:18 م

23-ديسمبر-2017

وكانت قد دفعت الأزمة المالية الحادّة الحكومة المصرية نحو الاقتراض من الخارج، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة الاحتياطي إلى أكثر من 36 مليار دولار، حسب التقارير الرسمية، إلا أنه ساهم في زيادة أعباء سداد الديون.

تكشف الأرقام الرسمية المُعلنة عن حجم الديون الداخلية والخارجية في مصر عن مخاطر كبيرة تهدِّد الاقتصاد المصري والأجيال القادمة، في ظل توسعٍ حكومي غير مسبوقٍ في مجال الاقتراض المحلي مع الاستمرار في الاستدانة الدولية، وأصبحت الديون بابًا خلفيًا للتغلغل الأجنبي والتلاعب بالاقتصاد المصري، حيث حوَّلته لاقتصادٍ هش يُعاني من تنامي مخاطر هيمنة الأجانب بنسبٍ كبيرة، فيما يُعرف بظاهرة "الأموال الساخنة".

الأكثر خطورةً ما يعرف بالتوظيف السياسي لملف الديون من قبل الأطراف الدائنة، سواء كانت مؤسسات مالية أو حكومات دول أو مستثمرين أجانب، بما يؤثر على القرار السياسي للحكومة المصرية، ويجعلها رهن مصالح ورغبات الدائنين.

تعد ظاهرة الديون المتنامية قابلة للتنامي، وهي بذاتها تكشف تراجعًا كبيرًا في إيرادات الدولة، الإنتاج، السياحة، الصادرات والاستثمارات، ما أدَّى لتزايد ظاهرة تسديد الديون عبر اقتراض ديونٍ جديدة والدوران في دائرةٍ مفرغةٍ خطيرة.

ارتفاعاتٌ قياسية

أزمة تصاعد الدَّين الخارجي والداخلي صارت محل قلق كثيرٍ من خبراء الاقتصاد وفقًا لرصد الأرقام الرسمية، فقد واصل الدَّين العام الخارجي والداخلي في مصر قفزاته ليرتفع إلى 124.7% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2016/2017، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري.

فقد أعلن "المركزي المصري" في تقريرٍ أصدره في الثالث والعشرين من أكتوبر 2017، ونشرته الوكالة المصرية الرسمية "أ ش أ"، ارتفاع الدَّين العام المحلي ليبلغ 3.160 تريليون جنيه، ما يمثّل 91.1% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يونيو/حزيران الماضي، وأوضح أن "رصيد الدين المحلي منه 85% مستحق على الحكومة، و7% على الهيئات العامة الاقتصادية و8% على بنك الاستثمار القومي".

ورصد التقرير أن رصيد الدَّين المحلي المستحق على الحكومة بلغ 2.685 تريليون جنيه في نهاية يونيو الماضي، بزيادةٍ قدرها 400.3 مليارات جنيه خلال العام المالي 2016 - 2017، فيما بلغ صافي رصيد مديونية الهيئات العامة الاقتصادية نحو 222.3 مليارات جنيه بارتفاعٍ قدره نحو 118.6 مليارات جنيه.

وكشف مشروع موازنة العام المالي الجديد 2017/ 2018 لمصر، عن ارتفاعٍ بقيمة 71 مليار جنيه في فوائد الدَّين المحلي لتُسجِّل 355.2 مليار جنيه بمشروع الموازنة الجديدة، مقابل 284.7 مليارات جنيه في الموازنة الماضية 2016/ 2017.

وأشار التقرير إلى أن الدَّين الخارجي البالغ نحو 79 مليار دولار سجَّل 33.6% من الناتج المحلّي الإجمالي نهاية السنة المالية الماضية.

وكانت قد دفعت الأزمة المالية الحادّة الحكومة المصرية نحو الاقتراض من الخارج، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة الاحتياطي إلى أكثر من 36 مليار دولار، حسب التقارير الرسمية، إلا أنه ساهم في زيادة أعباء سداد الديون.

أما فوائد الديون فتَلتَهِم ما يقرب من ربع موازنة العام المالي الجاري، حيث تصل، وفق بيانات وزارة المالية، إلى 325 مليار جنيه (18.4 مليار دولار)، من إجمالي الموازنة المُقدَّرة بنحو 1.49 تريليون جنيه.

بدوره، توقَّع صندوق النقد الدولي أن ترتفع ديون مصر الخارجية إلى 102.4 مليارات دولار، مع انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي في 2020-2021، مقارنةً بـ55.7 مليارات دولار خلال العام المالي الماضي.

ترتَّب على ذلك إدراج وكالة "ستاندرد آند بورز" العالمية للتصنيف الائتماني، مصر ضمن قائمة "الضعفاء الخمسة"، لأسبابٍ تتعلّق بمخاطر الديون السيادية الخارجية والحساب الجاري والاحتياطيات ومستوى الدَّين.

الالتزامات الخارجية لـ 2018.. تقديرٌ رسمي

في تقديرٍ رسمي لالتزامات مصر الخارجية خلال 2018، أعلن "هاني جنينة"، وكيل مساعد محافظ البنك المركزي، أن التزامات مصر الخارجية خلال العام المقبل، تبلغ نحو 12 مليار دولار تقريبًا، مضيفًا أنه سيتم تبديل الديون قصيرة الأجل بقروضٍ طويلة الأجل وبشروطٍ أفضل.

لن ينتهي عام 2017 إلا باقتراض قروضٍ جديدة في الربع الأخير منه، ففي الأول من أكتوبر الماضي 2017 كشف مسؤولٌ في قطاع الدَّين العام بوزارة المالية المصرية، أن الحكومة المصرية تعتزم اقتراض 389.2 مليار جنيه (22 مليار دولار) من السوق المحلية، خلال الفترة من أكتوبر وحتى نهاية ديسمبر، مقابل نحو 273.5 مليار جنيه (15.5 مليار دولار) في نفس الفترة من العام الماضي، بزيادة 42.3%.

وأضاف المسؤول في وزارة المالية، أن أكتوبر يعدُّ الأعلى في حجم الاقتراض المحلي بنحو 145.7 مليار جنيه (17.6 مليار دولار)، في حين سيتم اقتراض 122 مليار جنيه في نوفمبر ونحو 121.5 مليارًا خلال ديسمبر.

وقال المسؤول حينها إن مصر تواجه التزاماتٍ ماليةٍ كبيرة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2017 تصل إلى نحو 8 مليارات دولار، وفق البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي، في الوقت الذي تستمرُّ الحكومة في الاقتراض بشكلٍ غير مسبوق.

لسداد ديونٍ مستحقة وعجز الموازنة

الخطير أن المسؤول نفسه كشف أن نسبةً كبيرة من قيمة أدوات الدَّين التي سيتم طرحها للاكتتاب ستوجّه لسداد ديونٍ مستحقة، بينما يوجه باقي أموال الاقتراض لسدِّ جزءٍ من عجز الموازنة، مشيرًا إلى أن قِصر أجل أدوات الدَّين العام وراء ارتفاع حجم الاقتراض في الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2017، حيث انحسر الاعتماد على أذون الخزانة قصيرة الأجل، مقابل نسبةٍ بسيطةٍ للغاية للسندات طويلة الأجل بسبب ارتفاع أسعار الفائدة عليها.

تصاعد الاستدانة الدولية

المثير للقلق بحسب خبراء اقتصادٍ أنه وبجانب الاقتراض المحلي، تستمر الحكومة في الاستدانة الدولية بوتيرةٍ مقلقة، ففي الخامس من ديسمبر الجاري، قال وزير المالية المصرية، "عمرو الجارحي"، إن الحكومة بدأت الإجراءات المتعلقة بطرح سنداتٍ دولية، بما يتراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار، في يناير، وبجانب السندات الدولارية، تستهدف مصر إصدار سنداتٍ بالعملة الأوروبية الموحّدة، اليورو، بما يتراوح بين مليار و1.5 مليار يورو.

وكانت مصر قد باعت في يناير2017، سنداتٍ دولية بأربعة مليارات دولار على ثلاث شرائح، كما باعت ما قيمته ثلاثة مليارات دولار أخرى، في مايو الماضي.

كذلك تم بيع سندات دولية بقيمة 1.5 مليار دولار، في يونيو 2015، كانت الأولى من نوعها لمصر، منذ يناير 2011، الأمر الذي يشير إلى تفاقم عمليات الاستدانة.

وكان الدين الخارجي للبلاد قد قفز بنسبة 41.6% على أساسٍ سنوي إلى 79 مليار دولار، في ختام السنة المالية الماضية 2016/2017.

حدودٌ آمنة أم خطرة

وبينما يرى مسؤول حكومي، في تصريحاتٍ صحفية أن "لدى مصر برنامجًا لطرح سنداتٍ جديدة في الأسواق الدولية بقيمة 10 مليارات دولار خلال العام المقبل، وأنها تمتلك برنامج تمويل (اقتراض) داخلي وخارجي سنوي، تهدف من خلاله إلى تنويع مصادر التمويل المختلفة"، معتبرًا أن "الدين الخارجي في الحدود الآمنة لا يتجاوز 17% من الناتج، في حين أن معدلات الخطر العالمية تتراوح بين 25% و30%".

في المقابل حذَّر "هشام إبراهيم"، الخبير الاقتصادي، في تصريحاتٍ صحفية نشرت في 6 ديسمبر الجاري، من التوسُّع في الدين الخارجي، الذي تنتهجه الحكومة، فالأمر أصبح مقلقًا، مضيفًا أن طرح سنداتٍ دولية جديدة خاصة بآجال متوسطة يلقي بأعباء ضخمة على الاقتصاد المصري ويزيد من أعباء خدمة الدين، لاسيما في ظل الارتفاع المستمر لسعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري.

وبحسب بياناتٍ رسمية، فإن فوائد الديون الحكومية يتوقع أن تصل إلى 410 مليارات جنيه (23.3 مليار دولار) في العام المالي الحالي، بمقدار 1.1 مليار جنيه يوميًا، وتلتهم فوائد الديون ما يقرب من ربع موازنة العام المالي الجاري 2017 /2018، التي تُقدّر بنحو 1.49 تريليون جنيه.

وبحسب مسؤولٍ مصرفي، فمن المتوقع ارتفاع الدين الخارجي إلى 90 مليار دولار بنهاية العام المالي الجاري في يونيو 2018، لاسيما في ظل بعض الاتفاقات التمويلية الأخرى غير السندات الدولية المنتظر طرحها. 

الأموال الساخنة تهديدٌ خطير

تصاعد الديون يحمل تبعاتٍ خطيرة، منها تحول الديون إلى بابٍ خلفي للتغلغل الأجنبي في مصر والتلاعب بالاقتصاد المصري لحصد مكاسب سريعة تُنهك جسد الاقتصاد المتعب، فقد صرح مسؤول في وزارة المالية المصرية في تصريحاتٍ صحفية نشرت في 12 نوفمبر 2017 بأن مشتريات الأجانب في أدوات الدين الحكومية (سندات وأذون خزانة)، ارتفعت إلى نحو 19 مليار دولار خلال الفترة من نوفمبر 2016 وحتى نهاية أكتوبر من العام الجاري، حيث يشهد شراء الديون الحكومية ارتفاعًا كبيرًا من قِبَل المستثمرين الأجانب، في ظلِّ رفع البنك المركزي أسعار الفائدة لمستوياتٍ غير مسبوقة لامست مستوى 20%، منذ قرار تعويم الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية.

وأكَّد المسؤول أن هناك توقعات بارتفاع إجمالي الفائدة التي ستتحملها الموازنة العامة عن الدين العام إلى 410 مليارات جنيه (23.3 مليار دولار)، مقابل 384 مليار جنيه (21.8 مليار دولار) بسبب قرارات رفع أسعار الفائدة من قِبَل البنك المركزي، لافتًا إلى أن نسبة شراء الأجانب للديون المحلية تصل إلى 52% من إجمالي المشتريات، وهي نسبةٌ كبيرة.

مخاطر هيمنة الأجانب

من جانبه، رصد "مصطفى عبد السلام" -محلل اقتصادي- في تحليلٍ بعنوان "خطورة الأموال الساخنة في مصر" نُشر في 2 أكتوبر الماضي، ملف استثمارات الأجانب في أدوات الدَّين، محذرًا من أن "الاستثمارات في أذون الخزانة يتم تصنيفها على أنها أموال ساخنة، يمكن أن تهرب من البلاد خلال 24 ساعة في حال حدوث خطر، أو حدث تحولٍ جذري داخل المجتمع، حدث ذلك عقب قيام الثورة المصرية في يناير 2011 ووقوع عمليات إرهابية عنيفة في البلاد مثل تلك التي شهدتها مدينتا شرم الشيخ وطابا في سنواتٍ سابقة."

ونبَّه "عبد السلام" إلى أن استثمارات الأجانب الساخنة يمكن أن تلحق أضرارًا شديدة بالاقتصاد القومي في حال هروبها، خاصةً أنه نظرًا لقيمتها فإنه في حال هروبها تشكل ضغطًا شديدًا على البنك المركزي الملتزم بتدبير نقدٍ أجنبي لهؤلاء المستثمرين، وهنا يمكن أن ينهار الاحتياطي من النقد الأجنبي، خاصةً إذا ما تم تمويل تحويلات استثمارات الأجانب من الاحتياطي الأجنبي، أو صاحب عملية الهروب وجود ديونٍ خارجية مستحقةٍ على البلاد في نفس التوقيت.

سياسة ترقيع الديون

أما "أشرف دوابة" -الخبير الاقتصادي- فقد رصد أبعادًا أخرى لملف الديون الخارجية حيث يرى أن ما يحدث في مصر ما هو إلا تطبيق لما أسماه بـ"سياسة ترقيع الديون" التي انتهجتها الحكومة تنفيذًا لتعليمات صندوق النقد الدولي من أجل قرضٍ بمبلغ 12 مليار دولار، لم تقتصر تبعاته على تعويم الجنيه ورفع الدعم وتبديد الحماية الاجتماعية واكتواء الشعب بلهيب ارتفاع الأسعار وفي مقدِّمتها أسعار الوقود والغاز والمواصلات والطعام والشراب، فامتدت تلك التبعات إلى فاتورةٍ مستمرة من الاقتراض من العديد من المؤسسات الدولية كالبنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية وبنك التصدير والاستيراد الإفريقي، ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب بل اتجهت الحكومة لسوق السندات الدولية.

حقيقة الحدود الآمنة

وفنَّد في تحليلٍ بعنوان "الديون الخارجية في مصر.. مخاطر لا منافع" نُشر في 12 أكتوبر الماضي، ملف الحدود الآمنة للديون، موضحًا أن الحدود الآمنة للدَّين العام بصفةٍ عامة داخلي وخارجي هي ألا يتعدى إجمالي هذا الدَّين نسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن الدين العام المحلي الداخلي والخارجي في يونيو 2017 بلغ 4.5 تريليون جنيه (حيث يبلغ الدين العام المحلي فقط 3.1 تريليون جنيه) وهو ما يعني أن نسبة الدين العام المحلي والخارجي تجاوزت نسبة 136% من الناتج المحلي الإجمالي. 

خصخصة أصول الدولة.. مَن المشتري؟

الأكثر خطورة اتجاه الحكومة المصرية إلى بيع أصول الدولة بذريعة ضغط الديون الداخلية والخارجية مع التوسُّع في برنامج الخصخصة بما يزيد من هيمنة المستثمرين الأجانب على اقتصاد الدولة، وقد برزت مؤشراتٌ على هذا التوجه منها إعلان وزارة المالية، في 25 مايو الماضي أنها تعتزم تفعيل خطة بيع بعض أراضي الدولة، خلال العام المالي المقبل، والبدء في إجراءات طرحها للمستثمرين.

وأظهرت وثيقة مشروع موازنة العام المالي المقبل، أن الحكومة تتوقّع طفرةً كبيرةً في بند "الإيرادات الرأسمالية الأخرى" لتصل إلى نحو 20.3 مليار جنيه من 476 مليون جنيه متوقعة خلال العام المالي الحالي.

وقال محمد معيط، نائب وزير المالية لشؤون الخزانة العامة، في تصريحاتٍ صحفية سابقة، إن الزيادة في بند الإيرادات الرأسمالية الأخرى، ناتجة عن بيع حصص في الشركات والبنوك العامة في البورصة، و"إعادة استغلال الأراضي التابعة للدولة".