«فخر الدين باشا».. ما وراء سجال «أردوغان – زايد» (قراءة)

«فخر الدين باشا».. ما وراء سجال «أردوغان – زايد» (قراءة)

02:50 م

23-ديسمبر-2017

وأمام هذا السجال، تصدَّر سؤالان تعليقات المراقبين: لماذا بادر عبد الله بن زايد باستفزاز الأتراك؟ ولماذا جاء رد أردوغان خاليًا تمامًا من الدبلوماسية هذه المرة؟

"حين كان جدُّنا يدافع عن المدينة المنورة، أين كان جدُّك أنت أيها البائس الذي يقذفنا بالبهتان؟"..

هكذا ردَّ الرئيس التركي، "رجب طيب أردوغان"، بقوةٍ على قيام وزير خارجية الإمارات، "عبد الله بن زايد"، بإعادة نشر تغريدةٍ مسيئةٍ لوالي المدينة المنورة إبّان عهد الدولة العثمانية، "عمر فخر الدين باشا".

"فخر الدين" بسرقة آثار المدينة المنورة، ونقلها إلى إسطنبول في نهايات عهد الدولة العثمانية، إضافة إلى ارتكاب مجازر بحقِّ سكان المدينة.

اعتبر المسؤولون في أنقرة تصرُّف رأس الدبلوماسية الإماراتية إهانةَ لتاريخهم وقوميتهم، وهو وترٌ حساس لدى "الشخصية التركية" عمومًا، ما يُفسِّر الرد الأردوغاني الذي وصفه مراقبون بالكاسح.

محاور الرد

واعتمد ردُّ الرئيس التركي على3 محاور، أولها سياسي، يتمثل في خطابه الهجومي ضدّ "بن زايد"، قائلًا "إن لم ندرك جيدًا حقيقة فخر الدين باشا ودفاعه عن المدينة المنورة يخرج علينا من لا يعرف حدوده ويتطاول على أجداد أردوغان ويعاديهم إلى حدِّ اتهامهم بالسرقة كهذا المتغطرس".

ثاني محاور الرد التركي يتمثل في الردِّ على المزاعم الإماراتية بالأدلة التاريخية، حيث أخرج الأرشيف العثماني صورًا ووثائق تتعلق بفترة "فخر الدين باشا، الذي لقَّبه الإنجليز بـ"نمر الصحراء"، تشير إلى دفاعه عن المدينة المنورة في وجه حصار الجيش الإنجليزي ورفضه الاستسلام رغم طلب قيادة الجيش العثماني آنذاك.

هذه الأدلة علَّق عليها "أردوغان" في خطابه قائلًا "لو سألتم صاحب الإساءة والتصرُّف الوقح عن هذه الأمانات التي حفظها فخر الدين باشا، صدقوني فلن يعرف هؤلاء الجهلة"، في إشارةٍ إلى نقل "فخر الدين باشا" لآثار المدينة حمايةً لها من الإنجليز.

وأكَّد الرئيس التركي أن بلاده تواصل "حماية الأمانات المقدَّسة في قصر توب كابي في إسطنبول وسط تلاوةٍ للقرآن على مدار24 ساعة بما يتناسق مع أهمية المكان ومعناه".

أما ثالث المحاور فيتمثَّل في استدعاء الخارجية التركية القائمة بأعمال سفارة الإمارات لدى أنقرة، "خولة علي الشامسي"، لإبلاغها رسالة استياءٍ واستنكارٍ شديدة اللهجة.

وأمام هذا السجال، تصدَّر سؤالان تعليقات المراقبين: لماذا بادر عبد الله بن زايد باستفزاز الأتراك؟ ولماذا جاء رد أردوغان خاليًا تمامًا من الدبلوماسية هذه المرة؟

تضارب المصالح

أبعاد التاريخ والجغرافيا تتشابك في الإجابة على السؤالين، إذ تشير أحداث الماضي القريب إلى أن دولة الإمارات كانت على رأس القوى الداعمة لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وهو ما عبَّرت عنه الدوائر الإعلامية بأنقرة بالتأكيد على وجود أدلةٍ على ضلوع دولة خليجية في تمويل الانقلابيين.

ورغم رصد هذه الأدلة، ومنها أسلوب تغطية شبكة "سكاي نيوز عربية للحظات محاولة الانقلاب الأولى، إلا أن "أردوغان" اتَّبع خطابًا سياسيًا قائمًا على "التلميح" دون "التصريح" بشأن دولة الدعم الخليجي، ما فسَّره مراقبون حينها بعدم رغبة الرئيس التركي في فتح العديد من جبهات الصراع في وقتٍ واحد، خاصةً في ظل ارتباط أنقرة بمصالح اقتصادية واسعة مع دول الخليج، بما فيها الإمارات والسعودية.

ووفق هذه الصيغة، ظلَّت العلاقة بين الطرفين أشبه بصراعٍ مكتوم يتمثَّل في تناقض مواقفهما من مختلف القضايا الإقليمية والدولية، لاسيما أزمة إعلان4 دول عربية، بينها الإمارات والسعودية، مقاطعتها لدولة قطر، وسط تهديداتٍ بعملٍ عسكري ضدها.

ومن هنا يمكن قراءة عامل الجغرافيا في الصراع الإماراتي التركي، إذ جاء إرسال أنقرة للآلاف من جنودها ومعدّاتها العسكرية إلى قطر حاسمًا في إلغاء خيار "العمل العسكري"، سالف الذكر، ومثيرًا لاستفزاز محور أبو ظبي الرياض، الذي اعتبره تهديدًا لمقوِّمات وحدة دول مجلس التعاون الخليجي، حسبما روَّجت وسائل الإعلام الرسمية في كلا البلدين.

لكن الصراع الإماراتي التركي ظل مكتومًا رغم كل هذه التطورات، فما الذي فجَّره فجأة؟.

ساحة الصومال

عنصر التغيُّر الذي يمكن رصده في الأيام القليلة الماضية يتعلَّق بتطوراتٍ تؤشِّر إلى تقويض النفوذ الإماراتي في الصومال، بما يصبُّ في صالح النفوذ التركي والقطري المتنامي هناك، بالمقابل.

تمثَّلت هذه المؤشرات في حملة اعتقالاتٍ شنتها الحكومة الصومالية بحق شخصياتٍ عامة وجهت لهم اتهاماتٍ بالخيانة والفساد، جميعهم على صلةٍ وثيقة بلوبي الدعم الإماراتي في أبو ظبي.

بدأت الحملة بالعاصمة الصومالية (مقديشو) بعد ساعاتٍ من اتهام المدعي العام، "أحمد علي طاهر"، لنائبَين في البرلمان بتقاضي أموالٍ من "دولةٍ أجنبية" لتقويض الحكومة، فيما أصيب بجروحٍ خلال المداهمات وزير التخطيط والتعاون الدولي الصومالي الأسبق، "عبد الرحمن عبد الشكور"، المُقرَّب من "آل زايد".

ويعود ذلك إلى تحول منطقة القرن الإفريقي بشكلٍ عام، والساحة الصومالية بشكلٍ خاص، إلى منطقة منافسةٍ على النفوذ بين الإمارات (ومعها السعودية بدرجةٍ أقل) من جانب، وتركيا (ومعها قطر بدرجةٍ أقل) من جانبٍ آخر، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليلٍ سابق.

في هذا السياق، نسجت أبوظبي علاقات مع قبائل ومجموعات فيدرالية استغلالًا  لعدم انتظام القوات المسلحة الصومالية بشكلٍ كامل، بهدف توسيع سيطرتها على الموانئ ونفوذها بالقرن الإفريقي، وهو ما يثير امتعاض العديد من أطياف المجتمع الصومالي.

ومن هنا يمكن قراءة سعي أبو ظبي لإنشاء قاعدةٍ عسكريةٍ في مدينة بربرة على ساحل خليج عدن، الواقعة داخل دولة أرض الصومال، غير المعترف بها دوليًا، إضافةً إلى إنشائها الفعلي لأول قاعدةٍ عسكريةٍ خارج حدودها في ميناء "عصب" على سواحل إريتريا،، أواخر عام 2016.

نفوذٌ تركي

في المقابل، افتتحت تركيا أول قاعدةٍ عسكريةٍ لها، جنوب مقديشو، في أكتوبر الماضي، بطاقة تدريبٍ تصل إلى1500 جندي يحملون الجنسية الصومالية، بما يعني أن الأتراك اعتمدوا على إغراء المسؤولين في مقديشو بالتشارك لضمان توسيع نفوذهم مقابل المساهمة في دعم تأسيس جيشٍ وطني مركزي بالصومال.

ولما كان الدعم التركي في صالح دعم "الدولة" مقابل الدعم الإماراتي لتشكيلاتٍ قبلية وأيدولوجية مسلحة، فإن الانحياز الصومالي جاء في صفِّ أنقرة.

ولذا كانت حكومة الصومال أول من يُدين محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا بشكلٍ علني، وبعد ساعتين فقط من إعلانها، حيث أصدر الرئيس الصومالي آنذاك، "حسن شيخ محمود"، بيانًا صحفيًا أكَّد فيه تأييده للحكومة المنتخبة ديمقراطيًا، برئاسة "رجب طيب أردوغان"، مشيرًا إلى أنه "من غير المقبول عكس مسار الديمقراطية الذي يتمتع به الشعب التركي".

ومن هنا يمكن قراءة اعتقال "عبد الشكور"، الذي كان مرشحًا بالانتخابات الرئاسية الصومالية عام 2016، باعتبار تصنيفه كأحد رجال أبو ظبي الكبار، والمُعارض الشرس للحكومة الحالية، ذات العلاقات الواسعة بكلٍ من أنقرة والدوحة.

وبإضافة أن دعم أبو ظبي انتقل إلى رئيس الوزراء السابق، "عمر عبد الرشيد شارمارك"، في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الصومالية، يمكن القول بأن تركيا تواصل ربح المزيد من مساحات النفوذ على حساب الإمارات، حيث دعَّمت أنقرة "عبد الله فرماجو"، الذي فاز بالانتخابات وأصبح هو الرئيس الصومالي حاليًا.

استفزازٌ فاشل

وعليه فإن مبادرة "عبد الله بن زايد" لاستفزاز الأتراك تعني الانتقال بالصراع من إطاره المكتوم، سالف الذكر، إلى السطح الإعلامي، وهو ما أدركه "أردوغان" جيدًا، ولذا جاء ردُّه بالغ القوة.

وقد خرج "بن زايد" من هذا السجال بخسارةٍ إعلاميةٍ ثقافيةٍ مزدوجة، إذ لم يكن توثيقه لاتهاماته بحق تاريخ "فخر الدين باشا" على مستوى الدقّة المطلوبة، بل كان تدليسًا في الحقيقة.

 كما أن محاولة "بن زايد" لاستمالة الطرف السعودي بهذه الاتهامات لم تكن ذات مصداقيةٍ عالية، خاصةً بعدما أعاد رواد مواقع التواصل الاجتماعي نشر مقال للكاتب السعودي في صحيفة "المدينة"، "محمد الرطبان"، تناول فيه شخصية "فخر الدين باشا" واصفًا إياه بـ "القائد العظيم الذي وقف وحده مع قوَّته الصغيرة وسط صحراء من الأعداء دون أي سند"

وأيًا ما كانت نتائج السجال، فالمؤكَّد أن انتقال الصراع الإماراتيالتركي إلى مستوى السطح الإعلامي يحمل في طيَّاته غضبًا في أبو ظبي من تطورات الأوضاع في الصومال، التي ربّما تشهد اشتعالًا عسكريًا بالوكالة خلال الأيام المقبلة.