هل ينفذ ترامب تهديده ويقطع المعونة عن مصر؟ وهل ستتأثر القاهرة؟

هل ينفذ ترامب تهديده ويقطع المعونة عن مصر؟ وهل ستتأثر القاهرة؟

03:08 م

23-ديسمبر-2017

تبقى الأيام وربما الساعات المقبلة كفيلة بالإجابة على النية الأمريكية لتنفيذ تهديدات ترامب بقطع المساعدات عن الدول التي صوتت ضد قراره بشأن القدس في الأمم المتحدة، وفي مقدمتها مصر.

على نحو غير مسبوق أصبحت المساعدات الأمريكية لمصر أو ما تسمى "المعونة" بشكل عملي ومباشر وليس بمجرد تحليلات سياسية أو استنتاجات، مرادفة للقرار السياسي، ولعل هذا ما عبر عنه تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقطع المساعدات عن الدول التي تصوت بالأمم المتحدة ضد قراره اعتبار القدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي.

وطبقًا للأرقام المعلنة من قبل وكالة المساعدات الامريكية (USAID) لعام 2016، فإن الولايات المتحدة قدمت حوالي 13 مليار دولار كمساعدات اقتصادية وعسكرية لدول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونحو 6.7 مليارًا لدول في جنوب ووسط أسيا و1.5 مليار دولار لدول أوروبا وأوراسيا.

مصر تبدو معنية في المقام الأول بهذا التهديد، فهي من ناحية صاحبة مشروع القرار الذي أحبطه الفيتو الأمريكي بمجلس الأمن، ومن ناحية أخرى تحتل المرتبة الثانية على مستوى العالم، بعد إسرائيل، والأولى عربيًا وإسلاميًا في تلقي المساعدات من أمريكا والبالغة 1.5 مليار دولار، أما ثالثًا فالعلاقة وطيدة بين إسرائيل والمعونة حيث تحصل عليها مصر بموجب اتفاقية السلام الموقعة معها في كامب ديفيد 1979.

ولا يمكن فصل هذا السياق عن قرار إدارة ترامب في أغسطس الماضي، استقطاع 96 مليون دولار وحجب 195 مليون دولار أخرى من المعونة العسكرية السنوية لمصر والتي يبلغ مجملها 1.3 مليار دولار، حتى تظهر مصر تقدمًا في أوضاع حقوق الإنسان لديها.

أمريكا المستفيد الأول؟!

وقبل الخوض في إمكانية أن ينفذ ترامب تهديداته ضد مصر على وجه التحديد، يجدر التوقف كثيرًا أمام الآثار والتداعيات المحتملة المترتبة على قرار قطع المساعدات اقتصاديًا وعسكريًا.

بداية فإن المعلومات التي ربما لا يعرفها كثيرون أن المعونة العسكرية الأمريكية لمصر هي في الواقع دعم من الحكومة الأمريكية الفيدرالية للصناعات العسكرية الأمريكية فمبلغ المعونة العسكرية يُودع في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وهناك يتحول إلي تمويل ائتماني للخزانة الأمريكية ومنه يُصرف لحساب متعهدي الصناعات العسكرية الأمريكية.

أما الجزء الأصغر من المعونة وهو الخاص بالمساعدات الاقتصادية والذي يتراوح بين 200 إلى 250 مليون دولار، فإنه يرتبط ببرامج محددة للإنفاق، أولها برنامج الحاصلات الزراعية ويهدف إلى توفير قروض ميسرة لشراء سلع كدقيق القمح من الولايات المتحدة، وثانيها برنامج تمويل المشروعات ويمثل مخصصات معينة يتم توجيهها لتمويل البنية الأساسية في قطاعات معينة كالصحة والكهرباء والتعليم، أما البرنامج الثالث فهو الاستيراد السلعي الذي يهدف لتزويد القطاعين الخاص والعام بموارد خام أمريكية الصنع.

على المستوى الاقتصادي تصب شروط برنامج المعونة غالبًا في صالح دعم الاقتصاد الأمريكي؛ حيث يشترط برنامج الاستيراد السلعي الحصول على السلع التي يمولها المشروع من الشركات الأمريكية.

ويوفر برنامج الحالات الزراعية دعمًا كبيرًا للفلاح الأمريكي ويفتح له أسواقًا خارجية، إضافة لكون هذه السلع لا تمثل بالنسبة للولايات المتحدة أكثر من فائض سلعي قد لا يحقق منفعة كبيرة، كما تشترط المعونة شحن البضائع والخامات على سفن الشحن الأمريكية.

أما على المستوى العسكري، فتضمن المعونة الأمريكية للولايات المتحدة إشرافًا مباشرًا على تسليح الجيش المصري والتدخل ضد أي توجهات عسكرية مصرية مخالفة لسياستها، بالإضافة إلى ميزات نسبية فيما يخص الطلعات الجوية فوق سماء مصر، وعبور السفن والحاويات من قناة السويس.

وبعد أن كانت مصر ترفض على مدار عقود توقيع اتفاقية cismoa، فقد وقعتها بعهد السيسي، وتلك الاتفاقية اختصارًا تسمح للقوات الأمريكية بتسهيلات مرور برية وجوية وبحرية إلى مواقع عملياتها ارتكازًا وعبر الأراضي المصرية، وربط عملياتي بين الجيشين المصري والأمريكي، مما يعني انكشاف كامل للسيادة المصرية أمام أمريكا.

ويُرجع كثيرون ما يوصف بأنه "التحكم الأمريكي في الجيش" إلى المعونة العسكرية التي تقدر بنحو 1.3 مليار دولار تمثل أكثر من خمس ميزانية الدفاع المصرية البالغة 5 مليارات دولار.

ووفق بيان لهيئة المعونة الأمريكية فإن إدارة أوباما قررت "توجيه المساعدات العسكرية المخصصة لمصر والتي تقدر بـ1.3 مليار دولار، إلى أربعة مجالات هي: مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والأمن البحري، وأمن سيناء، وذلك بدءا من عام 2018".

مركز واشنطن للدراسات نقل عن مسؤولين بوزارة الدفاع الأمريكية قولهم إن "الولايات المتحدة أرادت لسنوات إعادة هيكلة الجيش المصري من كونه قوة عسكرية أُعدت لخوض حروب تقليدية خصوصًا مع إسرائيل، ليصبح جيشًا أكثر فعالية في مواجهة ما تراه الولايات المتحدة مخاطر أمنية رئيسية تواجه مصر".

وأشار المركز إلى أن الهيكلة تعني تقليص أعداد القوات ونوعية أسلحتها وتطوير مهامها لتناسب المجالات الجديدة التي حددت لتعمل فيها.

وكشف السفير الإسرائيلي السابق في القاهرة "إسحاق ليفانون"، أن الولايات المتحدة طلبت من مصر رسميًا "تغيير العقيدة العسكرية التقليدية التي تميز الجيش المصري الآن، بعقيدة تناسب أكثر الحرب على الإرهاب".

التوجه الأمريكي تمت ترجمته بشكل فعال عام 2012، في أعقاب تعيين الفريق أول (حينها) عبدالفتاح السيسي وزيرًا للدفاع بقرار من الرئيس الأسبق محمد مرسي الذي أطاح به الأول لاحقًا في يوليو 2013.

السعي الحثيث للولايات المتحدة كشفته مصادر أمريكية في أبريل 2015، حيث قالت إن "تفاهمات جرت مع قيادة الجيش المصري بعد تعيين السيسي وزيرًا للدفاع، تتعلق بإعادة هيكلته وتحديثه وتغيير عقيدته القتالية".

سياسيًا، تضمن المعونة الأمريكية الحفاظ على مسار التسوية والتطبيع مع إسرائيل وحفظ الأمن في سيناء ومنطقة القناة.

مكاسب مصرية

مما سبق تبدو الولايات المتحدة هي المستفيدة من المساعدات التي تقدمها لمصر، وليس العكس، لكن هناك اعتبارات أخرى حيث تؤمن الولايات المتحدة لمصر أسلحة متطورة وتدريبات ومناورات عسكرية والمعدات اللازمة لصيانة الدبابات الأكثر تطورًا والطائرات المقاتلة.

المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر تتضمن عدة برامج أبرزها دعم وتزويد بالمعدات العسكرية مثل طائرات (F16)، والطراز المطور منها (F-16C/D)، وطائرات هيليكوبتر بوينج طراز شينوك (CH-47D)، وطائرات الإنذار المبكر(E-2C) التي تنتجها شركة نورثروب جرومان (Northrop Grumman Corp)، وأنظمة مراقبة الطائرات وصواريخ باتريوت للدفاع الجوي المنتجة من شركة لوكهيد وريثيون (Lockheed and Raytheon) كما يشمل البرنامج الدبابة أبرامز أم1 إيه والتدريب عليها والذي تشرف عليه شركة جنرال ديناميكس (General Dynamics Corp).

كما يتضمن برنامج المساعدات العسكرية المناورة الأضخم في الجيش المصري "النجم الساطع" التي عادت العام الجاري ونُفذت بقاعدة محمد نجيب العسكرية غرب البلاد في سبتمبر الماضي، بعد انقطاع دام لسنوات.

لكن حتى هذه الأمور المتعلقة بالمساعدات العسكرية، يبدو أن مصر تمتلك ما يمكنها من تعويض أي نقص أمريكي محتمل، وليس أدل على ذلك من مجموعة من صفقات التسليح الضخمة التي أبرمتها مصر مع دول مثل فرنسا وروسيا خلال الأعوام الماضية بمبالغ ضخمة.

ووفق هذا التصور يمكن الحكم على المعونة الأمريكية لمصر أنها سياسية في المقام الأول، فلا هي تعود بنفع اقتصادي يُذكر على مصر (نسبتها 2% فقط من الناتج القومي الإجمالي)، ويمكن أن تعوض عسكريًا ما ستفقده من ميزات لدى دول أخرى قد تكون متعطشة لذلك مثل روسيا العدو التقليدي للولايات المتحدة.

عقدة المصالح المشتركة

إذن فطبيعة الوزن السياسي لأمريكا باعتبار ما لها من إمكانات وقدرات لا تضاهيها فيهها دولة أخرى، وما تتمتع به من نفوذ واسع حول العالم، فضلًا عن المصالح المشتركة مع دولة محورية مثل مصر قد تدفع جميعها في اتجاه عدم تنفيذ ترامب لتهديداته بقطع المعونة، بغض النظر عن العلاقة الخاصة "الكيمياء" الشهيرة التي تربط بين رئيسي البلدين.

أمريكا تدرك جيدًا أهمية الدور المصري في الحفاظ على أمن واستقرار الاحتلال الإسرائيلي، خاصة بعد اضطلاعها بدور حيوي في توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية، وما أثير بشأن "صفقة القرن" لتصفية القضية وطبيعة الدور المصري في هذه الصفقة.

كما أن القيمة التاريخية والجغرافية والاقتصادية والعسكرية لمصر في منطقة الشرق الأوسط ربما تجبر الولايات المتحدة على ضرورة الحفاظ على علاقات متوازنة معها، ليس خشية منها بل لحاجتها لإمكانات مصر في مكافحة الإرهاب والقضاء على تنظيم داعش.

التقارب المصري الروسي غير المسبوق خلال السنوات القليلة الماضية، مؤكد أنه أزعج إدارة ترامب كثيرًا، على نحو يجعلها تقاوم مزيدًا من الارتماء المصري في أحضان الروس بحكم العداء التاريخي الذي يربط القطبين الكبيرين.

وقد تكون القاهرة ناجحة حتى الآن في إحداث التوازن بعلاقاتها مع الغريمين دون أن تقوى مع أحدهما على حساب الآخر، لكن قد تكون أزمة القدس وتداعياتها دافعًا إلى أن تحسم مصر خياراتها بالتوجه نحو أحد المعسكرين.

غير ذلك، فأمريكا تدرك جيدًا ثقل الدور الإقليمي لمصر، وما يكن أن تلعبه من مكافئ استراتيجي بمنطقة الشرق الأوسط أمام إيران، إثر تدهور حاد يهدد الاتفاق النووي الذي وقعته طهران مع القوى الكبرى في 2015.

وعلى الرغم من الرفض المصري لقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فإن الولايات المتحدة ستكون بحاجة ماسة لعون حلفاءها في المنطقة من أجل ضمان الحد الأدنى من التأثيرات السلبية على مصالحها في الشرق الأوسط نتيجة القرار، كما أن ترامب يعي أن رفض مصر الرسمي لقراره بشأن القدس واقع تحت ضغط شعبي وعروبي وليس عن قناعة، وأن السيسي ونظامه شركاء له في اتفاق القرن المزمع، وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا، وبناء تحالف عربي إسرائيلي في مواجهة القوى السنية المعتدلة، وضد إيران أيضا.