عائلة «صالح».. فرصة لتوازن النفوذ باليمن بين الرياض وأبوظبي (قراءة)

عائلة «صالح».. فرصة لتوازن النفوذ باليمن بين الرياض وأبوظبي (قراءة)

01:06 ص

24-ديسمبر-2017

حيث قدم الأخير العزاء في مقتل الرئيس اليمني المخلوع، وتوقعات عديد المراقبين بشأن إمكانية استخدام أبوظبي لـ "عائلة صالح" كورقة ضغط على أحمد لخلافة والده ميدانيا في المعركة مع الحوثيين.

لماذا رفض أحمد علي عبدالله صالح عرض قيادة حزب المؤتمر الشعبي العام رغم تأكيده على الثأر لوالده الذي قتله الحوثيون؟ ولماذا لجأت أسرة صالح إلى سلطنة عمان تحديدا وليس إلى مكان إقامة أحمد بدولة الإمارات العربية المتحدة؟ وما هو دور السعودية في ترتيب الأوضاع الجديدة باليمن على وقع هذه التطورات؟

هذه الأسئلة وغيرها تصدرت اهتمامات مراقبي الشأنين، الخليجي واليمني، خلال الأيام القليلة الماضية، تزامنا مع تصريحات صادرة عن الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، ورئيس الوزراء، أحمد عبيد بن دغر، للتأكيد على الاستعداد التام لطي صفحة الماضي مع أحمد صالح وأقاربه وفتح صفحة جديدة.

وتمثل هذه التصريحات امتدادا لرسالة سابقة وجهها بن دغر، عبر صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)، لأحمد صالح، داعيا إياه إلى الالتحاق بصف الشرعية تحت رئاسة هادي.

لكن تجاهل قائد الحرس الجمهوري السابق باليمن للرسالة، وعدم إعلانه قبوله لشرعية هادي بشكل صريح، دفع العديد من المحللين إلى ترجيح توظيف أبوظبي له كامتداد لنفوذها المهيمن على مقاليد الأمور بالجنوب اليمني، خاصة في ظل العلاقة المتوترة بين هادي من جانب وآل زايد من جانب آخر.

وسبق لـ "القصة" تناول دلالات أول ظهور علني لأحمد صالح مع ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، حيث قدم الأخير العزاء في مقتل الرئيس اليمني المخلوع، وتوقعات عديد المراقبين بشأن إمكانية استخدام أبوظبي لـ "عائلة صالح" كورقة ضغط على أحمد لخلافة والده ميدانيا في المعركة مع الحوثيين.

عرض مرفوض

غير أن تطورات الأحداث لم تسر في الطريق الذي رسمته أبوظبي على الأرجح، إذ أكدت مصادر يمنية متطابقة أن أحمد صالح رفض العرض الإماراتي، رغم تقديم ضمانات بحشد حزب المؤتمر الشعبي العام خلفه، وتمويل إطلاق قناة فضائية متحدثه باسمه، إضافة إلى دعمه ماليا وعسكرية لتحرير اليمن من المليشيات الحوثية المدعومة من إيران.

وتشير معطيات التسريبات الواردة في هذا الشأن إلى أن أسباب رفض نجل صالح تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية:

السبب الأول: يتمثل في إدراك أحمد صالح لبراجماتية القيادة الإماراتية ورغبتها في توظيفه لمصالحها الخاصة، في ظل عدم امتلاك تحالفها مع السعودية لأدوات حقيقية تضمن حماية حلفائها في الشمال اليمني، والعاصمة صنعاء.

مصير الرئيس اليمني المخلوع ورد فعل التحالف العربي، الذي وصفه مراقبون بالعجز وقلة الحيلة، كفيلان بدفع أحمد صالح إلى التفكير مليا قبل قبول "التحريض الإماراتي" الذي سبق لوالده قبوله، ما أسفر عن مقتله.

وبإضافة أمثلة استغلال القيادة في السعودية والإمارات لزعماء سياسيين تحالفوا معهما، على أراضيهما، بهدف "إجبارهم" على اتخاذ مواقف سياسية بعينها (طالع تحليل القصة بشأن أزمة إعلان استقالة رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، لاستقالته من الرياض)، يمكن القول بأن "القلق من المستقبل" مثل أحد دوافع رفض أحمد صالح للعرض، إذ لا يريد نجل الرئيس اليمني المخلوع تكرار نسخة جديدة من والده الذي استخدمته السعودية والإمارات ثم تركاه لمصيره المأساوي.

قيود أممية

فيما يتمثل السبب الثاني لرفض العرض الإماراتي في أن أحمد صالح كبل حاليا بقيود وعقوبات أممية صادرة عن مجلس الأمن، ولا يمكن أن يتحرك قبل أن ترفع تلك العقوبات، وهذا ليس بالأمر اليسير والسريع، إذ لا تخضع معايير اتخاذ القرار الأممي لذات المصالح السعودية والإماراتية التي حولت عدو الأمس إلى صديق اليوم.

ولما كان قرار مجلس الأمن الدولي، في 14 أبريل 2015، بإدراج علي عبد الله صالح ونجله (كان سفيرا لليمن بالإمارات آنذاك)، بقائمة العقوبات الأممية، التي تشمل المنع من السفر وتجميد أرصدتهما، بجانب مسؤولين حوثيين، فإن خرق هذه العقوبات سيكون ذا تبعات دولية سلبية على دولة الإمارات أيضا.

وبناء على هذه المعطيات فإن قبول أحمد صالح للعرض الإماراتي يظل رهينة تمكن أبوظبي من رفع العقوبات الدولية عنه كدليل على "الجدية وحسن النوايا" من جانب آل زايد، وهو ما لم يتم حتى الآن.

أزمة الشرعية

أما السبب الثالث فيعود إلى أن قبول مختلف ألوان الطيف اليمني لعودة تصدر أحمد صالح للمشهد السياسي مرة أخرى يظل مرهونا بإعلانه قبول شرعية الرئيس هادي، خاصة أن مشروع الرئيس اليمني المخلوع لتوريثه السلطة كان أحد أسباب اندلاع ثورة 11 فبراير.

رضوخ أحمد صالح لهكذا شرط ليس سهلا على الإطلاق، إذ يمثل هادي غريما لوالده، الذي ظل يرفض الاعتراف به رئيسا لليمن حتى لحظة مقتله، بما يعني أن قبول العرض الإماراتي ربما يكون غير ذي قيمة من دون استقرار "قوى الشرعية" على فتح صفحة جديدة معه.

ولا تبدو هذه الصفحة ماثلة في الأفق القريب، خاصة أن الاعتراف بهادي سيمثل ضربة جديدة للحمة عائلة صالح التي تعرضت لظروف صعبة خلال الأيام الماضية، خاصة بعد إلقاء ميليشيات الحوثي القبض على شقيقة زوجة أبيهم، السيدة رقية الحجري، وشقيقها أحمد الحجري.

فحسابات العوائل والقبائل تختلف عن حسابات الساسة، وعليه فإن عائلة صالح ترفض التعاون مع أي من الطرفين اللذين كانا سببا في المصير الذي آل إليه.

ومن هنا يمكن قراءة لجوء 22 من عائلة صالح إلى عمان تحديدا، وليس إلى مكان إقامة أحمد بدولة الإمارات، باعتبار أن السلطنة تمثل طرفا محايدا إزاء الأزمة اليمنية.

تسهيل سعودي

وإزاء ذلك، لعبت السعودية دورا محوريا في تحقيق رغبة العائلة، عبر تسهيلها لسفر 19 منهم  إلى السلطنة عبر أراضيها، حسبما أفادت قناة العربية.

وتؤشر معطيات العرض الإماراتي إلى أن التسهيل السعودي جاء على غير الرغبة الإماراتية على الأرجح، إذ أن استقرار عائلة صالح في مسقط يفقد أبوظبي أحد أهم أوراقها لتمكين بسط نفوذها في اليمن بشكل عام، و"توجيه" مواقف أحمد صالح مستقبلا، بشكل خاص.

ولعل ذلك ما يفسر دعوة شقيق أحمد (صالح) السلطات الإماراتية إلى أن "تترك أخيه وشأنه"، بعد ساعات من مقتل والده.

ولذا يمكن القول بأن التوافق الاستراتيجي بين الإمارات والسعودية حول مختلف ملفات المنطقة لم يصل إلى حد التمام بشأن ملف نجل صالح، الأمر الذي سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق بعد لقاء ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بقيادات حزب الإصلاح اليمني، المحسوب على تيار الإخوان المسلمين، في الرياض، وما صاحبه من حالة "تردد إعلامي" بين تصريح باللقاء ومضمونه وبين محاولة تعتيم عليه.

توازن نفوذ

ورغم قبول ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، لاحقا للقاء قيادات الحزب في الرياض، بوساطة ابن سلمان، لاحقا، إلا أن أبسط قراءة لهذه الخطوة تؤكد أنها "تكتيكية" للاستفادة من زخم الحزب الشعبي والميداني لحين توفير "البديل الصالح له" مستقبلا، والذي لن يخرج عن شبكة من التحالفات السياسية والقبلية ترتبط بأحمد صالح بشكل أو بآخر.

لكن إدراك ابن سلمان لمدى النفوذ الذي وصلت إليه الإمارات بالجنوب اليمني، لصالح مشروعها الخاص هناك، دفعه لتبني الخيار البراجماتي أيضا عبر تمريره للجوء عائلة صالح إلى عمان.

فمن شأن هذا التمرير أن يلطف الأجواء بالعائلة التي تدرك مآرب الرغبة الإماراتية السابقة في استضافتها، بما يعني إمكانية انتقال شبكة التحالفات، سالفة الذكر، إلى نطاق النفوذ السعودي مستقبلا، خاصة في ظل تولي الرياض ملف التنسيق مع حزب الإصلاح بمناطق الشمال اليمني.

وفي حال تحقق هذا المشروع سيضمن ابن سلمان وفريق الحكم الجديد بالسعودية تقاسم النفوذ الميداني باليمن، ليكون قرار الشمال من الرياض، وقرار الجنوب من أبوظبي، وهو ما يمكن لابن زايد قبوله على مضض إذا انتفت الخيارات الأخرى أمامه.

فالتحالف الاستراتيجي بين ابن سلمان وابن زايد لا ينفي صراعا مكتوما على النفوذ بينهما، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة على مضيق باب المندب والمناطق المحيطة به، باعتباره شريانا حيويا للملاحة والتجارة الدولية من جانب، وتصدير النفط من جانب آخر.

لكن يظل تحقق رؤية ابن سلمان مرهونا بنجاح خطة استئصال هيمنة الحوثيين الفعلية على الشمال اليمني، وهي الخطة التي يبدو حزب الإصلاح فيها ملاذا أخيرا يمكن التعويل عليه (طالع تحليل القصة بشأنه).

فهل تتحقق الرؤية السلمانية؟ أم يضاف فشلها إلى إخفاق خطوات تنفيذ رؤيته الاقتصادية (السعودية 2030) حتى الآن؟ الأيام القادمة حبلى بالإجابة.