مثلث حلايب وأزمة سد النهضة.. هل يصنع السودان خارطة تحالفاتٍ جديدة ضد السيسي؟

مثلث حلايب وأزمة سد النهضة.. هل يصنع السودان خارطة تحالفاتٍ جديدة ضد السيسي؟

01:43 ص

24-ديسمبر-2017

الأكثر خطورة أن يكون الموقف السوداني المُتعنِّت بملفي «مثلث حلايب» وملف «سد النهضة» بداية تحولٍ جيواستراتيجي، وتدشين خارطةٍ سياسيةٍ جديدة لا تصبُّ في صالح مصر وأمنها القومي في ظل التقارب «السوداني الإثيوبي» المتنامي والذي صار يهدد أمنها المائي.

يطرح توقيت تجدد إثارة الخرطوم لملف النزاع حول "مثلث حلايب" مع مصر، سؤالًا محوريًا، هل تجري خلف الكواليس محاولة سودانية لمقايضة وابتزاز مصر؟ فالتصعيد السوداني يأتي في ظلِّ ذروة تصعيدٍ آخر على ساحة ملف سد النهضة بتنسيقٍ "سوداني إثيوبي" بما يؤشر على وجود محاولةٍ لربط التفاوض على الملفَّين معًا.

الأكثر خطورة أن يكون الموقف السوداني المُتعنِّت بملفي "مثلث حلايب" وملف "سد النهضة" بداية تحولٍ جيواستراتيجي، وتدشين خارطةٍ سياسيةٍ جديدة لا تصبُّ في صالح مصر وأمنها القومي في ظل التقارب "السوداني الإثيوبي" المتنامي والذي صار يهدد أمنها المائي.

حتى الآن لم يتضح بعد؛ هل ما تقوم به الخرطوم من تنسيقٍ للمواقف مع إثيوبيا ضد مصر بملف سد النهضة هل هو خطوةٌ تكتيكية لحصد مكاسب من مصر بملفاتٍ أخرى منها مثلث حلايب، أم أن هناك تحول استراتيجي بمواقف السودان يكشف عن تحولاتٍ إقليميةٍ نوعية تكون مصر الخاسر فيها حيث يجري تطويقها وخنقها وتهديدها في عمقها الإفريقي وحقوقها المائية، وهذا السيناريو في حال تبلوره سيكون الأكثر خطورة على مصر لأنه يعني الاقتطاع من حدودها ومواردها في آنٍ واحد.

 فلماذا الآن تجديد السودان لملف "مثلث حلايب" وما علاقته بخلافاته السابقة مع نظام "السيسي"، وما هي سيناريوهات التصعيد المحتملة وإلى أين تتّجه؟

مثلث حلايب.. الأهمية الاستراتيجية

يقع مثلث حلايب على امتداد البحر الأحمر على خط العرض 22.. هذا الخط الذي رسمه المُستعمِر البريطاني عام 1899 بين مصر والسودان، ليظل ساحة توترٍ يتصاعد من حينٍ لآخر، وقد عادت قضية حلايب إلى الواجهة بعد توقيع مصر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، التي تخلت بموجبها عن جزيرتي تيران وصنافير لصالح الرياض.

يشار إلى أن السودان طلب الاطّلاع على الاتفاقية لأن شاطئ حلايب يمتدُّ مئتي كيلومتر على البحر الأحمر.

تقع منطقة مثلث حلايب على الطرف الإفريقي للبحر الأحمر، وتبلغ مساحتها 20,580 كيلو مترًا مربعًا، وتوجد بها ثلاث بلداتٍ كبرى، هي: حلايب وأبو رماد وشلاتين.

ويتميز مركز شلاتين بالثروة السمكية، وتتميز حلايب بخصوبة أراضيها التي تعتمد في ريِّها على كلٍ من المياه الجوفية ومياه الأمطار، ويوجد بمدينة شلاتين خمس قرى، هي: أبو رماد، وحلايب ورأس الحداربة ومرسى حميرة وأبرق.

توجد بالمنطقة محمية جبل علبة جنوب شرقي مثلث حلايب، وتعد من أكبر المحميات الطبيعية، كما توجد بالمنطقة آثار فرعونية، وعيون وآبار وثروات معدنية تشمل اليورانيوم والذهب والجرانيت والفوسفات والنحاس والفضة والبترول والمنغنيز والماغنسيوم والكروم والحديد.

الجدير بالذكر أن لاعبًا آخر يدخل إلى حلايب قادمًا من الإمارات، فالمثلث المتنازَع عليه لم يمنع شركة "ثاني دبي" من استخراج الذهب في مساحاتٍ واسعة.

في 5 ديسمبر 2016 كشفت وسائل إعلامٍ رسمية سودانية، عن استيلاء قواتٍ مصرية على منجمٍ للذهب يملكه سوداني، قرب منطقة مثلث "حلايب وشلاتين" المتنازَع عليها بين مصر والسودان.

رفضٌ رسمي لاتفاقية ترسيم الحدود

في تطورٍ نوعي لمسار التصعيد السوداني لملف "مثلث حلايب" أبلغت الحكومة السودانية الأمم المتحدة رسميًا، اعتراضها على اتفاقية تعيين الحدود بين مصر والسعودية التي وُقِّعت بين البلدَين العام الماضي، متضمنةً تتبيع مثلث حلايب المتنازَع عليه مع السودان لمصر.

وقالت وزارة الخارجية السودانية في خطابٍ لها: "أنه وبناءً على ما قرره القانون الدولي لاسيما اتفاقية فيينا للمعاهدات للعام 1969م، فإن جمهورية السودان تؤكِّد عدم اعترافها بأي أثرٍ قانوني ينتج عن اتفاق السعودية ومصر الخاص بتعيين الحدود البحرية بينهما على البحر الأحمر بما يمسّ سيادة جمهورية السودان وحقوقها التاريخية على الحدود البرية والبحرية لمثلث حلايب."

في المقابل عبّرت الخارجية المصرية، في بيانٍ على لسان المتحدث باسم الخارجية، "أحمد أبو زيد"، عن رفض مصر القاطع لما انطوى عليه الخطاب من مزاعم حول السيادة السودانية على منطقة حلايب وشلاتين أو الادّعاء باحتلال مصر لها.

لماذا الآن؟

بدوره، قال "محمد طاهر سدو"، شيخ مشايخ البشارية في حلايب، الناطق الرسمي باسم قبائل حلايب وشلاتين، إن الهدف من مخاطبة السودان الأمم المتحدة رسميًا باعتراضه وعدم اعترافه باتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية مع السعودية هو عرقلة استفادة مصر من الثروات البحرية في جنوب البحر الأحمر حتى خط عرض ٢٢، فور الإعلان عن وصول سفينة الأبحاث الصينية «Dong Fang Kanten» لجنوب البحر الأحمر الأسبوع الماضي، لتبدأ أعمالها في التنقيب عن البترول والغاز الطبيعي بعد ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية.

هل هي مقايضاتٌ خلف الكواليس؟

يرتكز التصعيد السوداني هذه المرة بقوة على "اتفاقية ترسيم الحدود" الأمر الذي يثير عدة تساؤلاتٍ لماذا هذا التصعيد النوعي عبر اللجوء إلى الأمم المتحدة الآن بالرغم من مرور عامٍ على إقرارها وعشرين شهرًا على توقيعها، فقد أقرَّت الحكومة المصرية في 29 ديسمبر 2016، اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية وأحالتها إلى مجلس النواب بعد نحو 8 أشهر من توقيعها في القاهرة في 8 أبريل 2016.

فلماذا الآن تحديدًا يثير السودان أزمةً ترتبط عادة بالداخل السوداني وعلاقاته الإقليمية وأزماته؟

من المرجَّح أن يرتبط ملف "مثلث حلايب" بملف "سد النهضة" حيث يتزامن التصعيد السوداني تجاه ملف حلايب مع تعنُّتٍ "إثيوبي سوداني" تجاه ملف السد، فيما يؤشر على محاولةٍ سودانية تجري خلف الكواليس لمقايضة نظام "السيسي" أو ابتزازه والضغط عليه لحصد مكاسب بملفِّ مثلث حلايب مقابل حلحلة أزمةٍ تهدِّد أمن مصر المائي.

فالسودان يبدو أنه يريد توظيف الأهمية الاستراتيجية لملف المياه المصري، ويقايض به النظام لحصد نقاطٍ بملف حلايب المتنازَع عليه، فالنظام السوداني قد يرى الفرصة سانحة للضغط على الحكومة المصرية، التي تعاني الآن من تقاربٍ سوداني إثيوبي وتنسيق السودان وإثيوبيا ضدها علانية بقضيةٍ حيويةٍ تمثل لمصر قضية أمنٍ قومي وحياة أو موت.

فيما يعد الأمر برمته "لعبٌ بالنيران" وتدشينٌ لخارطة تحالفاتٍ جديدة تخالف التحالفات الاستراتيجية القائمة منذ عقود، التي تعتبر السودان حليفًا استراتيجيًا لمصر وليس إثيوبيا، وبوابة لأمنها القومي من ناحية الجنوب، ويعد تهديدًا للمصالح المصرية وحقوق مصر المائية التاريخية. 

مَن يدفع الثمن

الخطير والمثير للقلق أن تدفع الدولة المصرية والشعب المصري ثمن الخلافات السياسية بين الأنظمة الحاكمة، فمواقف الرئيس السوداني تأتي عقب مواقف لنظام "السيسي" يراها تضرُّ بأمن ووحدة السودان.

فقد اتَّهم الرئيس السوداني، في مايو الماضي الحكومة المصرية صراحة "بدعم الحركات المسلحة السودانية المتمردة تسليحيًا بمدرعاتٍ غنمتها القوت السودانية، وببيع بلاده ذخائر فاسدة"، وفي فبراير الماضي، اتهم "البشير" الحكومة المصرية "بدعم حكومة دولة جنوب السودان بالأسلحة والذخائر"، في المقابل جاء النفي المصري المتكرِّر لهذه الأنباء.

فهل تبنى نظام "السيسي" سياساتٍ أدَّت إلى ابتعاد الخرطوم عن مصر وتقاربها مع إثيوبيا، وتبنِّيها سياسات تهدد مصالحها، سؤال يساهم في الإجابة عليه رصد موقف السودان تجاه ملف سد النهضة وإثارة ملف حلايب مجددًا أثناء مناقشته، وتلاقي التعنُّت السوداني الإثيوبي بنفس التوقيت تجاه المقترحات المصرية. 

سيناريو مقايضة حلايب بسد النهضة

تزامن التصعيد السوداني بملف "مثلث حلايب" مع تعنتٍ سوداني بملف سد النهضة وفشل المفاوضات حوله، فبعد يومٍ واحد من لجوء الخرطوم إلى الأمم المتحدة حول ملف "مثلث حلايب"، أعلن وزير الموارد المائية المصري، "محمد عبد العاطي"، في 21 ديسمبر 2017، أن إثيوبيا والسودان رفضتا مقترحات بلاده لحل أزمة سد النهضة، من دون مراعاةٍ لتأثير بناء السد على حصة مصر من مياه النيل، أو إلحاح القاهرة في المطالبة بعقد اجتماعاتٍ على المستوى الوزاري، منذ مايو الماضي، للبتِّ في تعثُّر المسار الفني للسد الإثيوبي.

ورقة دعم إثيوبيا في مواجهة مصر

ما يزيد من الشكوك والقلق بشأن تبني الخرطوم لاستراتيجيةٍ جديدة في التعامل مع نظام "السيسي" إعلانها الرسمي تأييد سد النهضة بل والترويج له، فقد صرَّح وزير الخارجية السوداني "إبراهيم غندور" بأن مصر تتخوَّف من سد النهضة الإثيوبي لأنه "سيمكِّن السودان من استخدام كامل حصته في مياه نهر النيل التي كانت تمضي لمصر على سبيل الدَّين منذ عام 1959 ".

ونقل موقع "سودان تريبيون" في (21 نوفمبر 2017) عنه القول في مقابلةٍ تليفزيونية إن سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على مجرى النيل الأزرق يحقِّق للسودان مصالحه "لذا يقف السودان مع مصالحه، رغم أنه شدَّد مرارًا أن حصة مصر في مياه النيل وفقًا لاتفاقية 1959 بالنسبة له خط أحمر".

خارطة جيواستراتيجية تهدد القاهرة

بدوره، رصد تحليلٌ نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمريكي «ستراتفور» أنه مع الوجود الحتمي للسد، تجد القاهرة نفسها في زاويةٍ لا مفر منها من المفاوضات، وتقل قدرتها على دفع إثيوبيا إلى تقديم التنازلات بشكلٍ متزايد.

وقد تقدمت مصر بشكوى إلى شركائها في الجامعة العربية وإلى البنك الدولي، لكن دون جدوى، ومع إصرار إثيوبيا -إلى حدٍ كبير- في رسالتها بأن الري ليس جزءًا رئيسيًا من خطة السد، وجدت مصر دعواتها الدبلوماسية تقع على آذان صماء، ومن المرجح أن يتم إجبار مصر على العودة إلى طاولة المفاوضات عاجلًا وليس آجلًا، وعلى أي حال، فإن نقص الخيارات لدى القاهرة، وانخفاض قدرتها على التوحد مع السودان ضد دول المنبع، واستمرار بناء السد، أظهر أن تكتيكات مصر القديمة لم تعد ذات جدوى، وأن دول المنبع تكتسب النفوذ في سياسات مياه حوض النيل أكثر فأكثر.

سيناريو تبني الخيارات القانونية

جاء سيناريو ابتزاز مصر بملف سد النهضة لحصد مكاسب بملف "مثلث حلايب" في المقدمة نظرًا لتوقيت تجدد الأزمة مع ذروة التصعيد بملف السد، إلا أن هناك سيناريوهات أخرى قائمة على رأسها الخيارات المتعلقة بالمسار القانوني والتحكيم الدولي واللجوء لمؤسساتٍ دولية منها مجلس الأمن.

في هذا الإطار يُبرز كل طرفٍ أسانيده القانونية، فالموقف السوداني يرى أن "المناطق المتنازع عليها الواقعة شمال دائرة عرض 22 قد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من السودان، وأنها لم تعد أرضًا مصرية، بل هي أرض سودانية خالصة"، وذلك استنادًا على بعض الحجج منها "إن السودان ممثلًا في دولتي الإدارة الثنائية (مصر وبريطانيا) ظل يدير هذه المناطق منذ إجراء التعديلات الإدارية على خط الحدود الذي أنشئ بناء على اتفاق 1899، ومن خلال الحيازة الفعلية لهذه المناطق قام بمباشرة كافة أعمال السيادة عليها.."

في المقابل يستند الموقف المصري على حزمةٍ من الأسانيد منها أن التعديلات الإدارية على الحدود مع السودان تمت بهدف التيسير على القبائل التي تعيش على جانبي خط الحدود؛ ولم يحدث أن أبرمت مصر أية اتفاقاتٍ دولية بينها وبين السودان أو بريطانيا (أثناء الحكم الثنائي للسودان)؛ لإضفاء الصفة الدولية على هذه التعديلات.

سيناريو المفاوضات الدبلوماسية

من المرجح أن يتباحث الطرفان المصري والسوداني في إطار أطرٍ سياسيةٍ ثنائية لجميع الملفات الخلافية، فمصر بالفترة المقبلة تحتاج إلى استمالة الخرطوم واستعادتها كحليفٍ استراتيجي لتقليل قدرة إثيوبيا على المناورة وتهديد أمن مصر المائي، وسيتجه نظام "السيسي" إلى الاهتمام بهذا الملف أكثر مع اقتراب بدء معركة الانتخابات الرئاسية، ومن ثم ستتجه مصر إلى التهدئة مع السودان لتقليل نفوذ أديس أبابا عليها نسبيًا، مما قد يعطي زخمًا لمسار المفاوضات الثنائية لتسوية الأزمات، مع ترجيح تدخل السعودية على خط الأزمة باعتبارها طرفًا في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، وقد توظف أداة ورقة الاستثمارات للضغط على مواقف الخرطوم أو تحفيزها، خاصة مع سعي الرياض لتوسيع نفوذها في القارة الإفريقية في مواجهة النفوذ الإيراني وللأهمية الاستراتيجية لموقع السودان.

سيناريو العقوبات الاقتصادية

قد تتّجه الخرطوم إلى معاقبة مصر عبر الورقة الاقتصادية، بفرض المزيد من الإجراءات العقابية سواء بحظر تصدير المنتجات المصرية، أو حتى وضع المزيد من القيود على دخول المصريين إليها، وتهديد الاستثمارات المصرية هناك.

وبالفعل اتخذت الخرطوم خطواتٍ مماثلة من قبل، فقد قرَّر رئيس الوزراء السوداني "بكري حسن صالح"، حظر دخول السلع المصرية الزراعية والحيوانية إلى بلاده مع إلزام القطاع الخاص باستيراد السلع مباشرةً من بلد المنشأ دون عبورها بمصر.

كذلك فرض السودان حظرًا شاملًا على السلع الزراعية المصرية، بعد قيودٍ أخرى فرضها لحظر الفواكه والخضروات والأسماك المصرية بفعل مخاوف صحية، ورفضت السلطات السودانية دخول الشاحنات المصرية من مينائَي قسطل وأرقين البريَّين إلا بعد الحصول على تأشيرة دخولٍ من القنصلية السودانية في أسوان، ما تسبب في تكدس نحو 500 شاحنة في منطقة صحاري في مدخل مدينة أبو سمبل.

ويستبعد خبراء سياسيون وعسكريون سودانيون، وقوع مواجهةٍ عسكرية بين السودان ومصر على خلفية الصراع الدائر على منطقة مثلث "حلايب" الحدودي، وأكَّدوا أن التفاوض المباشر أو اللجوء للتحكيم الدولي هو الخيار الأفضل لكلا الجانبين.