هل السيسي جاد حقا في خطط تنمية سيناء.. أم أن هناك تصورات أخرى؟!

هل السيسي جاد حقا في خطط تنمية سيناء.. أم أن هناك تصورات أخرى؟!

02:55 ص

24-ديسمبر-2017

تبقى جدية السيسي في تنمية سيناء على نحو ما تعهد به، حبيسة سيل من الشكوك يفضحها الواقع وتعززها أوهام تعلق بها المصريون.

"تنمية سيناء" عبارة براقة لطالما سمعها المصريون من جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم البلاد منذ حرب أكتوبر 1973، إلا أن تلك التنمية بقيت مجردد خطط على الورق دون أي إنجاز حقيقي على أرض الواقع.

الأمر كان حاضرًا بقوة لدى الرئيس عبدالفتاح السيسي على مدار سنوات رئاسته الأربع التي قاربت على الانتهاء، وكان أحدث تجلياته في تصريحه أمس السبت خلال افتتاح مشروعات تنموية بمنطقة قناة السويس.

السيسي أعلن" width="100%" height="315"> أن مصر ستنفذ، مشروعًا قوميًا بتخطيط عمراني متكامل، في شبه جزيرة سيناء خلال العامين أو الثلاثة المقبلة بتكلفة 100 مليار جنيه وبتنفيذ يقع عاتقه على وزارة الإسكان والهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

الرقم نفسه بل يزيد بمقدار 600 مليون جنيه، كان ضمن إعلان مشابه أطلقه الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 1994، تحت مسمى "المشروع القومي لتنمية سيناء"، وبعد 18 عامًا أي عام 2012، استُبدل بتشكيل "الجهاز الوطني لتنمية شبه جزيرة سيناء"، وخُصصت له ميزانية تقدر بـ3.4 مليار جنيه سنويًا لكن لم يتحقق شيئًا.

فهل يبدو السيسي جادًا في تنمية سيناء حقيقة، أم أن الأمر لا يعدو كونه تعهدًا ينضم إلى مزيد من الوعود التي لا تتحقق؟.

رسائل كلمة السيسي

وقبل الخوض في تفاصيل قضية تنمية سيناء، يجدر التوقف أمام التصريحات التي أدلى بها السيسي وتضمنت فيما يبدو العديد من الرسائل  والدلالات الهامة.

فخلال كلمته الارتجالية أكد السيسي أن المشروع القومي الذي أعلن عنه سيتم تنفيذه "سواء بقي في الحكم أو انتُخب رئيسًا غيره"، ولعل الأمر يحمل تأكيدًا ضمنيًا تكرر خلال الفترة الماضية على ترشح السيسي لفترة رئاسية ثانية في الانتخابات المقررة بعد أشهر قليلة.

التصريح الأحدث للسيسي بشأن انتخابات الرئاسة يأتي متزامنًا مع حالة جدل لم تنته منذ الزلزال الذي أحدثه الفريق أحمد شفيق رئيس وزراء مصر الأسبق بإعلان نيته الترشح من الإمارات، ثم التراجع تحت دعوى مزيد من البحث والتنسيق.

ومن بين ما لفت الأنظار أيضًا في حديث السيسي تأكيده أن "سينا أرضنا"، في رسالة مباشرة تبدو موجهة ضد الحديث المتزايد خلال الفترة لماضية بشأن ما تسمى "صفقة القرن" التي تتضمن توطين الفلسطينيين في سيناء مقابل أراضٍ تحصل عليها مصر في صحراء النقب المحتلة.

وعلى الرغم من نفي كثير من المسؤولين ودوائر الحكم المختلفة للأمر، خاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، إلا أن السيسي ارتأى وجوب تعرضه شخصيًا للأزمة.

وتضمنت التصريحات كذلك اعترافًا ضمنيًا من السيسي بأن الهجوم الذي تعرض له مطار العريش قبل أيام، استهدف شخصي وزيري الدفاع الفريق أول صدقي صبحي والداخلية اللواء مجدي عبدالغفار.

حيث قال تعليقًا على الحادث: ".. القوات المسلحة ستقوم بكل العنف، بكل العنف، بكل العنف، ولازم بفضل الله نضع حد للإرهاب الموجود فيها (سيناء)، وإحنا نموت كلنا ولا حد يقرب من أرضنا".

ومن بين الرسائل التي أراد السيسي توجيهها خلال كلمته، إعلانه أن المشروع القومي المزمع سوف يتم بتنفيذ الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بجانب وزارة الإسكان التي يفترض أنها صاحبة الحق الأصيل في مثل تلك المشروعات.

الرسالة ربما تعني التأكيد على الدور المتعاظم للجيش في الحياة الاقتصادية، وترسيخ هذا الدور للقوات المسلحة حتى ولو ل يكن هو رئيسًا للجمهورية، أي أن تحكم الجيش في مفاصل الاقتصاد أمر لا يقبل النقاش أو التغيير حتى لو تم تغيير رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ذاته.

جدية تحيطها الشكوك!

اللافت أن السيسي لم يذكر في حديثه شيئًا بشأن ماهية المشروع أو متى يبدأ أو مصادر تمويله أو تفاصيل المنشآت التي ستقام في نطاقه، أو غيرها من التفاصيل التي كانت كفيلة بأن توحي بجدية ما في توجه الدولة نحو مشروع قومي بتلك الأهمية.

غياب تفاصيل مثل هذه عند إعلان السيسي والغموض الذي يحيط بالمشروع القومي، ربما تقود إلى احتمالية أن يأتي امتدادا لما سبقه من شروعات قومية في سيناء تحديدًا أُعلن عنها سابقًا، ولم يجد لا المصريون أثرًا.

وربما التصريح الذي يضرب مصداقية وجدية السيسي بشأن تنمية سيناء في مقتل هو الصادر على لسانه في مارس 2016، خلال مداخلة هاتفية لبرنامج "القاهرة اليوم"، على قناة "اليوم"، مع الإعلامي عمرو أديب.

السيسي قال نصًا: "أنا خصّصت 10 مليارات جنيه لتطوير سيناء، لا مجال لدينا للعبث، لا مع أنفسنا، ولا مع الشعب المصري، وسيجد الشعب المصري التطوير الكامل خلال 18 شهرًا من الآن، من إنشاء شبكة طرق وكباري بطول 1500 كم، إلى تطوير المحاور الرئيسية وبناء تجمّعات بدوية يحوي كل تجمع منها على 150 بيتاً بدويًا و500 فدان زراعي، من أجل خلق مجتمع عمراني متكامل لأبنائنا سواء أكان في الشمال أم في الجنوب".

وتابع: "بعد عام ونصف ستكون كل المشروعات التي أعلنت عنها موجودة على الأرض، علشان نفرّح المصريين وأهالينا في سيناء"، إلا أن العام والنصف الذي حدده السيسي شخصيًا وليس بضغط أو إملاء من أحد انتهى في سبتمبر الماضي، دون أن يراجعه أو يحاسبه أو حتى يذكره أحد.

استرجاع شريط وعود التنمية في عهد السيسي يصدمنا بمفاجآت كثيرة، فالرقم ذاته الوارد بالتعهد السابق (10 مليارات جنيه) ليس جديدًا بل يعود تاريخه إلى الأول من فبراير 2015، قبل مرور العام الأول من رئاسة السيسي.

ففي ندوة تثقيفية للقوات المسلحة أعلن السيسي تخصيص مبلغ 10 مليارات جنيه لتنمية سيناء، وقال: "قرار تكليف الفريق أسامة عسكر بقيادة منطقة شرق القناة بكاملها جاء لمكافحة الإرهاب، ولإحداث التنمية في سيناء وحتى يعلم الجميع أننا ذاهبون إلى سيناء للتعمير والتنمية".

وفي مايو 2016، ربما كان التصريح الأغرب للسيسي فيما يخص تنمية سيناء، حيث قال خلال افتتاح مشروعات زراعية بالفرافرة: "مكنتش بتكلم كتير عشان أهل الشر، ولكننا النهاردة بنصرف على سيناء من 20 لـ 30 مليار جنيه".

ولعل التصريح يثير العديد من التساؤلات حول مصير هذه المليارات، وإن كان حقيقة تم صرفها فأين المشروعات المُنفذة، وهل بعد ذلك تحتاج تنمية سيناء إلى 100 مليار أخرى؟.

أما في يونيو 2016، فكان المصريون على موعد مع إنجازات الرئيس بعد عامين من الحكم، والتي كانت سيناء في مقدمتها، حيث أكد التقرير الذي أعده المكتب الإعلامي لرئيس الجمهورية أنه من بين تلك الإنجازات "المشروع القومي لتنمية سيناء بتكلفة 150 مليار جنيه"، مشيرًا إلى أن "القوات المسلحة تعمل بمشاركة العديد من الشركات الوطنية على إنشاء 77 ألفا و237 وحدة سكنية في شبه جزيرة سيناء قبل نهاية العام المقبل".

تلك النهاية بقي عليها الآن أقل من أسبوع واحد، ليظل الشعار المرفوع دائمًا على أرض الواقع "يبقى الحال على ما هو عليه"، فلا تنمية ولا مشروعات فقط حرب ودمار.

ويبدو أن السيسي استشعر بشيء من الحرج فيما يخص جهود الدولة نحو التنمية في سيناء، فلجأ في أبريل الماضي إلى تصريح جلب له انتقادات أوسع مما كانت توجه إليه بسبب اتهامات الإهمال بارض الفيروز.

ففي مؤتمر الشباب بالإسماعيلية، قال السيسي: "فيه حاجات كتير بتتعمل في سيناء مش هنقولها عشان أهل الشر، لما نشاور على حاجة حلوة أهل الشر يروحوا يأذوها".

أحاديث المليارات لم تتوقف عند حدود التمويل الذاتي، بل تخطتها إلى استثمارات عربية مباشرة لم تكن هي والسراب إلا وجهان لعملة واحدة، ففي يناير الماضي، أي قبل نحو عام كامل، وافق السيسي على مذكرة الاتفاق بشأن برنامج الملك سلمان لتنمية شبه جزيرة سيناء بقيمة 1.5 مليار تشمل عدة مشروعات بمحافظتي شمال وجنوب سيناء بتنفيذ القوات المسلحة.

وبجانب الواقع الأليم الذي تعيشه سيناء، وبالأخص محافظتها الشمالية، فإن ما سبق سرده من تصريحات وخطط تشير إلى وهمية الحديث عن تنمية حقيقية لسيناء، تشكك بقوة في جدية السيسي نحو تلك التنمية.

سيناء.. بين الشمال والجنوب

ولعل الحديث عن شبه جزيرة سيناء بمحافظتيها الشمال والجنوب ككتلة واحدة لن يكون منصفًا بأي حال من الأحوال.

فتلك محافظة الجنوب المؤمنة تمامًا والزاخرة بالسياح على مدار العام حتى في أوقات الأزمات، المحافظة لتي تحتضن مئات الفنادق ذات التصنيف العالي، البنية التحتية المتفردة بين محافظات الجمهورية، الخدمات الأساسية المتوفرة، وغيرها من العوامل التي تجعل مدنًا مثل طابا ودهب ونويبع وشرم الشيخ ورأس سدر، مقاصد سياحية عالمية بكل ما يمكن أن يندرج تحت هذا الوصف من تفاصيل.

على الجانب الآخر وفي الشمال، لم تكتف السلطة بويلات الحرب التي يعاني منها الأهالي منذ 4 سنوات وما أسفرت عنه من عمليات قتل وتهجير وانتهاكات واسعة وثقتها منظمات حقوقية محلية وعالمية، بل أمعنت في زيادة المعاناة.

غياب الخدمات الأساسية وضعف البنى التحتية والإهمال الصارخ في توفير احتياجات المواطنين، ظلت السمة الرئيسية لشمال سيناء على مدار السنوات الماضية، فضلا عن تمدد مسلحي تنظيم الدولة "ولاية سيناء"، وتعرضهم بالقتل والاختطاف لسائقين يعملون في مصانع تابعة للجيش في وسط وشمال سيناء، فضلا عن سرقة المعدات وإتلافها، في قصور أمني واضح.

هذه التفرقة "العنصرية"، إن جاز التعبير، تنسحب على اهتمامات السلطة بالتنمية والمشروعات المخطط تنفيذها هناك.

وبحسب دراسة أعدها المعهد المصري للدراسات، فإن أكثر من 95% من مشروعات الوحدات السكنية تتركز في جنوب سيناء مدن شرم الشيخ، الطور، ودهب، بينما لم تحظى مدينتي العريش ورفح سوى بـ5% من المشروعات السكنية على الرغم من الكثافة السكانية المتمركزة بهما.

كما أن مشروعات الطرق تتركز حول مشروع تنمية محور قناة السويس، والطرق والكباري التي تخدم المشروع وخاصة في المناطق القريبة من نفق الشهيد أحمد حمدي مثل رأس سدر، أو لخدمة المناطق السياحية في شرم الشيخ.

أما فيما يخص المشروعات الخدمية والكهرباء والبنية الأساسية، ترى الدراسة أن منطقتي شمال ووسط سيناء تخلوان من هذه المشروعات، وتستأثر بها من جنوب سيناء فقط.

الدراسة أشارت إلى أن خلو وسط وشمال سيناء من المشروعات "يُدخل الشك إلى فكرة التنمية المتكاملة لسيناء، ويفتح باب السيناريوهات المستقبلية للتعامل السياسي لهذه المناطق خاصة القريبة من بؤر التوتر"، وهو ما يرتبط جديًا بما يثار حول صفقة القرن.

صفقة القرن

إعلان السيسي عن المشروع الضخم الممول بـ100 مليار، جاء بعد أسابيع من إعلان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، عن مشروع نيوم السياحي على أراضٍ مصرية أردنية سعودية، بإدارةٍ وتمويلٍ واحتكامٍ قانوني سعودي فقط، ويأتي بعد عام تقريبا من موافق "السيسي" على برنامجٍ سعودي يدعى "الملك سلمان لتنمية سيناء" يتضمن إنشاء طرقًا وسحارات مياه ومدنًا سكنية، ومنها مشاريع تطوير الطريق الساحلي (العريش – الميدان)، وطريق (بغداد – بئر لحفن – العريش)، ومشروع طريق "النفق – النقب"، الذي سيربط أنفاق قناة السويس بصحراء النقب.

وكان موقع "ميدل إيست أوبزرفر" البريطاني، قد قال في وقت سابق إن الحكومة المصرية بدأت في إنشاء ستة أنفاقٍ أسفل قناة السويس، وأن الهدف منها إيصال مياه النيل إلى إسرائيل، وبحسب مُختصِّين فإن هذه المشاريع جميعها، جزء من خطة الجنرال الإسرائيلي "جيورا"، التي تقضي بأخذ أراضٍ من سيناء، وضمها لقطاع غزة، مع تعويض مصر بمساحةٍ مماثلةٍ في صحراء النقب المحتلة، ضمن ما يعرف بصفقة القرن، وتصفية القضية الفلسطينية.