بشاراتٌ «قاتمة» لعامٍ جديد.. ماذا ينتظر المصريون في 2018؟

بشاراتٌ «قاتمة» لعامٍ جديد.. ماذا ينتظر المصريون في 2018؟

12:30 ص

25-ديسمبر-2017

حتى أعتى نظم الحكم الديكتاتورية تسعى لامتصاص غضب المواطنين، وتوجد البدائل اللازمة لتخفيف الصدمات، وتتحين الفرص المواتية لفرض مزيدٍ من الأعباء خاصةً على البسطاء منهم، غير أن الأمر اختلف بشدة لدى "السيسي" ونظامه.

كان من الممكن أن ينتظر الإعلان عن رفع أسعار الوقود وزيادة تذكرة مترو الأنفاق إلى ما بعد الانتهاء من معترك الانتخابات الرئاسية المقبلة، إلا أن توجه الرئيس "عبد الفتاح السيسي" على هذا النحو يمثل تحديًا للمصريين، ويخلق معادلةً يصعب تصورها في أي نظامٍ سياسي.

حتى أعتى نظم الحكم الديكتاتورية تسعى لامتصاص غضب المواطنين، وتوجد البدائل اللازمة لتخفيف الصدمات، وتتحين الفرص المواتية لفرض مزيدٍ من الأعباء خاصةً على البسطاء منهم، غير أن الأمر اختلف بشدة لدى "السيسي" ونظامه.

فعلى الرغم من بدء العد التنازلي لانتخاباتٍ رئاسيةٍ بات في حكم المؤكد أن "السيسي" سوف يترشح خلالها لفترةٍ ثانية، وما يفترض أن يُقدِّمه للشعب في تلك الفترة من نقاط قوةٍ تُعزِّز موقفه وسط توقعاتٍ بوجود منافسةٍ أيًّا كان مصدرها على خلاف انتخابات 2014، خالف "السيسي" كل التوقعات والبديهيات ليصدم المصريين صدمةً جديدة يبدو أنهم اعتادوا تلقِّيها في عهده.

ما خفي أعظم!

تقارير إعلامية نقلت عن مصدرٍ حكومي قوله إن "الحكومة اتخذت قرارها برفع أسعار الوقود مجددًا للمرة الثانية خلال العام المالي الجاري"،

المصدر أضاف أن الحكومة تدرس الموعد المناسب للتطبيق، والذي يتراوح بين 3 و6 أشهر من بداية العام المقبل 2018، متابعًا: "قرار رفع أسعار الوقود سيتم اتخاذه قبل الموعد المخطط له؛ بسبب ارتفاع أسعار النفط وثبات سعر صرف الدولار".

هذا الارتفاع المرتقب، يأتي رغم تأكيداتٍ رسمية سابقة بتأجيل ذلك إلى النصف الثاني من العام الجديد، ففي أكتوبر الماضي أكد "عمرو الجارحي"، وزير المالية، تعهد الحكومة بعدم رفع أسعار الوقود مجددًا خلال العام المالي الحالي الذي بدأ يوليو2017 وينتهي في يونيو 2018.

كما يأتي ضمن سلسلةٍ من الارتفاعات المتتالية في أسعار الوقود منذ وصول "السيسي" إلى السلطة، منذ التوقيع على قرض صندوق النقد الدولي، حيث سبق رفع الأسعار في يوليو 2014، ونوفمبر 2016، ويونيو 2017.

توجه الارتفاعات المتتالية نهج حكومي لن تكون الزيادة المرتقبة محطته الأخيرة، بل ستعقبه زيادات أخرى لحين تحقيق الحكومة هدفها المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي بخفض فاتورة دعم الوقود إلى 35 مليار دولار فقط، حسب المصدر الحكومي.

في اليوم نفسه أبت السلطة إلا أن تمارس دورها المعهود في "العكننة" على المصريين، ليخرج وزير النقل "هشام عرفات" السبت بتصريح آخر، كشف فيه أن هناك زيادةً قادمة في أسعار تذاكر مترو الأنفاق سيتم تحديدها وفقًا لعدد المحطات على أن تدخل حيِّز التطبيق في أكتوبر المقبل.

لم تتوقف السلطة عند حدود التبشير بزياداتٍ على أرض الواقع، بل تعدتها إلى خططٍ مستقبلية لم ترَ النور بعد تثقل كاهل المواطنين بأعباءٍ إضافية.

"السيسي" نفسه كان البطل هذه المرة، حيث قال على هامش افتتاح عددٍ من المشروعات القومية بالإسماعيلية: "بالمناسبة لن تكون أسعار المشاريع اللي جاية للمستخدم أسعارًا عادية زي اللي بتتقدم دلوقت، بكلمكم بكل صراحة، النهاردة هتاخد 20 أو 30 مليار جنيه من البنوك لعمل خط مترو زي كدا أنفاق بس من غير معدات، والمعدات بـ10 مليارات جنيه، ده مش هينفع نعمله والتذكرة بالسعر الموجود دلوقت ولا الضعف ولا 3 أضعاف بصراحة..".

المفارقة أن الصدمات الثلاث دقَّت رؤوس المصريين في يومٍ واحد، وكأن السلطة تشبَّهت بهذه الشخصية التي تخرج لسانها للمواطنين إمعانًا في الكيد.

ولعل ما يتبادر إلى الذهن على الفور تساؤل مفاده: إذا كانت هذه المبشرات المعلنة للسلطة في استقبال عامٍ جديد فهل ما خفي يكون أعظم؟، وما المجهول الذي ينتظره المصريون في 2018؟.

لا يأبه بانتخابات الرئاسة

ربما يرى كثيرون أن ما سبق واتخذته السلطة من قراراتٍ اقتصاديةٍ صعبة على مدار الأعوام الماضية، لن يكون هناك ما هو أصعب منه، فماذا يا ترى يفوق في تأثيراته وانعكاساته السلبية تعويم الجنيه ورفع أسعار الوقود واستهلاك المياه والكهرباء وضريبة القيمة المضافة، والارتفاعات القياسية في أسعار السلع والخدمات الأساسية؟.

زيادات أسعار الوقود المتتالية أدَّت إلى ارتفاع أسعار الخدمات والنقل وأسعار السلع في السوق، حيث ارتفعت نسبة التضخم إلى 34.2% خلال يوليو الماضي فقط، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

من المتوقع ألا يكون هناك جديد في الأفق فيما يتعلق بالمجالات التي ينتظر أن تُشكِّل صدماتٍ يستقبل بها المصريون عام 2018، لكن الجديد قد يتمثل في توحشٍ في القرارات والإجراءات الاقتصادية على نحوٍ ربما يفوق خيال المواطنين، اتساقًا مع تبشير "السيسي" بأسعار تذاكر المترو في المشروعات الجديدة.

وفي المناسبة ذاتها ربما أراد "السيسي" أن يُوجِّه رسالةً إيجابية بشأن الأوضاع في سيناء، لكنها انقلبت سلبيًا عليه، حيث تحول حديثه عن مكافحة الإرهاب بتأكيدٍ على تعرض وزيري الدفاع والداخلية لمحاولة اغتيالٍ في حادث العريش قبل أيام.

"السيسي" وكأن لسان حاله يتساءل: "إلى أين يمكن أن يصل خيالكم يا مصريون فيما هو قادم؟"، ثم يجيب هو الآخر: "لا.. الأمر أبعد مما تتخيلون وأقسى مما تتصورون".

منطقيًا لا يُعقل أن تكون هذه رسائل رئيس جمهورية بصدد خوض انتخاباتٍ جديدة قد تحدد مصيره، يفترض أن يسعى قبلها إلى تقديم ما يرفع من نفوذه ويزيد نقاط القوة لديه أمام شعبه.

تفسير هذا الموقف الملتبس ربما يقود إلى تصورَين لا ثالث لهما، الأول يستند إلى أن "السيسي" ضمن أنه سيكون رئيسًا للجمهورية لفترةٍ ثانية، إما لضمانة عدم وجود منافسٍ قوي يستطيع أن يواجه مؤسسات الدولة المحتشدة خلف "السيسي"، أو لوجود ترتيبٍ ما بشكلٍ أو بآخر حتى يتم "طبخ" الانتخابات لصالحه بوجود مرشحٍ ديكوري كما حدث في انتخابات 2014.

ولعل ما يعزز من إمكانية حدوث هذا السيناريو هو ما أثير بشأن الضغوط التي مارستها السلطة على الفريق "أحمد شفيق" رئيس وزراء مصر الأسبق، والتي أجبرته على التراجع عن عزمه خوض الانتخابات الرئاسية بعد إعلان نيته في المقطع الشهير من الإمارات.

أما التصور الثاني، فيشير إلى أن السلطة باتت لا تلقي بالًا بردود أفعال المصريين تجاه القرارات الصعبة، والتي تأكد بالتجربة أنها أقل من المتواضعة تحت تهديد القمع الأمني، فأجزاء يسيرة من تلك القرارات كانت كفيلةً بإشعال احتجاجاتٍ سابقة خلال عهدَي الرئيسين الأسبقين "حسني مبارك" و"محمد مرسي"، رغم العوامل الكثيرة التي كانت تحكم طبيعة تلك الاحتجاجات.

ولا ينسَ كثيرون الاحتجاجات التي ماتت قبل أن تولد في 11 نوفمبر 2016، والتي أطلق عليها "ثورة الغلابة"، حيث استبقتها السلطة بأيامٍ بأخطر القرارات الاقتصادية الصعبة تحرير سعر صرف الجنيه، إلا أن رد الفعل على الأرض رغم حالة التجييش والاستعداد الشعبي البادية للتحرك كانت محصلته صفرًا، ومر اليوم بهدوءٍ وسلام.

متى يغضب المصريون؟

المُحصِّلة التي باتت مؤكدة لا لبس فيها أن قابل الأيام والشهور لا يحمل للمصريين أية بشاراتٍ على تحسنٍ محتمل لأوضاعهم المعيشية، بل على العكس تنذر بمزيدٍ من القرارات والإجراءات الصعبة التي تتسق مع قناعة أفصح عنها "السيسي" قبل أيام بقوله: "المصريين معاهم فلوس كتير سواء مستثمرين أو مواطنين عاديين..".

أمام هذا السيناريو شديد القتامة ماذا عساهم المصريون يفعلون سوى المزيد من تحمل الضغوط والصبر والسير وراء وعودٍ لا تنقطع ولا تتحقق؟، حتى "شفيق" الذي أوصلت ممارسات السلطة الحالية الشعب إلى اعتباره "بصيص أمل" من أجل تغيير الأوضاع، أصبح حلمًا صعب المنال ويبتعد بإرادته أو مرغمًا شيئًا فشيئًا عن لعب أي دورٍ سياسي خلال الفترة المقبلة.

تفاصيل كثيرة ومراحل متعددة حللها (القصة) ورصد تداعياتها ودلالاتها ومآلاتها ربما تقدِّم إجاباتٍ شافية حول السبب الذي يدفع المصريين إلى مزيدٍ من الصبر والتحمل، وتفسير هذا الصمت المطبق تجاه ما يعانونه، وكيفية نجاح السلطة في الوصول لتلك المرحلة.