أردوغان في الخرطوم.. هل بدأ السودان إجراءات التخلص من محور سلمان - زايد؟

أردوغان في الخرطوم.. هل بدأ السودان إجراءات التخلص من محور سلمان - زايد؟

12:52 ص

25-ديسمبر-2017

تهافت دولي وإقليمي غير مسبوق على السودان، إيذانًا بتشكل تحالف جديد على أنقاض تحالف قديم يبدو أن الخرطوم انسلخت منه.

تهافت دولي وإقليمي على السودان، في تزامن لا يمكن اعتباره غير مقصود، جعل الخرطوم وجهة يقصدها الجميع بحثًا عن مصالحه أو تحالفات إقليمية، أو ترسيخًا للتجاذبات التي تشهدها المنطقة بين معسكرات عدة.

روسيا، تركيا، وقطر.. الثلاثي الذي هبط فجأة على السودان، ربما تحت شعار واحد وهو الاقتصاد والاستثمار لكنه شعار يخفي وراءه مقاصد سياسية أعلى ومصالح استراتيجية أكبر، على وقع الأزمة الخليجية من جانب والنفور المصري التركي من جانب آخر.

فإلى أي مدى يشكل هذا التوجه السواني انسلاخًا من تحالفه القديم مع الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية، وهل يتشكل تحالف جديد في المنطقة يمكن أن يضم آخرين؟.

تقارب غير مسبوق بالثلاثة

أحدث شواهد هذا التقارب بين السودان والثلاثي، كان بطله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتواجد في الخرطوم حاليًا، ضمن زيارة تاريخية هي الأولى من نوعها لرئيس تركي إلى البلاد، في مؤشر يكشف النوايا التركية لترسيخ التواجد هناك.

أردوغان أعلن في المؤتمر الصحفي مع نظيره السوداني عمر البشير، الأحد، توقيع 12 اتفاقية مشتركة في مختلف المجالات، والاتفاق على تأسيس مجلس تعاون استراتيجي بين البلدين، وعزم على رفع حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار بدلًا من 500 مليون حاليًا.

الرئيسان تبادلا عبارات الشكر والثناء والمديح، فبينما أعرب أردوغان عن شكره للسودان على "الوقوف إلى جانب تركيا ضد محاولة الانقلاب الفاشلة"، في يوينو 2016، قال "البشير": "نُحيي الرئيس أردوغان باسم الشعب السوداني على ما يبذله من أجل نصرة قضايا المسلمين، والتي كان آخرها موقفه الصلب من قضية إعلان أمريكا (القدس عاصمة لإسرائيل)".

الشاهد الثاني كان من الخرطوم أيضًا، قبل زيارة أردوغان بيومين فقط، حيث أعلن المكتب الصحفي لشركة "روس آتوم" الروسية للطاقة، أن روسيا والسودان، وقعا اتفاقية حول تطوير مشروع لإنشاء محطة كهروذرية على الأراضي السودانية.

اجتماعات اللجنة الروسية-السودانية المشتركة، التي أنهت الخميس الماضي، شهدت توقيع 5 اتفاقات، في مجالات الطاقة، والبحوث والتدريب الجيولوجي، واستخدام التقنيات الحديثة بدلًا من الزئبق، والتعليم لإتاحة فرصة للكوادر السودانية بالدراسة في روسيا، وفي نقل التقنية للقطاع الخاص السوداني.

هذه الجملة من الاتفاقات، التي تعد المحطة الكهروذرية أبرزها، تحمل دلالة عميقة على توجه روسي محتم بالتقارب مع السودان، ربما لمزيد من ترسيح النفوذ في القارة السمراء، بعد أيام من التوقيع في القاهرة على بدء العمل في إنشاء محطة الضبعة للطاقة النووية.

قبل نحو شهر من الآن، كانت الخرطوم على موعد مع الشاهد الثالث حين أعلن وزير النقل السوداني "مكاوي عوض" أن بلاده اتفقت مع قطر على إنشاء أكبر ميناء على ساحل البحر الأحمر.

وأضاف أمام جلسة للبرلمان السوداني أن قطر تنوي أيضًا تطوير ميناء "بورتسودان" ليكون أكبر ميناء للحاويات على سواحل البحر الأحمر، نافيًا ما تردد بشأن تسليمه إلى شركة موانئ دبي العالمية.

قطر التي تنشط في عدة اتجاهات اقتصادية بالسودان، يقدر حجم استثماراتها هناك بأكثر من 3.8 مليارات دولار، حسب وزارة الاستثمار السودانية، إلى جانب مشروعات استثمارية أخرى لشركات تعمل في البنى التحتية.

طعنة في صدر الخليج

ولاشك أن أكثر المنزعجين من هذه الهرولة الدولية والإقليمية على السودان هم الحلفاء السابقين للخرطوم في الخليج، خاصة السعودية والإمارات على وجه التحديد، فالنفوذ التركي والقطري في أي مكان بالعالم يبدو موجهًا في المقام الأول إلى هاتين الدولتين، نظرًا لما بينهما وبين أنقرة والدوحة من عداء سياسي غير مسبوق أفرزته الأزمة الخليجية والدعم التركي اللامحدود لقطر فيها.

منذ بداية الأزمة الخليجية حاول السودان الحفاظ على علاقة متوازنة بطرفيها، بإعلانه أنه على الحياد ورغبته في التوسط لحلها دون انحياز لطرف دون الآخر.

دول الحصار يبدو أنها استقبلت هذا الحياد بمثابة الانحياز لقطر، لكن الخرطوم لم تقطع شعرة معاوية وعززت تواجدها العسكري الكبير في التحالف العربي باليمن إلى جوار الرياض وأبو ظبي، كما وجهت الشكر رسميًا إليهما نظير ما بذلتاه من جهود دبلوماسية أفضت إلى رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عليها في أكتوبر الماضي.

ورغم هذا الجهد السوداني الذي رفض أيضًا التضحية بالحليف القطري، ربما لا يختلف اثنان على أن العلاقات ليست على ما يرام مقارنة بوضعها في حال أيد السودان قرارات دول الحصار ضد قطر، تصريحًا أو حتى تلميحًا، عل العكس بل بادر لتوثيق علاقته بقطر على حساب الإمارات، وهو ما  ظهر جليًا في نفي تأجير ميناء بورتسودان لهيئة موانئ دبي، رغم تقدمها للحصول على امتياز تطويره وتشغيله.

ومما زاد طين التوتر بين السودان من جانب والسعودية والإمارات من جانب آخر أن تركيا الآن دخلت على الخط بتقارب تاريخي مع الخرطوم.

ربما لو كانت دولة أخرى غير تركيا هي من تقاربت مع السودان لم يكن الأمر ليعني حكام الرياض وأبو ظبي، لكنها أنقرة التي تناصبها العاصمتان الخليجيتان العداء، بعد موقفها الداعم بقوة كبيرة لقطر في الأزمة الخليجية.

هذه المعادلة، لا شك أنها سوف تساهم أكثر في زيادة الخلاف وتعميق الجرح الذي لم يندمل بعد بين السودان وحليفيها السابقين، ربما على نحو دراماتيكي قد يدفع الخرطوم إلى التفكير جديًا في الانسحاب من التحالف العربي، أو على أقل تقدير تخفيض قوام القوات المشاركة في العمليات على الأرض هناك.

تحالف جديد يتشكل

وبقدر ما يمثل التقارب بين السودان من جهة وكل من روسيا وتركيا وقطر انسلاخًا للخرطوم وطلاقًا بائنًا من التحالف الخليجي القديم، بقدر ما يقود إلى تحالف إقليمي جديد يتسارع نحو التشكل.

الحديث عن التجاذبات الإقليمية والتحالفات الجديدة يعتبر أحد الارتدادات الكبرى والتداعيات المترتبة على الأزمة الخليجية، حيث اتضح بشكل جلي إلى أين يتجه كل بلد في الإقليم، ليبقى تحالف دول الحصار معزولًا عن محيطه وتزداد عزلته يومًا بعد الآخر، مع تطورات الأحداث والتي كان آخرها تلك الأزمة الناشبة بين تونس والإمارات.

التحالف الجديد تقوده روسيا ويتألف من تركيا وقطر والسودان، في توليفة ربما كان الحديث عنها قبل أشهر من الآن أمرًا خياليًا، وسط تعقيدات كانت عالقة بملفات الأزمات الإقليمية وفي مقدمتها الأزمة السورية.

الحلحلة التي شهدها الملف السوري مؤخرًا بتعاون روسي تركي إيراني، فككت إلى حد كبير تلك التعقيدات، فلم يعد هناك حديث عن ضرورة رحيل الأسد ولا دعم قطر وتركيا لمجموعات مسلحة أو حتى مساندة روسيا وإيران لجيش بشار الأسد.

هذه الأرضية تشكل قاعدة صلبة لقيام مثل هكذا تحالف، ربما يضم أيضًا دول أخرى مثل إيران التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع مكوناته الأربعة سالفة الذكر، وكذلك سلطنة عمان، وربما الكويت أيضًا في ظل تعقد الخلاف الخليجي والغضب الكويتي من تعنت دول الحصار.

وهكذا يبدو المحور الروسي في المنطقة آخذًا بالاتساع، في مواجهة المحور الأمريكي التقليدي، الذي يضم كلًا من السعودية والإمارات ومصر، وكان قبل قرار ترامب بشأن القدس يضم الأردن، الذي بات قريبًا هو الآخر من الانضمام للمحور الجديد.

فبحسب تقارير إعلامية فإن الأردن بات يخشى الآن دخول عواصم عربية وإسرائيل والإدارة الأمريكية في مفاوضات على المدينة المقدسة تحت مسمى "مفاوضات السلام" تكون بمجملها على حساب الأردن وهويته وولايته التاريخية في القدس.

مصر في الصورة

بطبيعة الحال ليست مصر بمعزل عن هذه التطورات المتلاحقة، بل تبدو كطرف أصيل في المعادلة لعدة اعتبارات كونها تتزامن مع توتر بين القاهرة من ناحية والثلاثي (تركيا، قطر، والسودان) من ناحية أخرى.

فالأزمة مع تركيا ربما لا تحتاج إلى توصيف، ومصر عضو في رباعي حصار قطر فضلًا عن ملف جماعة الإخوان المسلمين ودوره في تأجيج الخلافات مع أنقرة والدوحة، أما السودان فلم يعد هناك صوت أعلى من ضجيج لهجتها العدائية ضد مصر على خلفية أزمتي سد النهضة الإثيوبي والنزاع على مثلث حلايب وشلاتين الحدودي.(تفاصيل أكثر حول أزمة مصر والسودان في تحليل سابق للقصة)

نظريًا تبدو القاهرة معنية في المقام الأول بمواجهة هذ التحالف الذي يمسها من كل الاتجاهات، كما أسلفنا، في ظل علاقات قوية مع أمريكا، لم يفت في عضدها حتى الآن أزمة قرار ترامب بشأن القدس، لكنها في الوقت نفسه تحظى بعلاقات وثيقة مع الدب الروسي الخصم التاريخي للولايات المتحدة.

فهل تظل مصر ناجحة في تطبيق سياسة مسك العصا من المنتصف واللعب على حبل التوازنات السياسية، أم تضطرها التطورات الدراما تيكية في سير الأحداث إلى اختيار لن يكون سهلًا في كل الأحوال.