مصر تأمل في عودة العلاقات مع تركيا.. هل يتصالحان على جثة «الإخوان» عبر باب الاقتصاد؟

مصر تأمل في عودة العلاقات مع تركيا.. هل يتصالحان على جثة «الإخوان» عبر باب الاقتصاد؟

01:16 ص

25-ديسمبر-2017

ربما لم تكن معززات التقارب بين مصر وتركيا أكثر مما هي عليه الآن، وسط رسائل إيجابية متبادلة بين الطرفين.. فهل يذوب الجليد أم يبقى الوضع كما هو عليه؟

تصريح ألقى حجرًا في المياه الراكدة للعلاقات المتوترة بين مصر وتركيا، منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013، وجدد الجدل المثار حول فرص عودة العلاقات إلى طبيعتها بين القوتين الإقليميتين السنيتين، اللتان تربطهما علاقات تاريخية ممتدة.

وزير الخارجية سامح شكري أعلن أن مصر تأمل في عودة العلاقات مع تركيا، مؤكدا أن مصر منفتحة على ذلك، ولديها رغبة دائمة في تجاوز أي توتر.

وفي حوار نشرته صحيفة "أخبار اليوم" الحكومية، السبت، قال شكري: "لا شك أن هناك الكثير الذي يربط الشعب المصري مع نظيره التركي، فهناك صلات قوية وتمازج ومصاهرة وتراث مشترك، ونأمل أن تعود العلاقة فمصر دائما منفتحة".

وأضاف أن "الأوضاع مع تركيا ما زالت على ما هي عليه، وإن كنا دائما نؤكد الرغبة على تجاوز أي توتر، ولكن على أساس مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لمصر، وعدم الإساءة بأي شكل من الأشكال لها"، كاشفًا وجود ما أسماها "رغبات" من بعض المسؤولين الأتراك للتقارب.

فإلى أي مدى يمكن أن يساهم هذا الموقف المصري المفاجئ في تحريك الأمور نحو عودة للعلاقات بين البلدين، وما العقبات التي تقف في طريق ذلك وهل تستطيع البلدان إزالتها؟.

رسائل إيجابية تعزز التقارب

اللافت أن هذا التطور يأتي بعد نحو شهر على القضية التي اتهم فيها العشرات من المصريين بالتخابر مع تركيا، حيث كشفت تحريات المخابرات العامة "اتفاق عناصر تابعة لأجهزة الأمن والاستخبارات التركية مع عناصر من تنظيم الإخوان الدولي، على وضع مخطط يهدف إلى استيلاء جماعة الإخوان على السلطة فى مصر عن طريق إرباك الأنظمة القائمة في مؤسسات الدولة المصرية بغية إسقاطها"، وفق البيان الرسمي الصادر من النيابة العامة المصرية.

ووفق لائحة الاتهام فإن عناصر رسمية تركية متورطة في القضية، الأمر الذي تنسحب معه تلك الاتهامات بحق السلطات التركية بشكل عام، ربما على نحو ظن كثيرون أنه بمثابة نهاية الحديث عن إمكانية عودة العلاقات أو خفض مستوى التوتر بين البلدين.

لكن يبدو أن رغبة ما في عودة العلاقات أقوى من هذه الشوائب، وفي هذا الصدد كان ثمة تصريح آخر لوزير الخارجية المصري في أكتوبر الماضي، أعرب خلاله عن رغبة مصر في عودة العلاقات المصرية التركية لمستوى "يحقق مصالح شعبي البلدين".

وفي أواخر نوفمبر الماضي، أعلنت تركيا حدادا وطنيا ببلادها، تضامنا مع ضحايا الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجد الروضة في سيناء، كما شاركت مصر بوزير خارجيتها، سامح شكري، مؤخرًا في قمة اسطنبول الإسلامية التي كانت تترأسها تركيا، وخصصت لبحث قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبار القدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي.

وفي سبتمبر 2016، عقد لقاءً هو الأول من نوعه، بين وزيري خارجية البلدين على هامش قمة حركة "عدم الانحياز" في فنزويلا، الأمر الذي تُرجم على أنه رغبة مزدوجة في تجاوز الخلافات.

قبلها بشهر واحد، كان التصريح النادر على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسي حول الأزمة مع تركيا، حيث قال في حوار مع رؤساء تحرير الصحف القومية إنه "لا يوجد أي أسباب للعداء بين شعبي بين مصر وتركيا"، مضيفًا: "نحن نعطيهم (يقصد تركيا) الوقت لإعادة النظر في موقفهم من مصر وتصويب تصريحاتهم".

هذه المعطيات التي تعد بمثابة رسائل إيجابية تبادلها الطرفان على مدار الفترة الماضية، تشير إلى إمكانية عودة العلاقات الطبيعية بين البلدين، في معترك يعلو خلاله صوت الاقتصاد على السياسة في غالب الأحيان، إلى الحد الذي دفع كثيرين للقول بأن الاقتصاد سيكون هو الباب لتطبيع العلاقات.

الاقتصاد يقود القاطرة؟

وعلى الرغم من خفض التمثيل الدبلوماسي بين البلدين منذ يوليو 2013، إلا أن هناك نشاطًا تجاريًا مستمرًا بشكل لافت، كانت أحدث تجلياته استضافة جمعية رجال الأعمال الأتراك - المصريين "تومياد"، وفد تركي من شركات صناعة الأثاث والأخشاب، وصل الأحد 24 ديسمبر الجاري، لعقد اجتماعات ثنائية مع نظرائهم بمصر.

وأواخر الشهر الماضي، زار وفد من شركات وشخصيات مصرية، مدينة قونيا التركية للمشاركة في مؤتمر اقتصادي بعنوان "هيا نصنع معا"، بهدف جذب استثمارات إلى مصر، من خلال عمل شراكات تركية مع رجال أعمال ومصنعين مصريين.

وفي يوليو الماضي، أعلنت مصر، ارتفاع صادراتها للسوق التركي خلال الشهور الخمسة الأولى من 2017، بنسبة 52%، لتصل إلى 837.2 مليون دولار مقارنةً بــ549.4 خلال نفس الفترة من 2016، كما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 4.176 مليار دولار خلال 2016، مقابل 4.341 مليار دولار خلال 2015.

وبحسب تصريحات "سردار بالانتابه"، قنصل عام تركيا بالإسكندرية، فإن حجم الاستثمارات التركية الموجودة فى مصر بلغ نحو 4.5 مليار دولار خلال عام 2015، فيما وصل عدد المصانع التركية في الـ7 محافظات التي تشرف عليها القنصلية 25 مصنعًا بكل من: الإسكندرية، البحيرة، الغربية، المنوفية، كفر الشيخ، دمياط، الدقهلية.

وعقب تصريحات لرئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في أغسطس 2016 رحب فيها بمزيد من تطوير العلاقات الاقتصادية مع مصر، شهدت الشهور الثلاثة الأولى من 2017 أربع فعاليات تجارية بين القاهرة وأنقرة، أبرزها كان في فبراير 2017، حيث انطلقت اجتماعات رجال الأعمال المصريين والأتراك في القاهرة بعد توقف دام 3 سنوات.

تلك الاجتماعات شهدت مشاركة 700 رجل أعمال مصري وتركي، كما ضم الوفد التركي أكبر 10 شركات تركية في مختلف القطاعات الاستثمارية، في مقدمتها الصناعات الهندسية والكيميائية والنسيجية والصناعات المغذية للسيارات والطاقة والزراعة والسياحة والخدمات والتشييد والاستثمار العقاري.

استمرار هذا التعاون الاقتصادي والتجاري بين بلدين يعيشان أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، ربما يؤشر إلى أحد توجهين متناقضين، أولهما: أن يساهم الاقتصاد في تعزيز التقارب بين البلدين على المستويات السياسية والدبلوماسية.

أما التوجه الثاني فيقود ربما لحالة فصل تام بين السياسي والاقتصادي، بحيث ينأى من يعملون في المجال الاقتصادي بأنفسهم عن الأزمة السياسية.. وبينما يبدو هذا التوجه غير منطقي لصعوبة الفصل بين الملفين في العلاقات الدولية، إلا أن ما شهدته الأزمة المستحكمة بين البلدين خلال الفترة الماضية يجعله قابلًا للتحقق. 

ملفات عالقة ليست عصيّة

وبالنظر إلى الوضع السياسي القائم بين البلدين وما يمكن أن نسميه "مفخخات" تهدد العلاقة بالانفجار في أي وقت، فإن هناك العديد من الملفات العالقة التي تحمل في طياتها أيضًا عوامل الحل.

-الموقف التركي من النظام الحاكم في مصر، يعد أبرز تلك الملفات، خاصة ما يتبناه أردوغان من توجه يدفعه دائمًا لوصف السيسي بـ"المنقلب"، وتوصيف ما حدث في مصر يوليو 2013 بأنه انقلاب وليس ثورة، مع تراشق إعلامي دائم يركز على تلك الأبجديات في خطاباته عن مصر.

لكن الملاحظ في الآونة الأخيرة أن كثرة الملفات التي باتت تزع أنقرة وما تواجهه من تحديات، خفت على إثره وطأة الحديث السلبي الدائم عن مصر، وبهذا يمكن التأسيس على هذا البعد في تجاوز تلك النقطة الخلافية.

-معضلة الإخوان المسلمين تبدو في مقدمة الملفات العالقة أيضًا، فبينما تخوض القاهرة حربًا لا هوادة فيها ضد الجماعة التي تعتبرها تنظيمًا إرهابيًا، توفر أنقرة لقياداته وأعضائه بعضهم مطلوبين في مصر أمنيًا، ملاذًا آمنًا وتنطلق منها فضائيات معارضة محسوبة على الجماعة.

اللافت أن الإفراج عن مرسي وقيادات الإخوان المحبوسين كان دومًا شرطًا تركيًا من أجل تطبيع العلاقات مع مصر، لكن الحديث التركي عن الجماعة وربطها بالعلاقة مع مصر قل تدريجيًا إلى درجة التلاشي، ربما بسبب ما آلت إليه الأوضاع ووجود رؤية تركية قائمة على أن مساندتها أو جعلها حجر عثرة في طريق التصالح مع مصر غير مُجدٍ.

وعلى الرغم من ضبابية المشهد وعدم وجود أية شواهد على حلحلة مصرية اخلية لصراع الدولة مع الإخوان، إلا أن فرص تجاوز تركيا لهذا الملف تبقى قائمة.

-ملف الأزمة السورية كان أحد القضايا العالقة بين البلدين، حين كان يصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على رحيل بشار الأسد ومحاكمته وتسليح بعض المجموعات المقاتلة ضده، إلا أن التوافق الذي أفرزه الثلاثي المعني بالأزمة (روسيا، تركيا، إيران) والذي تجاوز مسألة شخص الأسد، يدفع باتجاه وقوف البلدين على أرضية متساوية إلى حد ما لا يشكل معها الملف السوري أزمة كبرى.

-ومن بعيد يبدو التقارب المصري الملحوظ مع الغريمين التاريخيين لتركيا قبرص واليونان، ملفًا تمارس فيه القاهرة مكايدة سياسية ضد أنقرة، لكن استغناء مصر عن الحليفين "الفقيرين" أو تخفيف التعاون معهما ليس بالأمر المستحيل، مقابل تعاون وثيق مع تركيا القوة الأكبر في شرق البحر المتوسط.(تفاصيل أكثر حول التحالف الثلاثي في تحليل سابق للقصة)

-أزمة قرار ترامب بشأن القدس وما أفرزته من توتر بين تركيا وأمريكا، يمكنه أن يلعب دورًا في حدوث تقارب مع مصر عى أرضية الغضب العربي والإسلامي تجاه القرار من ناحية، والتقارب غير المسبوق بين روسيا وكل من مصر وتركيا من ناحية أخرى، إلى درجة يمكن فيها لموسكو أن تلعب دور الوسيط لحل الخلافات بين الطرفين.