كريسماس الإمارات VS ربيع تونس.. 3 سيناريوهات لأزمة «كرامة النساء»

كريسماس الإمارات VS ربيع تونس.. 3 سيناريوهات لأزمة «كرامة النساء»

03:05 ص

25-ديسمبر-2017

وبمرور أكثر من 48 ساعة على نشر الخبر حول القرار ومزاعم نفيه، تأكد لدى المراقبين أن ثمة حالة إصرار في أبوظبي على تطبيقه، وأنه لم يكن معبرا عن «اجتهاد خاطئ» لبعض المسؤلوين بشركة الطيران الإماراتية.

"معلومة أمنية وراء القرار"..

هكذا بررت شركة الطيران الإمارتية قرارها، صباح الجمعة (22 ديسمبر)، بمنع سفر النساء التونسيات عبر طائراتها، في إشارة إلى أن القرار "ظرفي – مؤقت"، كما صرح  السفير الإماراتي لدى تونس، سالم الزعابي، بذلك لاحقا.

ولما كانت ردود الأفعال غاضبة إزاء هكذا قرار، أعلنت وكالة "أنباء تونس" أن الشركة الإماراتية تراجعت عن قرارها، نقلا عن مصدر في الخارجية التونسية، وذلك بعدما استدعى رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، الزعابي للحصول على "توضيح" بشأن الأزمة.

غير أن هذا التبرير والتراجع لم يكن مقبولا لدى أغلب قطاعات المجتمع التونسي، الذي قابل الفوضى،" width="100%" height="315"> التي سادت صفوف المسافرات أمام مكتب التسجيل التابع لشركة الطيران الإماراتية في تونس العاصمة، بحملات إعلامية غير مسبوقة ضد نظام أبوظبي، تدعو إلى الرد عليه بالمثل.

واستمر تصاعد الأزمة لمدة يومين حتى فوجئت الأوساط التونسية بأن التراجع الإماراتي لم يكن سوى مزاعم إعلامية لا علاقة لها بالواقع، إذ سجل مواطن تونسي، يعمل بالخليج، مقطعا مرئيا، أكد فيه أن شركة الاتحاد الإماراتية للطيران منعت زوجته (40 عاما) وبناته الثلاث (14 و11 سنة وعام)، صباح الأحد، من الصعود على متن رحلة إلى تايلاند تمر عبر مطار أبو ظبي، وهو ما تكرر لاحقا مع جميع التونسيات المسافرات (إلى أو عبر) الإمارات.

إصرار أبوظبي

وبمرور أكثر من 48 ساعة على نشر الخبر حول القرار ومزاعم نفيه، تأكد لدى المراقبين أن ثمة حالة إصرار في أبوظبي على تطبيقه، وأنه لم يكن معبرا عن "اجتهاد خاطئ" لبعض المسؤلوين بشركة الطيران الإماراتية.

وإزاء ذلك، جاء تعليق وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، على تفاصيل الأزمة خاليا من المصداقية، بحسب رأي الأوساط التونسية، التي دفع زخمها السياسي والإعلامي الحكومة إلى اتخاذ قرار بمنع كل الطائرات الإماراتية من دخول المطارات التونسية "إلى حين تمكن شركة الطيران الإماراتية من ايجاد الحل المناسب لتشغيل رحلاتها طبقا للقوانين والمعاهدات الدولية"، حسبما&width=100%&show_text=true&appId=239382172860674&height=523" width="500" height="523" style="border:none;overflow:hidden" scrolling="no" frameborder="0" allowTransparency="true"> ورد في بيان وزارة النقل.

قرقاش دعا إلى تفادي ما وصفها بـ "محاولات التأويل والمغالطة" لكنه لم يقدم أي توضيح بشأن "المعلومة الأمنية" التي تذرعت بها أبوظبي لمنع سفر التونسيات (دون التونسيين) منها أو إليها، كي يكون مستندا لمنع هذه المحاولات.

ولما غابت المعلومات، راجت الشائعات، والتي تمحورت حول ثلاثة سيناريوهات لدافع القرار الإماراتي الأمني، وتداولها عديد المراقبين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي:

السيناريو الأول: هو أن القرار الإماراتي يمثل "ردا سياسيا" لعقاب الدولة التونسية على عدم تبني انحيازاتها بشأن إقصاء حركة النهضة الإسلامية من الفريق الحاكم.

لكن يبدو هذا السيناريو متهافتا ومؤدلجا إلى حد كبير، إذ أن أدوات أبوظبي في التحريض على "النهضة" عديدة في الداخل التونسي وخارجه، وبالتالي لا حاجة لها بإصدار قرار يستهدف "التونسيات تحديدا" من شأنه إثارة الرأي العام التونسي.

أما السيناريو الثاني فيعود إلى معلومة أمنية مفادها أن "عملا إرهابيا محتملا يوشك على التنفيذ من قبل امرأة تحمل الجنسية التونسية".

ويعد هذا السيناريو الأكثر تداولا لدى المحسوبين على لوبي أبوظبي بالداخل التونسي، في محاولة منهم لتبرير قرار شركة الطيران الإماراتية، إلا أنه يبدو مرجوحا أيضا.

إذ لو كان الهدف الإماراتي هو "مكافحة الإرهاب" لأعلنت عنه أبوظبي صراحة، باعتبار أن ذلك كاف لاستدعاء الدعم الدولي، الذي بات انحيازه محسوما لكافة الإجراءات التي تحمل هذا الشعار، حتى وإن كانت تنطوي على "عقاب جماعي" كما هو الحال في منع حاملات الجنسية التونسية جميعا من السفر إلى أو عبر الإمارات.

كما أن تعميم هكذا منهج في إدارة الشأن الأمني يعني إجراءا مماثلا لمنع سفر حاملي (أو حاملات) أي جنسية تحصل أبوظبي على معلومة بشأن احتمال قيام أحدهم بعمل إرهابي، بما يعني انهيارا لسمعة الطيران المدني الإماراتي بالكلية، وعزوف المسافرين عنه، وهو ما لا تستهدفه القيادة في أبوظبي بالتأكيد.

وبإضافة أن تعميم العقاب الجماعي على أساس الجنسية، كما جرى في حالة التونسيات، مخالف للاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بالطيران المدني، يمكن القول بأن القرار الإماراتي كبد أبوظبي "خسارة دولية"، وهو ما ركزت عليه العديد من أوساط الاحتجاج التونسية، ومنها الاتحاد الوطني للشغل.

فيما يتمثل السيناريو الثالث في  أن منع سفر نساء تونس (إلى أو عبر) الإمارات يستهدف الحد من انتشار ظاهرة الدعارة، خاصة في امارة دبي، خاصة مع اقتراب موسم الاحتفالات الصاخبة برأس السنة الميلادية هناك.

ثمة مؤشرات على ترجيح هكذا سيناريو، في ظل الإصرار الرسمي بأبوظبي على عدم الكشف عن ماهية "المعلومة الأمنية" التي فرضت اتخاذ شركة الطيران الإماراتية لقرارها، تزامنا مع انتشار الحدیث الإماراتي بوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عن "طفرة بغاء تونسي تزحف على إمارتي دبي والفجیرة تحديدا".

ويعزز من هذا الترجيح تأكيد أكثر من مسؤول إماراتي (بينهم قرقاش) أن منع سفر التونسيات "إجراء ظرفي مؤقت"، وانزعاج حاكم أبوظبي، محمد بن زايد، من استمرار سلبية التقارير" width="100%" height="315"> الدولية بشأن رواج عمليات تجارة الرقيق والجنس في الإمارات بوجه عام، وإمارة دبي بوجه خاص.

وغني عن البيان حرص ابن زايد على "الصورة الدولية" للإمارات، التي حققت سمعتها كنموذج للانفتاح والتسامح العالمي على أرض عربية، بما يعني أن أي تهديد لهذه الصورة يمثل خطرا وجوديا ينبغي تعامل السلطات الأمنية معه بكل جدية.

وقد يتساءل البعض عن إصرار الإمارات على قرارها بشأن التونسيات، رغم تأثيره على صورتها الدولية أيضا، والإجابة هنا تكمن في "دوافع السياسة" وموقف أبوظبي الأيدولوجي باتجاه مناهضة أي من مضامين أو مظاهر الربيع العربي.

فمؤشرات ردود الفعل الإماراتية الأولى تشي باتجاه إلى مراجعة القرار، إلا أن حالة الهجوم السياسي والإعلامي "شبه الإجماعي" ضدها بالداخل التونسي، دفعتها إلى تغليب "الأيدولوجي" على "البراجماتي".

من هنا يمكن قراءة إعادة منع تونسيات من السفر إلى الإمارات، الأحد، ورد شركة الطيران الإماراتية على قرار وزارة النقل بمنع طائراتها من دخول المطارات التونسية.  

الشركة أعلنت "التزامها" بالمنع التونسي، بما يعني إيصال رسالها مفادها أن أبوظبي مصرة على الاستمرار في قرارها الذي أثار الأزمة من جانب، وعدم اكتراث أبوظبي بردود أفعال الداخل التونسي، المنطلقة من دوفاع الكرامة الوطنية وقيم الثورة، من جانب آخر.

وفي هذا الإطار أيضا يمكن قراءة تأرجح العلاقات الدبلوماسية بين تونس والإمارات على مدار السنوات الأخيرة، إذ أن استثمارات إماراتية ضخمة في تونس معطلة حاليًا دون أي حديث من مسئولين في الجانبين بشكل علني عن أسباب ذلك.

دلالات سياسية

ويبدو من قراءة السياق أن حاكم أبوظبي صدمته الدلالات السياسية لردود الأفعال إزاء قرار الطيران الإماراتي، والتي تشي بأن تأثير "لوبي أبوظبي" المتحكم في صناعة القرار بالعديد من الدول العربية لا يملك قدرة التحكم ذاتها بالداخل التونسي، رغم إنفاقه مليارات الدولارات بهذا الاتجاه.

فأغلبية الأحزاب المحسوبة على التيار العلماني في تونس تبنت موقفا مناهضا للإمارات، وبتصعيد إعلامي غير مسبوق، الأمر الذي يمثل إفلاسا لخيارات أبوظبي في التعويل المستقبلي على "بدائل حركة النهضة".

يستوي في ردود الأفعال تلك هؤلاء المحسوبون على قيادة الربيع العربي، من أمثال الرئيس التونسي السابق، المنصف المرزوقي (حزب حراك تونس الإرادة) أو هؤلاء المحسوبين على بقايا نظام الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي.

ورغم عدم وجود دوافع أيدولوجية أو مصلحية لتبني الفئة الأخيرة للحملة المستعرة ضد الإمارات داخل تونس، إلا أن ضغوط الرأي العام من جانب وحساسية قضايا المرأة التونسية من جانب آخر (باعتبار أنها من مواريث نظام الحبيب بورقيبة التاريخية) دفعاها إلى الانضمام إلى باقي ألوان الطيف التونسي، للتحول قضية الطيران الإماراتي إلى حالة إجماع وطني على ضرورة رد "كرامة الحرائر".

كما أن حزبي فريق الحكم الرئيسيين (نداء تونس والنهضة) تزعما ترجمة ردود الأفعال الساخطة إلى إجراء عملي، بل إن المعلومات المتداولة تشير إلى أن رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، سيجتمع صباح الثلاثاء (26 ديسمبر) في مطار تونس قرطاج بإدارات كل من الجمارك والأمن للتشاور بشأن القرار المتخذ، بما يعني أن الموقف التونسي قد يتطور إثر نتائج هذا الاجتماع.

وحتى تلك النخب التي تصنف باعتبارها محسوبة على محور أبوظبي بالإعلام التونسي، كمحسن مرزوق، الأمين العام لحزب "حركة مشروع تونس" لم تجد أمام حالة الإجماع تلك إلا التعبير عن رفضها للقرار الإماراتي، واصفة إياه بأنه "غير مقبول".

وإزاء ذلك بدا لابن زايد أن مليارات الدولارات التي أنفقت للاستثمار السياسي بساحة الداخل التونسي لم تؤت ثمارها المرجوة، ما يعني ضرورة "تأديب" حالة التوافق الداخلي بها.

وثيقة كاشفة

ويأتي ذلك منسجما مع ما كشفته وحدة الدراسات المغاربية بمركز الإمارات للسياسات مؤخرا حول استراتيجية ستتبناها أبوظبي المقبلة لمحاولة التحكم بالقرار السياسي والاقتصادي في تونس.

وتقترح الاستراتيجية المفترضة التدخل في الشأن الديني التونسي بهدف "إعادة بناء الإسلام الزيتوني التقليدي"، والتنسيق مع مراكز أبحاث تتصدر المواجهة مع حركة النهضة بالتحالف مع هذه القوى ذات الجذور الصوفية.

كما تقترح الوثيقة ببناء كتلة سياسية موالية للإمارات من خلال كسر تحالف نداء تونس والنهضة عبر دعم محسن مرزوق وحركة "مشروع تونس" بالاشتراك مع "بعض" زعامات حزب بن علي السابق (التجمع الدستوري) كمصطفى الفيلالي ومنصور معلى، فضلاً عن رئيس حزب المبادرة الدستورية، كمال مرجان، ورئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسى، إضافة إلى بناء شراكات اقتصادية ومالية تكرّس من هذا اللوبي السياسي، وتدعم شبكة إعلامية تضم جريدة المغرب وإذاعة شمس وقناة الحوار التونسي الخاصة.

وتعد هذه الوثيقة مستندا لتعزيز ترجيح السيناريو الثالث لقرار "طيران الإمارات"، فالانزعاج شديد لدى أبوظبي من تجربة التوافق التي كسرت مشروع تفتيت المنجز المؤسساتي بعد الثورة التونسية، الأمر الذي أبقى على حظوظ استمرار أحد أهم نماذج الربيع العربي في طريقه الديمقراطي.

فهل يستمر تغليب نوازع الأيدولوجيا على مصالح السياسة والدبلوماسية باستمرار إصرار أبوظبي على قرارها بشأن التونسيات؟ ربما تتضح الإجابة من نتائج توجه كاتب الدولة لدى وزير الخارجية التونسي، حاتم الفرجاني، إلى أبوظبي بتكليف مباشر من رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، للتباحث حول الأزمة.

لا مؤشرات على نتائج لقاءات الموفد التونسي، لكن المؤكد أن "المرجح الدولي" سيكون هو عامل الحسم في تراجع ابن زايد  من عدمه، وليس تصاعد ردود الأفعال التونسية.