سيطرة تركيا على «سواكن» السودانية الأمر أكثر من مجرد جزيرة.. حرب البحر الأحمر تشتعل؟!

سيطرة تركيا على «سواكن» السودانية الأمر أكثر من مجرد جزيرة.. حرب البحر الأحمر تشتعل؟!

04:41 م

27-ديسمبر-2017

موقع الجزيرة الجغرافي ومكانتها التاريخية، تماهيًا مع السياق العام لزيارة «أردوغان» وما تشهده المنطقة من تجاذباتٍ إقليمية، يجعل من بسط السيطرة عليها من قِبَل أنقرة مُفعمًا بالدلالات التي تجعلها أكثر من مجرد جزيرة.

لم تتوقف زيارة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" التاريخية إلى السودان عن تفجير المفاجآت، بعد أن أعلن الإثنين 25 ديسمبر الجاري، موافقة الخرطوم على تخصيص جزيرة "سواكن" في البحر الأحمر لتركيا، كي تتولّى إعادة تأهيلها وإدارتها لفترةٍ زمنية لم يحددها.

ووقَّع رجال أعمالٍ من الجانبين 9 اتفاقياتٍ زراعية وصناعية ترفع إجمالي الاتفاقيات التي شهدتها الزيارة حتى الآن إلى 21 في مقدِّمتها مجلس التعاون الاستراتيجي، واتفاقيات دفاعية لم تُكشف تفاصيلها.

موقع الجزيرة الجغرافي ومكانتها التاريخية، تماهيًا مع السياق العام لزيارة "أردوغان" وما تشهده المنطقة من تجاذباتٍ إقليمية، يجعل من بسط السيطرة عليها من قِبَل أنقرة مُفعمًا بالدلالات التي تجعلها أكثر من مجرد جزيرة.

سواكن.. تاريخ وجغرافيا

تقع "جزيرة سواكن"، على الساحل الغربي للبحر الأحمر شرقي السودان، عند خطي عرض 19,5 درجة شمالًا، وطول 37,5 درجة شرقًا، وترتفع عن البحر 66 مترًا، وتبعد عن الخرطوم بحوالي 560 كيلومترًا، ونحو 70 كيلومتر عن مدينة بورت سودان ميناء السودان الرئيس حاليًا.

وتبلغ مساحة الجزيرة 20 كيلومترا، وفيها أكثر من 370 قطعة أرضٍ سكنية وحكومية، وهي "جزيرة مرجانية"، انهارت منازلها وعمرانها، وتحولت إلى أطلالٍ وحجارة، أما سواكن المدينة فمنطقةٌ واسعة يدخلها لسانٌ بحري، يجعل منها ميناء طبيعيًا.

ميناء سواكن هو الأقدم في السودان، ويُستخدم في الغالب لنقل المسافرين والبضائع إلى ميناء جدة في السعودية، وهو الميناء الثاني للسودان بعد بور سودان، الذي يبعد 60 كلم إلى الشمال منه.

تختلف الرويات حول تسميتها، حيث يرجع البعض اسمها إلى "سكن" وتعني مكان الإقامة أو السكنى، فيما يرد آخرون لفظة سواكن إلى اللغة المصرية، وأنها تحرفت من "شواخن" إلى "شواكن" ثم "سواكن"، لأن لغات البجا السودانية تخلو من "حرف الخاء".

ويقول البعض أن المفردة مشتقة من "سجون"، لأنها كانت سجنًا للخارجين عن القانون من "الإنس والجن"، في عهد النبي "سليمان" و"بلقيس" ملكة سبأ.

وتحيط بها هالة "سحرية" على الدوام، صدَّقها الخيال الشعبي، فأطلق "سوا - جن"، أي شيَّدها الجن، فمبانيها الضخمة لا يستطيع بناؤها إلّا "الجن".

تاريخيًا، "سواكن" منطقةٌ موغلةٌ في القِدَم، شهدت عصور البطالمة واليونانيين والمصريين، والعثمانيين، حيث عبروها إلى "بلاد بنط" أو الصومال الحالية.

اختارها السلطان العثماني "سليم الأول" في 1517، مقرًا لحكم "مديرية الحبشة العثمانية"، التي تشمل مدن "حرقيقو ومصوع" في إريتريا الحالية، ولاحقًا ضمها لولاية الحجاز العثمانية تحت إدارة "والي جدة"، ثم رفضت الدولة العثمانية ضمها إلى مصر في عهد "محمد علي باشا"، بل أجَّرتها له مقابل مبلغٍ سنوي، ثم تنازلت له عنها مقابل جزيةٍ سنوية في 1865.

واستخدمت الدولة العثمانية جزيرة سواكن مركزًا لبحريتها في البحر الأحمر، وضمّ الميناء مقرَّ الحاكم العثماني لمنطقة جنوب البحر الأحمر، بين عامي 1821 و1885.

صراع البحر الأحمر

لن نبتعد كثيرًا في محاولة التوقف أمام دلالات السيطرة التركية على جزيرة سواكن عن التاريخ والجغرافيا، فتلك السيطرة مبدئيًّا تمثل إضافة جديدة وفعّالة للنفوذ التركي في البحر الأحمر، وتشعل جذوة الصراع بين القوى الدولية والإقليمية على تلك المنطقة المهمّة من العالم.

فالبحر الأحمر يضمُّ قناة السويس أحد أهم الممرات المائية في العالم، وفي مدخله الجنوبي يقع مضيق باب المندب الممرُّ الرئيسي للصادرات النفطية الخليجية والمنتجات الواردة من دول شرقي آسيا، ومفتاح الملاحة البحرية في البحر الأحمر، فضلًا عن أنه يربط بين خليج عدن والبحر الأحمر.

تعبر المضيق سنويًا 21 ألف قطعةٍ بحرية تمرر من خلاله نحو 30% من نفط العالم أي نحو 3.3 مليون برميل، كما تعبر منه سنويًّا 12 مليون حاوية بضائع تشكل نحو 10% من حجم التجارة العالمية.

الأهمية الاستراتيجية لتلك البقعة جذبت قوى عالمية مثل أمريكا وفرنسا والصين لتوسيع نفوذها والتواجد العسكري والسياسي والاقتصادي في الجزر المُطلَّة على البحر الأحمر، خاصة تلك الواقعة شرق إفريقيا وتحديدًا في جيبوتي والصومال وإريتريا.

على الجانب الآخر توسِّع قوى إقليمية مثل السعودية والإمارات وإيران وقطر من نفوذها في المنطقة بقواعد عسكرية وسيطرةٍ على الموانئ خاصة مع اندلاع الحرب في اليمن وما يضمه من موانئ استراتيجية على باب المندب وخليج عدن.

ومثلها مثل القوى النافذة بالمنطقة سعت تركيا إلى توسيع نفوذها، فلجأت إلى إنشاء قاعدةٍ عسكرية في الصومال فضلًا عن حضورٍ سياسي لافت في منطقة القرن الإفريقي.

ولعل التطورات الجيوسياسية الحاصلة على صعيد انتقال مركز الثِّقل الاقتصادي نحو الصين والهند وجنوب شرق آسيا فتح الباب واسعًا للتنافس السياسي والاقتصادي في البحر الأحمر وشرق إفريقيا بين القوى الإقليمية والدولية، معيدًا إلى الأذهان الصراع الفرنسي البريطاني على قناة السويس والممرّات البحرية نحو شبه القارة الهندية.

في ظل هذه المتغيِّرات فإن البحر الأحمر بما يحويه من ثرواتٍ وموانئ وقدرة على التواصل مع البر الإفريقي تزداد أهميته وثِقَله السياسي في رسم معالم المرحلة المقبلة؛ وصياغة علاقات الدول الاقتصادية والسياسية ومصالحها في الأمد المتوسط والبعيد.

هل تحاصر مصر؟

الأمر لا يخصُّ تركيا والسودان فقط، بل يمتدُّ ليؤثِّر على قوى إقليمية أخرى وفي مقدمتها مصر، فهي التي تعيش توترًا غير مسبوق في العلاقات مع كلا البلدين، إلى الحد الذي دفع تحليلات سياسية للربط بين زيارة "أردوغان" للسودان والأزمة المزدوجة مع مصر.

موقع جزيرة سواكن القريب من مثلث حلايب وشلاتين الحدودي المُتنازَع عليه بين مصر والسودان يضيف مزيدًا من التعقيد، ويفتح الباب أمام التكهنات بشأن العلاقة بين تخصيص الجزيرة السودانية لتركيا وحقيقة النزاع الحدودي مع مصر.

تلك العلاقة كانت حاضرةً في المؤتمر الصحفي لوزيري خارجية تركيا والسودان "مولود جاويش أوغلو" و"إبراهيم غندور"، بالخرطوم الثلاثاء، حيث أعرب الأخير عن استغرابه مما قال إنه "رد فعل الإعلام المصري تجاه زيارة أردوغان للسودان"، مشيرًا إلى أن البلدين يقيمان "شراكة استراتيجية في البحر الأحمر وهذا طبيعي".

كما تحدَّث عن أزمة حلايب، مشيرًا إلى تمسُّك بلاده بتبعية المثلث الحدودي لها وأن المذكرة التي سبق إرسالها للأمم المتحدة "استندت إلى إحداثيات الحدود البحرية للسودان"، بحسب قوله.

"أوغلو" عرّج على أزمة بلاده مع مصر بقوله: "لم تصل لنا أي مذكرةٍ رسميةٍ بشأن رغبة مصر في تحسين العلاقات"، لكنه عاد وأكَّد: "ليس لدينا أي مشكلةٍ مع الشعب المصري ونأمل في تجاوز مصر لمشكلاتها".

مكمن الخطورة وفق هذه المعادلة يرجع لتصريح الوزير السوداني بشأن التعاون العسكري مع تركيا، قائلًا: "أي تعاونٍ عسكري مع تركيا أمر وارد في إطار أي اتفاقات بين البلدين"، وعليه فإن احتمالية التواجد العسكري التركي قريبًا في الجزيرة تبقى قائمةً وبقوة.

وهو في هذه الحالة يشكِّل تعزيزًا لنفوذ أنقرة في البحر الأحمر من جهة، وما يمكن أن يقال إنه تهديد وحصار لمصر من ناحيةٍ أخرى، خاصةً في ظل قتامة الوضع وعدم وجود أفقٍ سياسي لحل الأزمتين بين القاهرة وكل من الخرطوم وأنقرة على حدة.

السعودية في الصورة

12 ساعة فقط تفصل البواخر المُبحِرة من ميناء سواكن إلى ميناء جدة السعودي، تجعل من سيطرة تركيا على سواكن مثارًا للحديث بشأن تأثيراته السلبية أو الإيجابية على العلاقة بينهما.

ولعل التأثيرات السلبية صاحبة النصيب الأوفر في التوقعات المستقبلية بشأن الجزيرة، نظرًا للخلافات الحالية بين البلدين على وقع الأزمة الخليجية التي تقودها السعودية وساندت فيها تركيا قطر بقوةٍ في الحصار المفروض عليها، بل فتحت بابًا للتواجد العسكري التركي في الخليج.

الصراع بين البلدين على النفوذ في البحر الأحمر – الذي تتمتع فيه المملكة بنفوذٍ تحكمه الجغرافيا – يحتمل أن يكون أشد ضراوة مادامت الأزمة الخليجية مستمرة، التي كانت حاضرة في التصريحات السابقة لوزير الخارجية التركي، حيث قال: "الأزمة الخليجية ليس لها سبب وقامت على ادعاءاتٍ دون دلائل".

البُعد التاريخي وما للدولة العثمانية من نفوذٍ يسعى "أردوغان" لاستعادته بالجزيرة التي كانت تشكل حماية لنفوذ العثمانيين في إفريقيا، تضيف بُعدًا آخر للصراع المحتمل مع السعودية بسبب "سواكن"، نظرًا للصراع التاريخي الممتد بين الدولة السعودية قبل تأسيسها الرسمي والدولة العثمانية.

على الجانب الآخر، فإن سواكن تحمل فرصًا واعدة لعلاقاتٍ تجارية واسعة بين البلدين نظرًا لقرب المسافة بين ميناءي سواكن وجدة، حيث يقتصر الأمر حاليًا على حركةٍ متواضعة لسفن نقل البضائع، والمعتمرين.

ليس الأمر مقصورًا على المعتمرين السودانيين فقط بعد الآن بل يمتد ليشمل الأتراك أيضًا، حيث قال "أردوغان" لدى إعلانه عن تخصيص الجزيرة لها: "الأتراك الذين يريدون الذهاب للسعودية لأداء العمرة سيأتون إلى سواكن، ومنها يذهبون إلى العمرة في سياحةٍ مبرمجة".

الإمارات في الواجهة

قبل أسابيع، أعلن وزير النقل السوداني عن انطلاق قطار المحادثات مع قطر للوصول لاتفاقٍ نهائي حول كيفية تشغيل ميناء الحاويات، الذي سيكون الأكبر من نوعه على البحر الأحمر، وفي الوقت ذاته نفى تسليم أو تأجير ميناء بورتسودان لشركة دبي للموانئ، أو حتى وجود رغبة لدى الخرطوم في القيام بذلك؛ يستدعي إلى خلفية المشهد المنافسة المحتدمة بين الدولتين الخليجيتين، حتى وإن حاولت السودان التزام الحياد وتشجيع الوساطة الكويتية.

كما استخدمت الإمارات حرب اليمن وانهيار الدولة لتوسيع نفوذها في خليج عدن، ثم تمددت في مضي قباب المندب، وسيطرت على أرخبيل سقطرى، المسيطر على مدخل المضيق.

كما وقَّعت الإمارات عقد إيجار لمدة ثلاثين عاماً كجزء من اتفاقية الشراكة المبرمة؛ لغرض إقامة قاعدة عسكرية في ميناء "عصب" الإريتري، تضمّ مدرجاً يمتد على طول 3500 متر، قادراً على استقبال طائرات ضخمة، وبذلك أصبح لأبو ظبي موطئ قدَم على ضفتي البحر الأحمر، من اليمن شرقاً، وإريتريا غرباً.