تسويات وتصفيات.. ما وراء كواليس التخلي والتمسك بالأموال بـ «ريتز الرياض»

تسويات وتصفيات.. ما وراء كواليس التخلي والتمسك بالأموال بـ «ريتز الرياض»

05:13 م

27-ديسمبر-2017

لكن ثمة أسئلة أخرى أكثر أهمية ولم تجد جوابًا بعد، وهي: لماذا احتاج المُفرَج عنهم أخيرًا إلى شهرين كاملين للتسوية بينما لم يحتج آخرون سوى بضعة أيام؟!

"ما الذي يدعو متهمًا بالفساد، أُطلق سراحه، للاحتفال علنًا، وكأن شيئًا لم يكن؟"..

سؤالٌ نشره الكاتب الصحفي السعودي، "جمال خاشقجي"، عبر تويتر، للتعبير عن تعجُّبه من تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورًا ومقاطع فيديو فالرئيس السابق لمجلس إدارة شركة الاتصالات السعودية كان ضمن المتهمين بالقضايا التي فجَّرتها اللجنة العليا لمكافحة الفساد بالمملكة، التي يترأسها ولي العهد، الأمير "محمد بن سلمان بن عبد العزيز"، ليظل بفندق الريتز نحو شهرين.

خرج المسؤول السعودي الرفيع من الاحتجاز برفقة وزير المالية السابق، "إبراهيم العساف"، وسط تواتر الأنباء، محليًا ودوليًا، عن "تسويات" عقدتها "اللجنة" مع عديد من الأمراء والوزراء وكبار رجال الأعمال، دفعوا بموجبها مليارات الدولارات نظير إطلاق سراحهم وعودتهم إلى حياتهم الطبيعية.

ولاقى أسلوب إدارة اللجنة انتقادات العديد من المراقبين، الذين رأوا فيه وجهًا لـ "تقاسم عوائد الفساد" بدلًا من مكافحته، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.

مفارقات خروج المعتقلين

ورغم وجاهة سؤال "خاشقجي" حول حالة الانقلاب القيمي التي تبرر لصاحبها "الاحتفال" بتسوية فساده، إلا أن إجابته تنطوي على تبريراتٍ قانونية، ترى المتهم بريئًا إلى أن يصدر بحقه حكمٌ قضائي بالإدانة، ولا تسوي بين الإدانة بالفساد وارتكاب "مخالفاتٍ مالية" يمكن تجاوزها بالتسوية، وأخرى قبلية، تحتفي بإطلاق سراح منتسبيها، أيًّا ما كانت تهمتهم، وهو ما عبَّرت عنه تعليقات المتابعين عبر تويتر.

لكن ثمة أسئلة أخرى أكثر أهمية ولم تجد جوابًا بعد، وهي: لماذا احتاج المُفرَج عنهم أخيرًا إلى شهرين كاملين للتسوية بينما لم يحتج آخرون سوى بضعة أيام؟ ولماذا يستمر عدد من الأمراء ورجال الأعمال رهن الاحتجاز لما بعد كل هذا الوقت؟ لاسيما "الوليد بن طلال"؟ ولماذا خرج هؤلاء للاحتفال مع ذويهم بينما خرج آخرون جثثًا هامدة؟

يعزِّز من أهمية هذه الأسئلة تلك الوفاة الغامضة لـ "علي بن عبد الله القحطاني"، أحد أبرز معتقلي الريتز كارلتون، ومدير مكتب أمير الرياض السابق، الأمير "تركي بن عبد الله بن عبد العزيز"، والذي خرج من الفندق إلى مثواه الأخير، ما أثار الكثير من الجدل عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وأضافت إلى الغموض والجدل أجواء من الإثارة تعليقات منسوبة إلى عددٍ من أبناء وبنات وأقارب الملك الراحل، "عبد الله بن عبد العزيز"، تؤكِّد أنباء متداولة بشأن تعرض "القحطاني" لمختلف أنواع التعذيب حتى فارق الحياة، إلى حد أن عائلته وجدت صعوبة في التعرُّف على ملامحه عند استلام جثته.

وتمثل حيثية "القحطاني"، الذي يحمل رتبة لواء، طرف الخيط للإجابة على الأسئلة السابقة، إذ شغل موقعًا قياديًا بالحرس الملكي، إبان عهد الملك "عبد الله"، ثم انتقل للعمل مع نجله (الأمير تركي) بإمارة الرياض، ما يؤشر إلى علاقاتٍ وطيدة تربطه بأسرة العاهل السعودي الراحل.

نفوذ آل عبد الله

ويمثِّل تصفية نفوذ فرع "آل عبد الله" بالأسرة السعودية المالكة أحد أهم أهداف مشروع "بن سلمان"، ليس فقط لتمكينه من وراثة العرش، بل لإعادة تشكيل بنية الدولة على نسقٍ لتوزيع السلطات مغاير لذلك المتعارف عليه تاريخيًا بين أمراء "آل سعود" (طالع تحليل القصة بشأنه)، بما يضمن "هرمية ومركزية" الدولة الجديدة حصرًا في فرع "آل سلمان" مستقبلًا.

ويعود هدف التصفية إلى محاولةٍ سابقة للملك "عبد الله"، حاول من خلالها تمرير المشروع ذاته لأبنائه من بعده، لكن القدر لم يمهله لتحقيق ذلك، إذ وافته المنية قبل تنفيذه، ومن هنا جاء مشروع الملك "سلمان" لتوريث نجله على النسق ذاته، ورد الصاع صاعين لمن أرادوا إقصاءه سابقًا عن ولاية العهد.

ولعل ذلك ما يفسر إقصاء أبناء الملك "عبد الله" عن كافة ترتيبات السلطة السعودية الجديدة، وتصفية كافة القيادات الأمنية والعسكرية القريبة من دوائرهم، سواء بالإحالة إلى التقاعد أو الاعتقال وحتى التصفية الجسدية.

هدف اعتقالات الريتز إذن يختلط فيه المالي بالسياسي، الأمر الذي يفسر تلقي بعض المعتقلين لمعاملةٍ "جيدة للغاية"، كما وصفها "سعود الدويش" بعد إطلاق سراحه، وتعرُّض البعض الآخر للتعذيب حتى الموت، كما أكَّدت مصادر متواترة بصحفٍ عربية ودولية.

ومن هنا جاء وصف صحيفة "واشنطن بوست" لـ"بن سلمان" بـ "ولي عهد النفاق" في افتتاحية الأحد (24 ديسمبر)، مشيرة إلى أن مشكلة الفساد حقيقية بالسعودية، لكن الأسلوب الذي يتبعه فريق الحكم الجديد بالمملكة في مكافحتها يعبر عن نظامٍ استبدادي لا يصلح بحالٍ لدولةٍ يحكمها القانون.

الإسعاف النقدي حصرًا

أما تفسير تباين مدة الاعتقال بين شخصٍ وآخر فتشير المصادر ذاتها إلى أنه يعود إلى عاملين، الأول هو قبول الأمير أو الوزير أو رجل الأعمال المُعتقَل للتسوية المالية كمبدأ (بمعنى أن يتنازل عن مليارات الدولارات مقابل إطلاق سراحه)، والثاني هو دفع مبلغ التسوية "نقدًا"، إذ ترفض لجنة مكافحة الفساد الحصول عليه في شكل أسهمٍ لشركات، حسبما أفادت التسريبات الواردة بشأن تفاصيل التفاوض مع المُعتقَلين.

وتؤكِّد هذه التسريبات ما سبق أن تناولته "القصة" سابقًا حول الهدف المالي للحملة السلمانية لمكافحة الفساد، إذ لا تمثل أسهم الشركات "الإسعاف" المطلوب لسد عجز الموازنة المتفاقم والوفاء بكلفة الحرب في اليمن، التي تنهي عامها الثالث في مارس المقبل دون أي أفقٍ للحسم العسكري.

ومن هذا المنطلق يمكن تحديد المعيار الذي أخرج رجل الأعمال "صبيح المصري" (كمثال) من الريتز سريعًا (بعد أيامٍ فقط من توقيفه)، مقابل استغراق إطلاق سراح آخرين لما يجاوز الشهرين، فالأول لديه من المال "السائل" ما يفي بدفعه لـ "الفدية" المطلوبة، فيما لا يملك آخرون ذلك إلا في شكل أصولٍ وشركات، يحتاج "تسييلها" إلى بعض الوقت.

كما تفسر هذه المعطيات بقاء عديد الأمراء والوزراء وكبار رجال الأعمال رهن الاعتقال حتى الآن، بينما يظل "رفض مبدأ التسوية" سببًا آخر لتفسير حالة عددٍ قليل منهم، وعلى رأسهم الأمير "الوليد بن طلال"، الذي يرى فيه اعترافًا ضمنيًا بفساده، وهو ما يرفضه حتى الآن (طالع تحليل القصة حول أسبابه)، بحسب مصادر صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.