غربة المصريين ممزوجةٌ بالدم.. إلى متى تراها الحكومة «حوادث فردية»؟

غربة المصريين ممزوجةٌ بالدم.. إلى متى تراها الحكومة «حوادث فردية»؟

05:25 م

27-ديسمبر-2017

بين كفيلٍ مُتسلِّط وحكومة متجاهلة، يبقى المصري المغترب فريسةً في رحلة الغربة الممتدة، وسط اعتداءاتٍ متكررة يتعرض لها لا تجد لدى السلطة صدى.

"الموضوع زاد عن الحد" بهذه الكلمات وصف أحد أبرز الإعلاميين الموالين للسلطة تكرار حالات الاعتداء على المصريين العاملين في الخارج، خاصةً بالدول العربية في الآونة الأخيرة، حتى صلت إلى حدِّ وصفها بالظاهرة.

الأزمة فجرها من جديد تعرُّض مواطنٍ مصري يدعى "علي السيد مرسي" لاعتداءٍ من قِبَل أردني إثر خلافٍ مالي بينهما، حيث يرقد في العناية المركزة بإحدى المستشفيات الأردنية فاقدًا للوعي بين الحياة والموت.

اللافت أن تلك الحالة هي الثالثة من نوعها في شهرٍ واحد فقط وبأماكن مختلفة، ففي السعودية قبل نحو 10 أيام تلقى المواطن "علي السيد علي أحمد" 3 طعنات بسكين من 4 شبَّان سعوديين، وفي 5 ديسمبر الجاري كان "وحيد رفاعي" على موعدٍ مع اعتداءٍ وحشي في الكويت.

التعاطي الحكومي ممثلًا في وزارتي القوى العاملة والهجرة وشؤون المصريين بالخارج مع تلك الاعتدءات المتكررة كان "بروتوكوليًا" إلى حدٍّ كبير، يُظهر حرصًا على مصالح المواطنين المُتعرِّضين للاعتداءات دون حلٍّ جذري للأزمة، ويبقى القاسم المشترك على ألسنة المسؤولين في جميع الحوادث أنها "فردية".

لقمة العيش.. بداية المأساة

بدايات جميع تلك الحوادث تبدو متشابهة بل متطابقة في كثيرٍ من الأحيان، مع شاب بإحدى القرى أو الأحياء الفقيرة دفعه سوء الأحوال المعيشية إلى محاولة السفر إلى الخارج بحثًا عن لقمة العيش، مع استدانة المبلغ المالي اللازم لتجهيزات السفر من التأشيرة وتذاكر الطيران وخلافه.

غالبية هؤلاء الشباب من العزَّاب الذين تُحلِّق بهم أحلام الزواج والاستقرار بعيدًا عن الوطن، لكن المأساة تكون أشد وطأة مع غيرهم من المتزوجين الذين تضغطهم أعباء الحياة فيخرجون ليس من أجل تأمين المستقبل كما كان رائجًا في فتراتٍ سابقة، لكن لضمان حياةٍ كريمة بمتطلباتها الأساسية من مأكل وملبس وتعليم وعلاج.

إحدى دول الخليج تكون المقصد الأول للباحثين عن العمل، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أعداد المصريين في دول الخليج الست (السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، عُمان، البحرين) بالإضافة إلى الأردن تقترب من 7 ملايين، يساهمون بالنسبة الأكبر في تحويلاتٍ مالية إلى ذويهم بمصر تخطَّت حاجز 24 مليار دولار خلال الفترة من نوفمبر 2016 إلى أكتوبر 2017، وفق إحصاءٍ رسمي.

وعلى الرغم مما يراه ويسمعه المصري من تعرُّض سابقيه المقيمين بالخارج وتحديدًا في الخليج، لاعتداءاتٍ أو تعسف أو هضم للحقوق أو معاملةٍ غير لائقة إلا أن الظروف تكون أقوى منه وتدفعه دفعًا إلى السفر غير آبهٍ بما يمكن أن يُلاقيه في الغربة.

وتكون المنافسة شرسة في شركات إلحاق العمالة للظفر بفرصةٍ تتقلص شيئًا فشيئًا لعدة عوامل، أبرزها الأزمة الاقتصادية الناتجة عن تراجع أسعار النفط وتفضيل العمالة الآسيوية لانخفاض أجورها مقارنة بالمصرية.

في عام 2016، تقلصت فرص العمل المتاحة للمصريين للعمل في بلدان الخليج، إلى أكثر من النصف مسجلة تراجعًا بنسبة 56% خلال العام الماضي 2016، مقارنة بعام 2015.

بيانات شعبة إلحاق العمالة في غرفة القاهرة التجارية، كشفت أن عدد العمال المصريين الذين سافروا إلى دول الخليج العربي انخفض خلال 2016 بنسبة 56 %، بعد أن وصل عددهم إلى 220 ألف عامل، مقابل 500 ألف عامل خلال 2015.

التلاعب بالبسطاء وصدمة الكفيل

وفور أن ينوي السفر يقع المصري فريسةً لشبكةٍ من المتلاعبين بأحلامه وطموحاته والمتاجرين بعرقه، حيث يتعرضون للكذب من شركات التوظيف التي انتشرت بشكلٍ غير مسبوق، وكثيرًا ما تتآمر هذه الشركات مع أرباب العمل في دول الخليج، لاستغلال العمال الذين تلقوا معلومات خاطئة، فتعدهم بأجور وظروف زائفة وتضللهم بشأن حقوقهم.

في أغسطس الماضي، أعدَّت وزارة القوي العاملة، قائمة سوداء تحصر أسماء الشركات التي لا يجب على المواطنين التعامل معها لتجنب النصب عليهم، بعد ورود العديد من الشكاوى للوزارة، وشملت القائمة 61 شركة لإلحاق العمالة المصرية بالخارج، لكن لم تُوضِّح الوزارة كيفية تعاملها القانوني مع تلك الشركات المخالفة والتي يحمل جميعها تراخيص رسمية.

وبعد أن تساهم شركة التوظيف في تضليل المغترب المحتمل واستنزاف أمواله قبل السفر، يأتي الدور على "تجار الإقامات"، هنا ينقسم الأمر إلى طريقين أولهما أن تصدر تأشيرة العمل وبالتالي الإقامة من مؤسسةٍ رسمية ويقتصر استنزاف المواطن فيها على الوسيط المصري بالداخل.

أما في حالة ما يمكن أن نطلق عليه "الإقامات الوهمية"، فإن الاتفاق يجري بين شركات التوظيف في مصر ووسيطٍ خليجي ينجح في استصدار تأشيرات عمل بوظيفة سائق أو غيره تكون تابعة لمواطنين خليجيين دون وجود عملٍ حقيقي، ويكون الاتفاق أن يترك الكفيل المغترب للعمل بحريةٍ في أي مكان مقابل دفع رسوم الإقامة وتجديدها وخلافه من مصروفات مع تحديد مبلغ شهري للكفيل.

وفي كلتا الحالتين يدفع المغترب مبالغ طائلة مقابل الإقامة تصل في غالب الأحيان إلى نحو 100 ألف جنيه (بعد تحرير سعر صرف الجنيه وانهياره أمام العملات الخليجية).

في الحالة الأولى يصطدم المصري المغترب، ليس في كل الأحوال، بمعاملةٍ غير لائقة والتفاف على بنود العقد المرسل إلى مصر قبل السفر سواء فيما يتعلق بطبيعة العمل أو الراتب أو عدد ساعات العمل وغيرها من التفاصيل التي قد تحول حياته هناك إلى جحيم يضاف لمعاناة الاغتراب في حد ذاته.

أما في الحالة الثانية فالوضع أكثر سوءًا، حيث يفاجأ المغترب بأن فرص العمل قليلة للغاية ونفقات الإقامة من سكن ومأكل وانتقالات مُبالَغٌ فيها والرواتب غير مجزية، فيبقى محصورًا بين نيران التزاماته ومسؤولياته المادية في مصر، ومتطلبات الكفيل التي لا تنقطع، وخشية التعرض لحملات مخالفة قوانين العمل والإقامة المقيدة.

الصورة الذهنية عن المصريين

وبطبيعة الحال فإن المعاناة تتضاعف في ظل نظرةٍ دونية يجدها المصري هناك، وسُمعة سيئة باتت انطباعًا شبه سائد لدى الخليجيين عن المصري، في صورة هذا الوحش الناهم الطامع في جمع أكبر قدرٍ من الأموال بطرقٍ مشروعة وغير مشروعة، قد تدفعه للتزلف والتذلل من أجل المال.

فضلًا عن صورةٍ ذهنية أخرى عن علاقة المصريين ببعضهم البعض في الغربة، والتي يسودها في هذه الحالة الحقد والحسد والوصولية ودق الأسافين، وغيرها من المصطلحات التي أصبحت عالقة في أذهان الخليجيين على نحوٍ يدفعهم للتعامل مع المصري بترقبٍ وحذرٍ ودونية وعدم ثقة.

ولا يعني هذا أن تصرفات المصريين هي التي تُعرِّضهم للاعتداءات أو المعاملة غير اللائقة، لكن يبقى الأمر مشتركًا بنسبٍ متفاوتة بين طباع متركزة لدى الخليجيين يقابلها بعض السلوكيات الخاطئة من المصريين.

تلك الصورة الذهنية تغيَّرت بدرجةٍ كبيرة على مدار عقود، حيث كان يُنظر إلى المصري باعتباره المشارك الرئيسي في بناء نهضة دول الخليج في جميع المجالات منذ سبعينيات القرن الماضي على وجه الدقة.

فهو المعلم مربي الأجيال، والطبيب الماهر، والمهندس باني معالم تلك النهضة، والعامل المثابر صاحب الجَلَد ومتحمل المشاق، والمهني المحترف الذي قلّ نظيره وغيره من صنوف المهن التي أجاد فيها المصريون على مر السنين.

وإن كانت هناك أسباب لهذا التحول في الصورة الذهنية فهي مصرية خالصة ربما لا يد للخليج فيها، ولعل أبرزها كالتالي:

- الوضع الاقتصادي المأساوي في مصر والآخذ في التردِّي تحديدًا منذ مطلع الألفية الثالثة.

- الممارسات الأمنية القمعية بحق المصريين في الداخل وما يُنشر عبر مواقع التواصل من مشاهد لإهدار كرامة المصري في بلده على يد بني وطنه.

- تصدر ذوي السلطة والنفوذ بالواسطة والمحسوبية، وغياب العدالة حتى في ساحات القضاء.

- اعتماد النظام الحالي على الدعم المالي من دول الخليج لاستقراره في الحكم بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي" في يوليو 2013، فكانت مليارات الخليج هي الرئة التي تنفّست بها السلطة ولا تزال تتنفّس حتى الآن.

- انعكاس ما سبق على تشوهاتٍ سلوكية وأخلاقية أصابت المجتمع المصري، وأسفرت عن عدة ظواهر من أهمها انتشار الجريمة.

 

الخليجي في مصر

الخلاصة فيما سبق أن الخليجي يتعامل مع المصري ولسان حاله يقول: من ليس له كرامة داخل وطنه لن يجدها خارجه، الأمر الذي يثير الحديث بشكلٍ معاكس عن أوضاع الخليجيين في مصر.

في مايو 2015، أطلقت الحكومة المصرية حملةً واسعة لجذب السائحين إلى مصر، ركّزت على السائح الخليجي وبثت أوبريتا غنائيًا مصورًا (فيديو كليب) قدمه الفنانان "محمد منير" و"أنغام" وشارك فيه حشدٌ من الممثلين السينمائيين.

وقد واجه كثير من المصريين الحملة بالسخرية، خاصةً أن الأماكن الفولكلورية والبازارات التي تقدِّم الهدايا التذكارية الفرعونية والمصرية، وكذلك المقاهي الشعبية ليست ضمن قائمة الأماكن التي يزورها السائح الخليجي في مصر، فأماكن وجود معظم السائحين الخليجيين يعلمها الجميع وتبدأ من شارع الهرم ومنطقة المهندسين وبعض السفن النيلية الترفيهية وتصل إلى المدن الشاطئية كالغردقة وشرم الشيخ.

كما أن بعض المشاهد التي احتواها الـ"كليب" تضمنت ترحيبًا مبالغًا فيه من قِبَل المصريين بهذا الخليجي، إلى حد إطلاق النظرات ذات الإيحاءات غير اللائقة من راقصةٍ مصرية جسدتها إحدى الممثلات.

الصورة الذهنية للسائح الخليجي الراسخة في عقول المصريين تتلخَّص – بفضل ما قدمته السينما المصرية – في هذا الرجل الذي يرتدي زيَّه المميز ويسهر بأحد الملاهي الليلية بجوار الفتيات ويحتسي الخمر موزعًا أمواله يمينًا ويسارًا بلا حساب، وإذا تطورت الأمور وخرجت عن السيطرة فلا يستطيع أحد مواجهته.

هذه الصورة النمطية السائدة انعكست على تعامل الخليجي عندما يعود إلى بلده مع المصري المقيم هناك، فهو المصري ذاته الذي فعل كل شيء مباحًا وغير مباح من أجل راحته وخدمته فقط مقابل المال.

سياسة «الحالات الفردية»

بُعدٌ آخر يرتبط بالأزمة، متمثلًا في ما يتعرض له الأجانب من انتهاكاتٍ داخل مصر وردود أفعال حكوماتهم تجاهها، ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن واقعة مقتل الباحث الإيطالي "جوليو ريجيني" قبل نحو عامين.

حتى الآن، لم تفقد إيطاليا تمسكها بمعاقبة قتلة "ريجيني" الحقيقيين وتصرُّ على أن تعيد حق أحد رعاياها، بطبيعة الحال بعد إجراءاتٍ عقابية وتصعيدية بحق مصر وصلت إلى القطيعة الدبلوماسية لفترةٍ طويلة، أفلا يستحق المصريون المغتربون أن تتعامل معهم بلادهم كما تعاملت إيطاليا مع "ريجيني"؟.

استقراء ردود الأفعال الرسمية المصرية تجاه حالات الاعتداء على المصريين بالخارج تنحصر في دائرةٍ واحدة، بعيدًا عن الصورة التي تحاول الحكومة تصديرها بحرصها على حقوق المغتربين، وهي وصف تلك الحالات بالفردية.

يلفت الأنظار في هذه الجزئية كمُّ التصريحات المتطابقة التي يُصدرها المسؤولون في أعقاب كل حادثٍ مشابه بأنه مجرد حادثٍ فردي، وكأنها سياسة عامة أو توجيه رسمي حتى ربما قبل التعرف على تفاصيل كل حالةٍ على حدة.

وزيرة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج "نبيلة مكرم"، كرَّرت في تصريحاتها الصحفية وصف حوادث الاعتداء الثلاثة التي وقعت ضد مصريين خلال شهر ديسمبر في كلٍّ من الأردن، والسعودية، والكويت، بأنها فردية.

وعلى مدار العامين الماضيين، كان وصف "الفردية" ملاصقًا لتصريحات الوزيرة في كل حالة اعتداءٍ على مصريين بالخارج، فإلى متى تصبح الاعتداءات المتكررة على المصريين بالخارج حالات فردية في نظر السلطة، ومتى تراها ظاهرة يجب التوقف أمامها؟.