قانون «حمروش».. إصرارٌ على تطويع الأزهر؟ أم صفقة بين «السيسي والطيب»؟

قانون «حمروش».. إصرارٌ على تطويع الأزهر؟ أم صفقة بين «السيسي والطيب»؟

01:07 ص

28-ديسمبر-2017

أول هذه المؤشرات هو أن ثمة إصرار واضح لدى السيسي، على إعادة هيكلة المؤسسة الدينية، انطلاقًا من أساسٍ مفاده أن "المؤسسة يهيمن عليها أصحاب الفكر الديني المتطرف، خاصةً السلفيون والإخوان المسلمين".

"إصرارٌ على تطويع المؤسسة الدينية"..

هكذا وصف العديد من المراقبين إعلان عضو اللجنة الدينية بمجلس النواب المصري، "عمر حمروش"، تقدُّمه بمشروع قانونٍ جديد لتنظيم مؤسسة الأزهر.

فالمشروع يعدُّ محاولةً ثانية لفرض تعديلاتٍ قانونية على تنظيم الأزهر، سبقتها محاولة أولى قادها النائب المُقرَّب من مؤسسة الرئاسة، "محمد أبو حامد"، وأثارت حينها صخبًا واسعًا، ورفضًا من جانب هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية.

واعتبر المراقبون حينها أن "قانون أبو حامد" جاء في سياق "تأديب" الأزهر وشيخه بعد رفض هيئة كبار العلماء لمقترح الرئيس المصري، "عبد الفتاح السيسي"، بإلغاء الاعتداد الرسمي بالطلاق الشفوي، بحجة الحفاظ على عقد ملايين الأسر من الانفراط، خاصةً أنه نص على أن يكون تعيين أعضاء الهيئة من حقِّ رئيس الجمهورية، وليس شيخ الأزهر، وأن يكون ترشيحهم من جانب المؤسسات الدينية المختلفة، بما يعني دخول وزارة الأوقاف كـ"شريك" يقتسم صلاحيات الأزهر الحالية.

ولما أعلن رئيس مجلس النواب، "علي عبد العال"، أن مشروع "أبو حامد" لم يعد مطروحًا اتجهت التوقعات إلى ترجيح تراجع الرئاسة المصرية عن تمرير مشروعها لتطويع الأزهر، إلا أن إعادة تقديمه في حلَّةٍ جديدة قدم العديد من المؤشرات الجديدة.

هيكلةٌ دينية

أول هذه المؤشرات هو أن ثمة إصرار واضح لدى "السيسي" ونواب البرلمان الموالين له على إعادة هيكلة المؤسسة الدينية، انطلاقًا من أساسٍ مفاده أن "المؤسسة يهيمن عليها أصحاب الفكر الديني المتطرف، خاصةً السلفيون والإخوان المسلمين".

ولذا جاء هذا الاتهام قاسمًا مشتركًا بين مشروعي "أبو حامد" و"حمروش"، حيث زعم الأول أن هيئة كبار العلماء تضم أعضاء من مكتب الإرشاد الإخواني، فيما صرح الثاني بأن هدف مشروعه هو "تطهير الأزهر من سيطرة الإخوان والسلفيين".

كما صرَّح "حمروش"، وقت تقديم "أبو حامد" لمشروعه، بأنه سيتقدّم ببيانٍ عاجل يُطالب فيه بتعديل ما يتم تدريسه في الأزهر وتنقية مناهجه من الأفكار التي تُحرّض على العنف، مؤكدًا أن كتب التراث بالأزهر مليئة بالأفكار الإرهابية والتكفيرية، على حد قوله.

تهدئةٌ تكتيكية

ثاني المؤشرات يتعلق بتوقيت إعادة طرح "تنظيم الأزهر" في صيغةٍ معدَّلة، إذ بدا أن "السيسي" ونوابه لجأوا إلى "تهدئةٍ تكتيكية" بعد أزمة الطلاق الشفوي لتجنب تفسير تمرير مشروع القانون في سياق الرد على رفض المؤسسة الدينية للمقترح الرئاسي.

وخلال الفترة ما بين مشروعي "أبو حامد" و"حمروش" (من مارس إلى ديسمبر 2017) تبنى الأزهر مواقف وفتاوى وصفها مراقبون بـ "المستقلة" عن انحيازات "السيسي" ونظامه، استنادًا إلى رفض شيخه (أحمد الطيب) لقاء نائب الرئيس الأمريكي، "مايك بنس"، احتجاجًا على قرار البيت الأبيض بالاعتراف بالقدس عاصمةً لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وإعلان الأزهر تنظيم مؤتمرٍ عالمي لنصرة القضية الفلسطينية، وغيرها من المواقف المشابهة، بينما رأى آخرون أنها ليست سوى توزيعٍ للأدوار بين "أذرع الدولة"، استنادًا إلى مشاركة بابا الكنيسة الأرثوذكسية، "تواضروس الثاني"، في اتخاذ المواقف ذاتها.

وأيا ما كان التفسير الراجح، فالمؤكَّد أن هدف "السيسي" ونظامه هو إعادة هيكلة "بنية الأزهر" وليس مجرد إجراء تعديلٍ شكلي حول صلاحيات شيخه أو مدة ولايته، وهو ما يمكن قراءته من مقارنة صيغتي مشروع القانون لتعديل تنظيمه. 

مشروعٌ بوجهين

وهنا يكمن ثالث المؤشرات، إذ أن مضمون مشروع "حمروش" هو ذاته قانون "أبو حامد" في الواقع، باستثناء بقاء صلاحيات شيخ الأزهر وفترة ولايته كما هي، ما يشي بأن ذلك هو الحد الأدنى المقبول لدى "السيسي" ونوابه من "تنازلاتٍ" يمكن تقديمها لتمرير إعادة هيكلة المؤسسة الدينية بما يضمن تطويعها بشكلٍ كامل.

الهدف المطلوب رئاسيًا، في هذا الإطار، يتلخَّص في توزيع صلاحيات الأزهر الحالية ليتقاسمها مع وزارة الأوقاف وتوسيع قاعدة اختيار هيئة كبار العلماء، وتغيير تركيبتها، لتضم "خبراء" من خارج الشأن الديني، إضافة إلى إحالة السلطة المرجعية في تعيين أعضائها إلى رئيس الجمهورية بدلًا من شيخ الأزهر، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لإعادة تسييس المؤسسة الدينية وإعادتها إلى سابق عهدها القريب، وتحديدًا في عهد شيخ الأزهر السابق، "محمد سيد طنطاوي"، الذي اتسم بالخضوع الكامل لنظام الرئيس الأسبق، "حسني مبارك".

فتقاسم وزارة الأوقاف لصلاحيات هيئة كبار العلماء يُقوِّض مكانة الأزهر من جانب ويفتح الباب لتدخلاتٍ سياسية في أعمالها، خاصةً في ظل طبيعة الوزارة، كجزءٍ من الحكومة، إضافة إلى طبيعة علاقة وزرائها المتعاقبين، (محمود حمدي زقزوق ومحمد مختار جمعة) بباقي مؤسسات الدولة، بما فيها أجهزة الأمن، وهو ما تناولته "القصة" في تحليل سابق.

المستهدف إذن هو بنية هيئة كبار العلماء بالأساس، مع إمكانية قبول استمرار صلاحيات شيخ الأزهر وفترة ولايته مادام أن اختياره سيكون ناتجًا عن "بيئةٍ قاعدية" تحت السيطرة السياسية الكاملة.

الحالة الدينية

أما المؤشر الرابع فيتمثّل في بوادر اتجاه "السيسي" لتمرير العديد من مشروعات القوانين الخاصة بالحالة الدينية في مصر بوجهٍ عام، وليس المؤسسة الدينية فقط، وهو ما يمكن قراءته من تأكيد "حمروش" أنه مُصرٌّ على تقنين عملية الطلاق "كتابيًا" في مصر على الرغم من إقرار هيئة كبار العلماء بوقوع الطلاق الشفوي.

ورغم تصريح "حمروش" بأنه يحترم رأي الهيئة، التي تُمثِّل الفيصل في قضايا الشأن الديني بالأزهر، إلا أنه أكد عدم تراجعه عن تقنين الطلاق "حرصًا على حقوق المرأة والأطفال" حسب قوله.

كما أعلن "حمروش" أنه يعد مشروع قانون لتجريم ظاهرة "الإلحاد" في المجتمع المصري، ينص على معاقبة الملحدين بالحبس أو الغرامة المالية، بدعوى انتشار هذه الظاهرة في أوساط الشباب.

ومن هذا المنطلق يتوقع العديد من المراقبين وجود المزيد من مشروعات القوانين الخاصة بالشأن الديني قرَّر "السيسي" تأجيلها لحين ضمان مؤسسةٍ تمررها.

وإزاء ذلك، تنقسم ترجيحات المراقبين بين فريقين موازيين لفريقي تفسير مواقف مشيخة الأزهر الأخيرة إزاء مستجدات الساحة الدولية.

إصلاحٌ أم صفقة؟

الفريق الأول يرى أن محاولة "حمروش" لإعادة تقديم مشروع قانون تنظيم الأزهر تأتي في سياق وقف "نشاز" المؤسسة الدينية، من وجهة نظر مؤسسة الرئاسة.

والفريق الثاني يرى أن مشروع "حمروش" ليس سوى نتاج "صفقة" جرت في الكواليس بين "السيسي" و"الطيب" يقبل بموجبها الأخير تمرير تنظيم الأزهر وفق الاشتراطات الرئاسية، مقابل الحفاظ على امتيازاته وصلاحياته على رأس المؤسسة الدينية.

وإذا كان اتجاه الفريق الأول مستندًا إلى تاريخ شيخ الأزهر القريب وعلاقته بنظام "السيسي"، فإن اتجاه الفريق الثاني يستند إلى تاريخه البعيد، وعلاقته بالحزب الوطني الحاكم في عصر "مبارك"، إذ كان عضوًا بلجنة سياسات الحزب، إضافة إلى توفيره الغطاء الديني اللازم للإطاحة عسكريًا بأول رئيسٍ مدني منتخب في تاريخ مصر (محمد مرسي) على يد "السيسي" نفسه، بالاشتراك مع بابا الكنيسة.

ويرى مراقبون أن موقف "الطيب" من مضمون مشروع "حمروش" سيُمثِّل الفيصل في تحديد اتجاه التفسير الراجح، إذ يعني رفضه له نفيًا قطعيًا للصفقة المزعومة، بينما سيؤشر قبوله له إلى محتوى بيانٍ جديد، شبيه ببيان 3 يوليو الشهير، يعلن خلاله "السيسي"، بلسان الحال دون المقال، انقلابًا على هيئة كبار العلماء تحديدًا، وبخلفية صورة تضم "الطيب" ونواب البرلمان.. يتقدمهم "محمد أبو حامد" و"عمر حمروش".