زيارة يلدرم للسعودية.. غطاء تهدئة مؤقت في (صراع سلمان – أردوغان)

زيارة يلدرم للسعودية.. غطاء تهدئة مؤقت في (صراع سلمان – أردوغان)

01:44 ص

28-ديسمبر-2017

وبدا واضحا للمراقبين أن يلدرم استهدف من مباحثاته بالرياض وتصريحاته الإعلامية "تلطيف الأجواء" بين السعودية وتركيا، والتي سادها التوتر على خلفية العديد من مستجدات المنطقة

"وجهة النظر التركية تتطابق مع نظيرتها السعودية بنسبة 90% بشأن قضايا المنطقة وسبل حلها"..

بهذه الكلمات صرح رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدرم، بنتائج زيارته، الأربعاء (27 ديسمبر) للمملكة العربية السعودية بعد ساعات من ختام زيارة موازية أجراها الرئيس رجب طيب أردوغان للسودان.

وبعد لقاءات جمعت يلدرم بالعاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي عهده، الأمير محمد بن سلمان، في العاصمة السعودية (الرياض)، أكد رئيس الوزراء التركي على أن "تركيا والسعودية دولتان محوريتان بالنسبة لإحلال السلام والاستقرار في المنطقة على المدى الطويل" في إشارة إلى ضرورة بقاء علاقات التعاون بين الجانبين.

وبدا واضحا للمراقبين أن يلدرم استهدف من مباحثاته بالرياض وتصريحاته الإعلامية "تلطيف الأجواء" بين السعودية وتركيا، والتي سادها التوتر على خلفية العديد من مستجدات المنطقة، وآخرها زيارة أردوغان الأخيرة للسودان، وإعلانه إنشاء قاعدة عسكرية تركية بجزيرة سواكن من هناك

تهديد تركي

فوجود قاعدة عسكرية على ساحل البحر الأحمر يراه ابن سلمان وفريق الحكم الجديد بالمملكة تهديدا للأمن القومي، خاصة في ظل علاقة التحالف بين تركيا وقطر، ترجمتها أنقرة بإيفاد دفعة جديدة من جنودها إلى قاعدة العديد الجوية، على بعد 30 كيلومترا، جنوب غرب الدوحة، حسبما أعلنت وزارة الدفاع القطرية، الثلاثاء (26 ديسمبر).

وإذا كان إنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر قد أثار حفيظة الرياض أصلا، فإن تعزيز القاعدة وتعزيزها بأخرى في السودان يمثل تصعيدا لعامل التهديد، سالف الذكر، ولذا شنت وسائل الإعلام السعودية حملة هجوم ضد تركيا وأردوغان، وصفها المراقبون بأنها الأعنف منذ سنوات.

وبإضافة وصول الصراع التركي – الإماراتي إلى مستويات غير مسبوقة، بلغت حد تبادل السجال الساخن بين أردوغان ووزير الخارجية الإماراتي، عبدالله بن زايد، يمكن القول بأن عاملا جوهريا قد أضيف إلى "خميرة" التوتر التركي – السعودي أيضا في ظل علاقة التحالف الاستراتيجي بين ابن سلمان ونظيره في أبوظبي، محمد بن زايد.

ومثل انتقال التوتر التركي – الإماراتي من مساحة الصراع المكتوم إلى مساحة السطح الإعلامي ضغطا على ابن سلمان وفريقه، حيث بات مطالبا بمناصرة حلفائه في معركتهم، الأمر الذي يفسر تصعيد الإعلام السعودي ضد أردوغان حتى قبل زيارته للسودان.

سد الذريعة

غير أن إعلان الرئيس التركي إنشاء قاعدة عسكرية بجزيرة سواكن جاء بمثابة "الذريعة" التي يمكن لابن سلمان الاتكاء عليها في الانتقال بالتوتر السعودي – التركي إلى مساحة السطح الإعلامي أيضا، وهو ما بدا أن زيارة يلدرم للرياض تستهدف معالجته بالأساس.

فالرئيس التركي يرغب في عدم تصعيد العديد من جبهات الصراع في توقيت واحد، من باب الفطنة الاستراتيجية، ولذا بعث يلدرم بهدف "تسكين" التوتر مع السعودية، خاصة بعدما بات صراع أنقرة - أبوظبي "على المكشوف".

هل نجح رئيس الوزراء التركي في ذلك؟ مؤشرات عديدة تشير إلى الإجابة بنعم، خاصة إعلان يلدرم نفسه عن زيارة قريبة لابن سلمان إلى أنقرة، ووصفه لزيارة الرياض بالمثمرة، وتوقيعه اتفاقيات للتعاون الثنائي، تشمل مشاريع مشتركة بمجال الصناعات الدفاعية تحديدا.

فصانع القرار التركي يدرك أن الهاجس الأمني هو المحرك الأول لقرار السياسة الخارجية السعودية في ظل صراعها الإقليمي مع إيران، وتعرض عمق أراضي المملكة لمدى صواريخ الميليشيات الحوثية المدعومة من طهران (طالع تحليل القصة بشأنها)، ولذا فإن مشاريع الصناعات الدفاعية تمثل حافزا مهما لدفع ابن سلمان نحو قبول "تسكين" الصراع، سالف الذكر.

هل يعني ذلك فرصة لتحول الصراع إلى وئام؟ ذات المؤشرات تشير إلى الإجابة بلا، إذ يظل تضارب المصالح الاستراتيجية بين أنقرة والرياض أكبر من التشارك في بعض الصناعات، ولو كانت دفاعية، خاصة في ظل تطوير توسع النفوذ العسكري التركي خارجيا، وفي مناطق محاذية للحدود السعودية.

قاعدة سواكن

فقبل 24 ساعة من زيارة يلدرم للرياض، وتزامنا مع زيارة أردوغان للسودان، عقد رؤساء أركان تركيا وقطر والسودان اجتماعا ثلاثيا بالخرطوم، ما قدم مؤشرا للمراقبين على وصول التنسيق العسكري بين الأطراف الثلاثة إلى مستوى القمة.

وبإضافة هذه المعطيات إلى إنشاء القاعدة التركية بجزيرة سواكن، يمكن القول بأن النفوذ الإقليمي السعودي بات مهددا بمنافس جديد، يتصدره الأتراك ويعضده القطريون والسودانيون، ومن هنا كان تركيز الحملة الإعلامية السعودية ضد أردوغان على خطورة استعادة "ماضي العثمانيين" ونفوذهم التاريخي بالمنطقة من جديد.

ولعل ذلك ما يفسر سبب انتقال حكام الإمارات بالصراع مع تركيا إلى السطح الإعلامي، إذ يمثل توسع نفوذ أنقرة العسكري خارجيا تهديدا لتوسع مواز لأبوظبي، خاصة في منطقة البحر الأحمر، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.

ومن هنا جاء سجال أردوغان – زايد عبر تويتر، وقرار بلدية أنقرة بإطلاق اسم القائد العثماني "فخر الدين باشا" على الشارع الذي يضم السفارة الإماراتية بالعاصمة التركية، ردا على اتهام وزير الخارجية الإماراتي له بسرقة آثار المدينة المنورة وارتكاب مجازر بحق أهلها.

وربما تقدم زيارة يلدرم تفسيرا آخر لسبب استدعاء ابن زايد لتاريخ فخر الدين باشا تحديدا كعنوان للسجال الإعلامي مع أردوغان، وكأنه "طلب دعم" من السعوديين، خاصة في ظل مؤشرات على تعرض استراتيجية الإمارات للتوسع بالقرن الأفريقي لخسائر ملموسة جراء التوسع التركي الموازي، خاصة في الصومال (طالع تحليل القصة).

فذكاء الأتراك مكنهم من كسب شراكة الدول محل مساحة النفوذ الإقليمي، عبر مشاريع تدر فوائد اقتصادية كبرى لها، بعكس التوجه الإماراتي، الذي يعتمد على تحويل المساحات التي تهيمن عليها إلى ما يشبه المناطق المحتلة، ومن هنا جاء تصريح نائب رئيس الوزراء، ووزير الإعلام السوداني، أحمد بلال عثمان، عن استعداد بلاده لدفع "أي فاتورة للتقارب مع تركيا"، مستنكرا الحملات الإعلامية الموجهة ضده. 

حصار عثماني

ولذا اعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات، عبدالخالق عبدالله، المقرب من ولي عهد أبوظبي، أن التحرك العسكري التركي يستهدف "محاصرة السعودية بقوات عثمانية من جهة الشرق والغرب"، حسب تعبيره، في إشارة إلى قاعدتي العديد وسواكن.

وفي السياق ذاته جاء هجوم وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، ضد أنقرة التي سوى بينها وبين طهران من حيث "المطامع في التوسع" على حد قوله.

وأمام مؤشرات التحالف العسكري بين تركيا وقطر والسودان، أشار قرقاش إلى اهمية تحالف مقابل يضم السعودية ومصر كعمودين لـ "المحور العربي" حسب تعبيره، وهو ما قرأه مراقبون بأنه محاولة استدعاء أخرى للقاهرة والرياض معا لصالح معركة يخوضها الإماراتيون بالدرجة الأولى.

ولعل ذلك ما يفسر المعلومات الواردة بحساب المغرد الشهير (مجتهد)، المعروف بكشفه عن كواليس القصور الحاكمة بالخليج العربي، حيث أكد أن لجنة التنسيق، التي شكلتها السعودية والإمارات، بمعزل عن باقي دول مجلس التعاون الخليجي، قبل نحو أسبوعين، أدرجت شن حملة إعلامية وسياسية واستخباراتية ضد تركيا على أجندتها.

ولذا يمكن تأكيد أن زيارة يلدرم حققت أهدافها "التكتيكية" بتسكين الصراع بين تركيا والرياض مؤقتا، لكن تضارب المصالح بين الطرفين أعمق من تحول الصراع بينهما إلى وئام، طالما أن قطر تسير في ركاب تركيا بينما تسير السعودية في ركاب الإمارات.