لماذا لجأت مصر للبنك الدولي في أزمة سد النهضة؟ وما فرص نجاحه بالوساطة؟

لماذا لجأت مصر للبنك الدولي في أزمة سد النهضة؟ وما فرص نجاحه بالوساطة؟

02:18 ص

28-ديسمبر-2017

الاقتراح الذي طرحه وزير الخارجية سامح شكري خلال زيارته لإثيوبيا، الثلاثاء الماضي، يقضي بتوجه البلدين إلى البنك الدولي كطرف وسيط في الأزمة يتمتع بالكفاءة والحياد، وجاء في المقترح أن يشترك البنك في أعمال اللجنة الفنية المعنية بدراسة آثار السد.

توجه مصري جديد في أزمة سد النهضة الإثيوبي، اعتبره البعض تصعيدًا يصب في صالح الحفاظ على حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، ورآه آخرون تحصيلًا حاصلًا لا جدوى من وراءه ويعطي الفرصة لأديس أبابا من أجل إنجاز بناء السد وتشغيله الفعلي.

الاقتراح الذي طرحه وزير الخارجية سامح شكري خلال زيارته لإثيوبيا، الثلاثاء، يقضي بتوجه البلدين إلى البنك الدولي كطرف وسيط في الأزمة يتمتع بالكفاءة والحياد، وجاء في المقترح أن يشترك البنك في أعمال اللجنة الفنية المعنية بدراسة آثار السد.

هذه الخطوة تأتي بعد أكثر من شهر على إعلان مصر فشل آخر جولة من المفاوضات الفنية في التوصل إلى أي توافق حول الأساليب العلمية والنماذج الاسترشادية لعمل المكتب الاستشاري المكلف بإجراء الدراسات الخاصة بآثار السد، في أعقاب قبول مصر التقرير الأولي الذي طُرح من قبل المكتب الاستشاري، وتحفظ كل من إثيوبيا والسودان عليه.

فما الذي دفع مصر لهذا التوجه، ودلالاته، وإلى أي مدى يكون ذا جدوى وهل تقبل إثيوبيا الوساطة أم ترفضها ولماذا، وما هو السيناريو البديل لدى مصر؟.

لماذا البنك الدولي؟ ودلالات الاختيار

ولعل التساؤل الأول الذي يثيره الاقتراح المصري الجديد هو ذلك المتعلق بالأسباب الكامنة وراءه، وهو ما يبدة متضمنًا أجزاء معلنة وأخرى سرية.

المعلن وفق المقترح المصري، هو رغبة القاهرة في "مشاركة طرف ثالث له رأي محايد وفاصل يشارك في أعمال اللجنة الفنية الثلاثية"، فضلًا عن "تمتع البنك بخبرات فنية واسعة، ورأي فني يمكن أن يكون ميسرًا للتوصل إلى اتفاق داخل أعمال اللجنة الثلاثية".

الخارجية المصرية قالت إن مصر "تثق في حيادية البنك الدولي وقدرته على الاستعانة بخبراء فنيين على درجة عالية من الكفاءة".

لكن من وراء هذه الأسباب المعلنة تبدة عوامل أخرى ربما تكون هي من دفعت مصر حقيقة إلى توسيط البنك الدولي في الأزمة، لعل أبرزها هو تلك العلاقة الوثيقة والمتنامية بين الطرفين خلال الفترة الماضية.

وهو ما أفصحت عنه سحر نصر، وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي ومحافظ مصر لدى البنك في أكتوبر الماضي، بوصفها أن البنك يعتبر شراكته الاستراتيجية مع مصر "قصة نجاح" ونموذجًا ينبغي تكراره مع الدول النامية الأخرى، مشيرة إلى أن مجموعة البنك الدولى ساهمت مؤخرًا بعدد كبير من الاستثمارات والتمويل التنموي في جال الطاقة بمصر بما يفوق 4 مليارات دولار.

وفي تصريحات صحفية، قالت الوزيرة إن "المرحلة غير المسبوقة من التعاون بين مصر والبنك الدولي تأتي تتويجًا لنتائج الاجتماعات الناجحة بين الرئيس عبدالفتاح السيسي، والدكتور چيم كيم رئيس البنك، حيث عقدا 4 اجتماعات بينهما فى أقل من 3 سنوات، وهو أمر غير مسبوق".

وربما تسعى مصر من خلال التوجه إلى تلك المؤسسة ذات الثقل الدولي، يهدف في المقام الأول إلى محاولة حشد الجهود الدولية في صف موقف القاهرة من سد النهضة في حال قبول إثيوبيا للوساطة، وإحراج الأخيرة دوليًا إذا رفضتها.

الثقة المصرية في موقفها القانوني والفني وصلابته قد تقدم تفسيرًا آخر للجوء القاهرة إلى البنك كوسيط دولي.

ولا يمكن قراءة الموقف في هذا السياق دون الالتفات إلى أمر آخر ذو دلالة مهمة، وهو شغْل المصري "محمود محيي الدين" وزير الاستثمار الأسبق لمنصب النائب الأول لرئيس البنك الدولي منذ نوفمبر 2015، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على قوة الموقف المصري أمام البنك في حال قيامه بجهود الوساطة.

"محيي الدين" قال في تصريحات متلفزة مؤخرًا، إن هناك "اهتمامًا يُبشر بالخير في مصر بالصحة وتطوير منظومة التأمين، والاستراتيجية الجديدة للتعليم"، على حد وصفه.

كذلك فإن البنك الدولي من أبرز الجهات الدولية المانحة للمشروعات التنموية بالدول الأعضاء، وتدخله يعني وضعه أمام إحدى مسؤولياته وآلياته المتبعة وفق القانون الدولي، فضلًا عن أن البنك هو أحد الشركاء الدوليين في إنشاء مبادرة حوض النيل التي أطلقتها مصر عام 1999. 

أما عن الدلالات التي يتضمنها لجوء مصر للبنك الدولي في أزمة سد النهضة، فإنه بمثابة الخطوة الأولى في ملف مصري أُعد بالفعل لتدويل القضية ضمن سلسلة من الخطوات في أعقاب تعثر المفاوضات الفنية، لكن مصر يبدو أنها لا تزال تُبقي خطوات أخرى في طي الكتمان وهو ما يشير إليه الإعلان المفاجئ عن تلك الخطوة من قلب العاصمة الإثيوبية. (تحليل سابق للقصة يتناول نوايا توجه مصر نحو مجلس الأمن)

كما تعبر الخطوة المصرية بوضوح عن فقدان ثقة القاهرة نهائيًا في النوايا الإثيوبية أو رغبة أديس أبابا في حل الأزمة في إطارها الثلاثي، ما يعني ربما العودة إلي مرحلة ما قبل توقيع اتفاق المبادئ بين قادة كل من مصر والسودان وإثيوبيا في مارس ٢٠١٥.

هل تقبل إثيوبيا بالوساطة؟

ويبقى التوجه المصري بوساطة البنك الدولي في الأزمة مجرد "مقترح" ينتظر موافقة الجانب الإثيوبي، الذي تعهد ببحث الأمر والرد في أقرب وقت، وهو ما يثير التساؤلات بشأن إمكانية قبول إثيوبيا بتلك الوساطة من عدمه.

وبجانب ما أسلفناه من بيان لطبيعة العلاقات التي تربط البنك بمصر خصم إثيوبيا في الأزمة، فإن هناك مجموعة من العوامل ترجح رفض أديس أبابا للوساطة من أساسها.

في مقدمة تلك العوامل، أمر لافت للنظر وعلى صلة شديدة بسد النهضة، ففي أبريل 2014 نقلت تقارير إعلامية عن مصادر مطلعة قولها إن البنك الدولي رفض طلب إثيوبيا تمويل بناء السد بعد حملة دبلوماسية مصرية استهدفت تعطيل المشروع.

ووفق المصادر فإن رفض التمويل الذي انسحب على دول أخرى مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، كان مرجعه ما بينته مصر من تأثيرات سلبية تطال حصتها من مياه النيل حال تشغيل السد.

وهو ما ذهب إليه الصحفي والمحلل السياسي الإثيوبي "أنور إبراهيم" في تصريحات إذاعية، حيث عبر عن عدم اعتقاده بأن توافق إثيوبيا على وجود البنك الدولي كوسيط لأنه رفض سابقًا تمويل السد بضغط مصري.

المحصلة هنا أن إثيوبيا لا ترى في البنك الدولي الوسيط النزيه الذي يمكنه إدارة الأزمة والتدخل فيها بحيادية دون الانحياز لطرف دون الآخر.

كذلك تبدو أديس أبابا متخوفة من أن يشكل مجرد قبولها لوساطة البنك الدولي مقدمة لمزيد من التدخلات لمؤسسات دولية تعطي الملف أبعادًا أكبر قد تصب في صالح الموقف المصري، فضلًا عن إمكانية تعطل عمليات بناء السد انتظارًا لزيارات مرتقبة من خبراء البنك.

ومن الواضح من الرد الإثيوبي الأولي على الطلب المصري أنها ستسعى لكسب مزيد من الوقت بينما تنشط هي في الساحة الخلفية بمزيد من الإنجاز وإسراع الخُطى نحو إتمام بناء السد وتشغيله.

لكن لابد من رد نهائي، ولعل الزيارة التي يرتقب أن يلتقي فيها رئيس الوزراء الإثيوبي "هايلى مريام ديسالين" بالسيسي في القاهرة يناير المقبل، تعجل من الرد الإثيوبي الذي يتوقع أن يسوغ الرد برفض الوساطة تحت دعاوى المساس بعمل من أعمال السيادة.

فرص النجاح وإلزامية قرارات الوسيط

السيناريو الآخر فيما يتعلق برد الفعل الإثيوبي تجاه المقترح المصري هو قبول وساطة البنك الدولي لحل النزاع بين الدولتين، لكن هذا في حد ذاته لا يضمن أن تكون قرارات أو توصيات البنك في هذا الصدد إلزامية.

فإلزامية ما يصدر عن البنك تنحصر في الاشتراطات التي يضعها لمنح قروض تمويلية أو تنموية لدولة ما، لكن في حال الوساطة لا ينسحب الأمر على ضرورة التزام الدولتين المتنازعتين بما يقره البنك.

إلا أن ثمة رأي آخر عبر عنه الدكتور أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي العام، حيث أوضح في تصريحات صحفية أن "تلك الوساطة غير إلزامية إلا في حالة واحدة هي تطبيق بنود الوساطة في محضر أعمال رسمي كتابيًا بين الأطراف المتنازعة".

ووفق هذا السيناريو ما الذي يمكن أن يعزز من فرص نجاح وساطة البنك الدولي في حل الأزمة؟.

التجارب السابقة قد تجيب على هذا التساؤل، فالحالة الأكثر نجاحًا في مجال دور الطرف الثالث (الوسيط) في تسوية النزاعات حول الأنهار الدولية هو الدور الذي قام به البنك الدولي في تسوية النزاع بين الهند وباكستان حول نهر "الأندوس" والذي كان سببًا في نزاع استمر منذ عام 1947.

واستطاعت الدولتان توقيع "اتفاقية الأندوس" للمياه عام 1960، بعد ضغوط كيرة مارسها البنك الدولي على الدولتين، وهي واحدة من أكثر المعاهدات الدولية تعقيدًا وتم توقيعها من قبل البنك الدولي لتصبح أول معاهدة للمياه الدولية يقوم الطرف الوسيط بالتوقيع عليها، وذلك وفق ما ذكره "د. محمد فؤاد رشوان" في كتابه "تسوية النزاعات حول الأنهار الأفريقية" الصادر عن المكتب العربي للمعارف في ديسمبر 2015.

نهر "الأورانج" في أفريقيا كان مثار نزاع آخر بين جنوب أفريقيا وليسوتو، بسبب مشروع مرتفعات ليسوتو لإنشاء مجموعة من السدود على النهر في تسعينيات القرن الماضي، وانتهى بتوقيع معاهدة بين الدولتين.

واتفق الطرفان بعد مفاوضات شاقة على إشراك البنك الدولي كطرف ثالث في الإشراف على الدراسات، وتقييم المشروع ليعمل كهيئة استشارية محايدة.

وبالفعل حصل البنك على الالتزام من قبل الطرفين بتنفيذ المشروع، الأمر الذي أعطى ضمانة أقوى للالتزام بما يقره البنك، وهو ما يتناغم مع التصريح القانوني السابق.