المصالحة الفلسطينية تتبخر.. فهل تستطيع مصر إنقاذها؟

المصالحة الفلسطينية تتبخر.. فهل تستطيع مصر إنقاذها؟

01:12 م

29-ديسمبر-2017

وعلى الرغم من اتفاق الجانبين على إتمام عملية تسلم حكومة الوفاق كامل المسؤولية في القطاع 10 ديسمبر الجاري، إلا أن شيئًا على الأرض لم يحدث حتى الآن.

يبدو أن المصالحة الفلسطينية دخلت نفقًا مظلمًا، وسط اتهاماتٍ متبادلة بين طرفيها حركتي فتح وحماس بخرق بنود الاتفاق المُوقَّع بالقاهرة في أكتوبر الماضي، على نحوٍ يهدِّدها بالانهيار.

التطورات تأتي بعد أسابيع من اللقاء العاصف الذي عُقد بمقرِّ جهاز المخابرات العامة المصرية، انتهى إلى التأكيد على المُضيّ قدمًا في تنفيذ الاتفاق، وإزالة الخلافات الأخيرة المتعلقة بتمكين حكومة الوفاق من إدارة قطاع غزة.

كما تم خلال اللقاء، الذي رأسه "عزام الأحمد" عضو اللجنة المركزية لحركة فتح و"يحيى السنوار" رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة، التوافق، بحسب تقارير إعلامية، على ضرورة رفع العقوبات، وحل ملف الموظَّفين المحالين للتقاعد والمفصولين وأزمة الرواتب المتأخرة، وفق قرارات اللجنة الإدارية والقانونية.

وعلى الرغم من اتفاق الجانبين على إتمام عملية تسلم حكومة الوفاق كامل المسؤولية في القطاع 10 ديسمبر الجاري، إلا أن شيئًا على الأرض لم يحدث حتى الآن.

اللافت أن تقارير إعلامية نقلت عن مصادر مصرية أن وفدًا من حركة فتح يُمثِّله "الأحمد" سيشارك في مباحثاتٍ حول المصالحة بالقاهرة، أثناء تواجده لحضور اجتماعات البرلمان العربي.

تلك المباحثات التي تتناول تعطل تنفيذ بنود فنية وإجرائية في اتفاق المصالحة، وفق المصادر، ستكون مقتصرةً على وفد فتح دون حضور أي ممثلٍ لحركة حماس.

مصالحةٌ في مهبِّ الريح

وخلال الأيام الماضية تبادل الطرفان الاتهامات بعرقلة إتمام المصالحة، وعدم الالتزام بما ورد من بنود اتفاق القاهرة.

المصادر السابقة، قالت إن "الأحمد" سيعرض على مسؤولين في المخابرات المصرية ملاحظاتٍ كثيرة جدًا لعدم التزام حماس ببنود المصالحة والشروط والتوقيت، ونقلت عنه القول: "نرى أن حماس ليست ملتزمة لا روحه ولا بنوده، يتحدثون عن أن المصالحة باتت أمرًا نهائيًا ونحن نصدق، لكن نريد خطواتٍ على الأرض".

على الجانب الآخر، حذَّر "السنوار" من انهيار المصالحة ودعا الشعب الفلسطيني وجميع الفصائل لإنقاذها قبل أن يستمرَّ الانقسام و"نعض جميعنا أصابع الندم".

وخلال لقاءٍ نظمته حماس بشباب الفصائل الفلسطينية في غزة، قبل أيام، قال السنوار: "مَن لا يرى أن المصالحة تنهار فهو أعمى، وإن لم يهب شعبنا لإنقاذها فستنهار"، مشيرًا إلى أن حركته "قدَّمت خطواتٍ كبيرة نحو تحقيق المصالحة، وقدَّمت الكثير من التنازلات حول ذلك، لكن للأسف الشديد لا زلنا نراوح مكاننا".

وتابع: "قدَّمنا كافة التسهيلات طيلة الفترة الماضية وما زلنا نُقدِّم حتى الآن.. لا زلنا حتى اللحظة ننتظر الخطوة الأولى من حركة فتح والسلطة، ولو قرار بعودة 50 ميجاوات من كهرباء قطاع غزة التي تم قطعها".

انعكاس هذه التصريحات لفتت إليه المصادر السابقة، التي قالت إن "السنوار" يواجه "معارضة متصاعدة" بين كوادر الحركة وقواعدها وبين أوساط موظفيها الذين عيَّنتهم في أعقاب سيطرتها على قطاع غزة عام 2007.

المصادر نقلت عن مســؤولٍ في حكومــة حماس السابقـة قوله: "هناك عتب شديد على السنوار واستياء في صفوف الحركة والموظفين الذين لم يروا حتى الآن أي ثمارٍ للمصالحة.. الحركة قدَّمت تنازلاتٍ كبيرة وكثيرة وسلَّمت كل شيء إلى الحكومة والسلطة التي لم تُقدم على أي خطوة كي يشعر المواطنون والموظفون بتقدّم إيجابي".

مصر في اختبارٍ شاق

تلك الأزمة التي لم تنته ولا يبدو لها حلًا في الأفق المنظور، على أقل تقدير، تزعج مصر راعية اتفاق المصالحة، والتي ألقت بثقلها السياسي والأمني والتاريخي والجغرافي من أجل الوصول لتوقيع الاتفاق، ويبدو أنها لن تقبل بنسف الاتفاق، وستسعى بكل قوتها من أجل إنقاذه.

ووفق مصادر مصرية، فإن القاهرة تحاول تقريب وجهات النظر بين الجانبين، بعد أن أبلغ الطرفان القاهرة بمطالبهما مكتوبة، حيث تتجلى مطالب حماس من حكومة الوفاق الوطني بما جرى التوافق عليه بشأن صرف رواتب الموظفين، فيما تتركز مطالب فتح والحكومة بتمكينها من مهماتها في غزة.

ولعل الإصرار المصري في اختراق هذا الملف وتحقيق الاتفاق على أرض الواقع له العديد من الأسباب والدوافع، أبرزها أن مصر تسعى للحفاظ على مكانتها ودورها، بعد الجهود المضنية التي بذلتها من أجل استعادة زمام الأمور في القضية الفلسطينية بشكلٍ عام، إثر سيطرةٍ تركية قطرية إيرانية خلال السنوات القليلة الماضية، التي شهدت تعمُّق الخلافات والتوترات بين القاهرة والحركة على خلفية الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي" في يوليو 2013.

هذا الإصرار عبَّرت عنه تصريحات الوزير "خالد فوزي" رئيس جهاز المخابرات العامة، حيث ربط بين إتمام المصالحة الفلسطينية والأمن القومي المصري، وفي الوقت ذاته أطلق تصريحًا في منتهى الخطورة، حيث قال: "لا يغيب عن أذهاننا ما تقوم به بعض الأطراف لعرقلة التوصُّل إلى الوفاق الفلسطيني..".

كما تريد مصر أن تؤمِّن الحدود عبر تشكيل حكومةٍ فلسطينية تستلم المعابر وتهيمن على الحدود مع مصر وإسرائيل، لما تصبو إليه القاهرة من استقرارٍ في سيناء المشتعلة وما يرتبط في هذا الشأن بهدوء الأوضاع في المنطقة الحدودية مع غزة.

وعليه فإن الاختيار يبدو محسومًا لدى صانع القرار المصري بضرورة الاستمرار بقوةٍ في قيادة الملف وعدم ترك الأمر عرضةً لسيطرة إحدى القوى الإقليمية، في ظل وضعٍ يتصارع فيه الجميع على النفوذ فيما تمثل القضية الفلسطينية آخر معاقل النفوذ الإقليمي للقاهرة التي تعاني أزماتٍ طاحنة في عمقها الإفريقي، وغيابًا عن التأثير في ملفاتٍ أخرى كالأزمتين السورية واليمنية.

المهمة ليست يسيرةً في كل الأحوال، لكن مصر تبدو مؤهلة للضغط على الحركتين من أجل إجبارهما على تنفيذ الاتفاق، شريطة التخلي عن اتهاماتٍ سابقة طالما لاحقتها بالانحياز إلى طرفٍ دون الآخر على خلفيّة التوتر التاريخي مع حماس التي يعتبرها كثيرون الامتداد الفكري لجماعة الإخوان المسلمين التي تحاربها السلطات المصرية بلا هوادة.

نزاهة الوسيط المصري بين الحركتين تُمكِّنه من لعب الدور المنشود في الضغط على الطرفين بشكلٍ متساوٍ، انتظارًا لما يقدمه كل طرفٍ من تنازلاتٍ ومواءمات.

ولعل تداعيات أزمة القرار الأمريكي باعتبار القدس عاصمةً للاحتلال الإسرائيلي، وما خلفته من عدم ثقة الأطراف الفلسطينية في دور واشنطن بالقضية يعزز من قوة مصر في التصدي للملف، باعتبارها الطرف الأكثر موثوقية لدى فتح وحماس.

مستقبلٌ مرتبك

إذا كان هذا هو واقع المصالحة الفلسطينية، فما المستقبل الذي يمكن أن ينتظرها، وسط منطقةٍ عاصفةٍ بالأحداث والتجاذبات الإقليمية والدولية.

بعيدًا عن رغبة حركتي فتح وحماس الحقيقيتين في تحقيق المصالحة من عدمه، فإن السياق الحالي لأوضاع المنطقة يدفع الطرفين بقوةٍ على المضي قدمًا في إنهاء الانقسام.

أزمة القدس كان لها النصيب الأوفر في هذا الإطار، حيث أضافت زخمًا غير مسبوقٍ للقضية الفلسطينية برمتها، وأجبرت الطرفين على عدم التصعيد وعززت من التوافق الفلسطيني تحت شعار القدس.

ولعل الأمر كان سيختلف كثيرًا إذا لم تكن قضية القدس قد شهدت هذا التطور التاريخي، الذي دفع الفلسطينيين على اختلاف مشاربهم إلى أن يكونوا على قدر المسؤولية في هذا الظرف الدقيق ويتوحدوا نابذين الفرقة، ولو مؤقتًا.

هذا البُعد ألمح إليه الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس "خالد مشعل"، حيث قال: "قبل القرار الأمريكي كانت هناك خطوات جيدة في سبيل إنجاز المصالحة وطيّ صفحة الانقسام، ولهذا فقيادة حماس الجديدة خطت خطواتٍ ممتازة من أجل إنهاء كل الأسباب والذرائع التي كانت تؤجِّج استمرار الانقسام".

وتابع في تصريحاتٍ صحفية: "وكان من المأمول أن تكون آثارها أسرع ولكن تباطأت قليلًا إلى أن جاء القرار الأمريكي لترامب فأضفى ظلالًا إيجابية على المشهد الفلسطيني الداخلي، وأعتقد أنه سيخدم المصالحة".

وعلى الرغم من تلك الأجواء الإيجابية التي تفوح رائحتها، إلا أن ثمة منغصاتٍ تجعل الأمر متكافئًا بين الحل والتعقيد، ربما بسبب ارتباط ملف المصالحة الفلسطينية بشكلٍ أو بآخر بالتطورات الإقليمية والدولية.

الانتهاء العملي للدور الأمريكي كوسيطٍ في القضية الفلسطينية على خلفية قرار "ترامب"، يضيف مزيدًا من التعقيد على ملف المصالحة لما لواشنطن من ضغوطٍ تمارسها على السلطة الفلسطينية من جانب والاحتلال الذي يسعى لتفخيخ اتفاق المصالحة من جانبٍ آخر.

كذلك فإن مستقبل المصالحة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل القضية بشكلٍ عام، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان الحديث عن قضية القرن التي تعني في المقام الأول تصفية القضية الفلسطينية بتوطين الفلسطينيين في سيناء مقابل حصول مصر على أراضٍ بالنقب المحتل، وإحكام سيطرة الاحتلال على كامل الضفة الغربية والقدس.

ولعل هذا هو ما ذهب إليه "إسماعيل هنية" رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في تفسيره لتداعيات قرار "ترامب" الذي وصفه بأنه جزء من مخطط تصفية القضية الفلسطينية.

"هنية" أكد في لقاءٍ جمعه برؤساء العشائر والأعيان في غزة، قبل يومين، أن حركته "لديها معلومات، وصلتها عبر أجهزة الاختصاص في حماس، تتعلق بعرض الولايات المتحدة الأمريكية، على قياداتٍ فلسطينية، منحهم عاصمة أو كيانًا في منطقة أبو ديس (قرب مدينة القدس)".

وتابع: "المخطط يقوم على أن يكون هناك جسر يربط بين أبو ديس والمسجد الأقصى، كي يسمح بحرية الحركة لأداء الصلاة في المسجد، كما أن هناك حديث عن تقسيم المسجد الأقصى إلى ثلاثة أقسام"، مشيرًا إلى أن التحركات الإقليمية تهدف إلى "إيجاد كيانٍ سياسي في قطاع غزة بامتيازاتٍ معينة".