قراءة في ضمانات نزاهة الانتخابات الرئاسية.. هل الدولة جادة حقا؟

قراءة في ضمانات نزاهة الانتخابات الرئاسية.. هل الدولة جادة حقا؟

02:00 ص

29-ديسمبر-2017

وتشير المؤشرات الأولية إلى عدم حيادية أجهزة الدولة بل عدم توافر الحد الأدنى من الفصل بين السلطة القضائية والتنفيذية ما يعني غياب أهم ضمانةٍ للعملية الانتخابية.

"ضمانات انتخابات الرئاسة لعام 2018" ملفٌ حيوي أثاره بقوة المرشح الرئاسي المحتمل "خالد علي"، مما يطرح سؤالًا محوريًا حول مدى توافرها أو إمكانية تحقُّقها على أرض الواقع، بما يتطلب قراءة البنية التشريعية والقانونية للانتخابات القادمة والبيئة الإعلامية والسياسية، والتي تكشف وفق رصدٍ أولي عدم تحققها لأسبابٍ عديدة.

أهمها قيام نظام "السيسي" بإصدار حزمةٍ من التعديلات الدستوريّة والقانونية تضمن سيطرته على العملية الانتخابية ونتائجها، أخطرها المواد والقوانين والقرارت الجمهورية المتعلِّقة بتشكيل الهيئة الوطنية للانتخابات ومجلسها وجهازها التنفيذي، والهيئات الإعلامية والصحفية.

وتشير المؤشرات الأولية إلى عدم حيادية أجهزة الدولة بل عدم توافر الحد الأدنى من الفصل بين السلطة القضائية والتنفيذية ما يعني غياب أهم ضمانةٍ للعملية الانتخابية.

وفي ظل تنامي مؤشرات عدم توافر الضمانات الأساسية يبقى الخيار للمرشحين سواء بالمشاركة أو الانسحاب أو المقاطعة، وهي مسألة لم تتضح بعد، فلكل تيار سياسي تقديراته وحساباته السياسية.

وجاءت مطالبة خالد بهذه الضمانات، متزامنة مع شكوى تقدم بها محمد أنور السادات، في خطاب وجّهه إلى الهيئة الوطنية للانتخابات، مما اعتبرها "تدخلات أمنية"، تُعيقه منذ شهرين عن إعلان موقفه من الانتخابات الرئاسية، بتعطيل حجز قاعة فندق لإعلان موقفه من الانتخابات، متهما صراحة جهاز "الأمن الوطني" بالقيام بهذا الأمر.

ليس هذا فحسب فمحكمة عسكرية قضت بسجن قائد عسكري يدعى أحمد قنصوة، 6 سنوات، أعلن في فيديو بثه عبر صفحته على موقع التواصل "فيسبوك" نيته الترشح للانتخابات الرئاسية، كما قالت تقارير صحفية إن رئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق يتعرض لضغوطات وتهديدات لإثنائه عن رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية، المقرر لها أن تبدأ في نهاية فبراير القادم. 

ضمانات خالد

بدوره، طالب المرشح الرئاسي المحتمل "خالد علي" -محام حقوقي مصري-، الثلاثاء 26 ديسمبر الجاري بحزمةٍ من الضمانات لإجراء الانتخابات الرئاسية في 2018 بنزاهةٍ وشفافية بمؤتمرٍ صحفي تحت شعار "طريق لبكرة (غدًا)" بمقر الحملة وسط القاهرة.

أهمها: ضمان الإشراف القضائي الكامل، وحياد أجهزة الدولة، وحرية الصحافة والتعبير، وتكافؤ الفرص بين المرشحين وإنهاء حالة الطوارئ.

وفيما يلي تحليلٌ لأهم الضمانات التي طالب بها المرشح الرئاسي المحتمل "خالد علي" لاختبار مدى إمكانية توفرها على أرض الواقع وفقًا للبنية والأطر التشريعية والسياسية والقانونية والإعلامية والأمنية المنظمة والمحيطة بالانتخابات.

عدم استقلالية هيئة الانتخابات

طالب "خالد علي" "بضرورة إجراء عملية الاقتراع والفرز تحت إشرافٍ كامل وفعلي وبرئاسة أعضاء من الهيئات أو الجهات القضائية، بحضور المرشحين وإثبات اعتراضهم وتسليمهم صورًا من المحاضر قبل إرسالها للهيئة الوطنية."

وتمثل هذه الضمانة صلب وعصب العملية الانتخابية، وتعدُّ الأهم على الإطلاق باعتبارها متضمنة للمرحلة الأكثر حساسية وهي الاقتراع والفرز وإعلان النتائج، ومهما توفرت الضمانات الأخرى من حرية إعلام ودعاية وفتح المجال العام للمرشحين والناخبين، تظل بلا جدوى في حال التلاعب بالفرز ونتائجه.

أما تحقق هذه الضمانة فيعد الأصعب لأنه يتطلب تعديل قانون الهيئة الوطنية للانتخابات، والأهم تعديل القرار الجمهوري الصادر بتشكيل مجلس إدارتها والقرار الجمهوري الصادر بتشكيل جهازها التنفيذي، وقانون الهيئة تم تجهيزه من قِبَل الحكومة وفقط اعتمده البرلمان، وبسرعةٍ تم تحديد وتشكيل مؤسسات الهيئة من قِبَل الرئيس "السيسي" في قراراته.

الخطير أن الهيئة الوطنية المشرفة على الانتخابات تحولت لمؤسسةٍ مُعيَّنة من قِبَل رأس السلطة التنفيذية وأحد المرشحين المحتملين للانتخابات، مما يهدد مبدأ الفصل بين السلطات ويجعل السلطة القضائية غير مستقلة عن السلطة التنفيذية في إدارتها لملف الانتخابات الرئاسية.

فقد أصدر «السيسي» في 10 أكتوبر الماضي، قرارًا جمهوريًا بتشكيل مجلس إدارة «الهيئة الوطنية للانتخابات»، التي ستتولى مسؤولية انتخابات الرئاسة والبرلمان والمحليات.

وجاءت اللجنة مكونة من ممثلي الهيئات القضائية الأربع في البلاد، برئاسة المستشار «لاشين إبراهيم محمد لاشين»، نائب رئيس محكمة النقض، وعضوية 9 قضاة يمثلون الهيئات القضائية الأربع في البلاد، وفقًا لنص القرار رقم 503 لسنة 2017.

وفي 5 نوفمبر 2017، أصدر السيسي، قرارًا جمهوريًا رقم 553 لسنة 2017، والخاص بتشكيل الجهاز التنفيذي الدائم للهيئة الوطنية للانتخابات.

اختصاصاتٌ تمنح هيمنةً بلا رقابة

الخطير هو اختصاصات هذه الهيئة المعيَّنة بمجلسها وجهازها التنفيذي من قِبَل الرئيس الذي صادق في 7 أغسطس الماضي- على قانون للانتخابات واختصاصاتها، الذي أعدته حكومته، وأقره مجلس النواب في 5 يوليو الماضي.

واختص القانون، الهيئة دون غيرها، بإدارة الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية والمحلية، وتنظيم جميع العمليات المرتبطة بها، والإشراف عليها على النحو الذي ينظمه هذا القانون، من دون التدخل في أعمالها أو اختصاصاتها -أي أن الهيئة لها اليد العليا ولا توجد جهة تراقب أعمالها-.

هذا النص يكشف هيمنة هذه الهيئة على جميع مراحل العملية الانتخابية بما فيها قبول ورفض المرشحين وقواعدها بما يجعل باقي ضمانات نزاهة العملية الانتخابية تحت قبضتها أيضًا.

إشرافٌ قضائي منقوص

وهذه الهيئة التي توصف بالموالية للسلطة وفق طريقة إصدار قانونها المُعدّ بأروقة الحكومة تهيمن على الفرز وتختار من يقوم به ويشرف عليه وقد تختار شخصياتٍ بعينها بشكلٍ انتقائي، فوفق قانون الهيئة، يحق للهيئة "طلب ندب الأعضاء لإدارة عملية الاقتراع والفرز من بين أعضاء الجهات والهيئات القضائية، مع جواز الاستعانة بالعاملين المدنيين بالدولة لمعاونتهم."

وبناء على قراءة جميع اختصاصات الهيئة وبخاصة الاختصاص السابق يتضح هيمنة الهيئة على جميع وأدق تفاصيل العملية الانتخابية من بدايتها لنهايتها، ومنها ما ينصُّ على الحق في اختيار المشرفين سواء من القضاة أو من المدنيين، بما يعني ضمنيًا انتهاء العمل بمبدأ "قاضي على كل صندوق" الذي يُحقِّق الإشراف القضائي الكامل، مع عدم النص عليه صراحة بالقانون الجديد ومع إقرار الحق بالاستعانة بعاملين بالدولة.

مما يمسُّ أيضًا ملفَّ الحيادية مع وجود حقيقة دعم الجهاز الإداري لمرشح الحكومة، ووجودهم كمساعدين للقضاة يمس نزاهة عملية الاقتراع والفرز.

في الوقت نفسه تتمتع الهيئة بالحق في تحديد بقاء أو عدم بقاء ممثلي المرشحين ووسائل الإعلام، وهو حق يتيحه اختصاصها بـ "إصدار القرارات اللازمة لحفظ النظام والأمن داخل وخارج اللجان".

أما حقها في تلقي طلبات الترشح وفحصها والتحقق من استيفائها للشروط المطلوبة والبتّ فيها وإعلان أسماء المترشحين، حق يمكنها من انتقاء المرشحين قبل بدء السباق من الأصل.

وفي ظل تبعية البرلمان للسلطة وإحكام قبضتها عليه، يظل من الصعب تعديل قانون الهيئة الوطنية للانتخابات، فيما تعاني مصر من ظاهرة "تفصيل القوانين" والتي تضمن الإتيان بأسماء معينة وإقصاء أخرى.

حرية الصحافة والتعبير.. إلى أين؟

أحد الضمانات المهمة التي طالب بها "خالد علي" "إطلاق حرية الصحافة والرأي والتعبير وحرية تداول المعلومات وإلغاء الحجب عن المواقع الإلكترونية الصحفية والحقوقية".

تشير إعادة هندسة شبكات الإعلام الموالي للسلطة وعملية إعادة تنظيم سيطرة الدولة عليها إلى سعي السلطة للسيطرة على المشهد الإعلامي دون منافسين، وتبين ذلك بقوة في إطار صفقة شركة "إيجل كابيتال" والتي اشترت مجموعة شركات "إعلام المصريين" لرجل الأعمال "أبو هشيمة"، من أجل توسيع احتكار السلطة على أذرعها الإعلامية وتوظيفها بملف انتخابات الرئاسة.

هذه الخطوة تأتي للسيطرة على الرأي العام في مصر، وسبقها خطوة مكملة هي حجب المواقع المعارضة والمنافسة في حملة هي الأشد ضراوة، وجاءت ضمن عملية التمهيد لترشح "السيسي" للانتخابات.

في هذا الإطار قامت الحكومة بقمع الصحفيين المعارضين وبحجب حوالي 400 موقع وشمل الحجب مواقع منظماتٍ حقوقية.

ومبكِّرًا قام "السيسي" بتشكيل مؤسسات المجالس الإعلامية والصحفية  في   11 إبريل الماضي، وعيَّن على رأسها شخصيات محسوبة على النظام حيث أصدر "السيسي" القرارات الجمهورية ١٥٨ و١٥٩ و١٦٠ بتشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام.

وتم اختيار "مكرم محمد أحمد" رئيسًا للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، و"كرم جبر" رئيسًا للهيئة الوطنية للصحافة و"حسين زين" رئيسًا للهيئة الوطنية للإعلام.

هذه الأجواء تُشكِّل بيئة الانتخابات القادمة، إعلام بصوتٍ واحد رسمي وخاص، مع تغييبٍ للصوت المعارض، مما يجعل ضمانة "دعوة وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني للعملية الانتخابية" محل شك حيث تجري فلترة الجهات الدولية والمحلية الراغبة في متابعة الانتخابات وهي إحدى اختصاصات الهيئة الوطنية للانتخابات ولن توجد مؤسسات إعلامية رسمية تعارضها.

ملف حيادية أجهزة الدولة

طالب "خالد علي" بضمانةٍ مهمة هي "التزام أجهزة الدولة بالحياد، أثناء المشاركة بالعملية الانتخابية وحظر قيامها بأي ممارساتٍ تصب في صالح مرشحٍ بعينه، ووقف استخدام المال العام للدولة عن الدعاية لمرشحٍ أو ضد آخر بطريق صريح أو مستتر".

كشفت العمليات الانتخابية السابقة عن انحياز أجهزة الدولة العميقة لمرشح السلطة الذي يحقق مصالحها واستمرارية شبكات نفوذها، بما يُكرِّس غياب مبدأ تكافؤ الفرص، وقد برزت عدة مؤشراتٍ تؤكِّد استمرارية هذا التوجه الذي تغلغل ليس فقط داخل الجهاز الإداري بل وصل إلى منظومة العدالة ومؤسساتٍ قضائية تبنت أحكامًا مسيسة كثيفة منذ الثالث من يوليو 2013.

والمرشح المحتمل "خالد علي" نفسه مهددٌ بالاستبعاد من السباق الرئاسي حيث ينتظر حكمًا بشأن الاستئناف الذي قدَّمه على حكم سجنه ثلاثة أشهر، وفي حالة تأييده سيُمنع من الترشح في أي منصبٍ عام، وقد يُمنع من حقِّه المدني والسياسي في الترشح، أو حتى التصويت.

أما حيادية الأجهزة الأمنية فمحل شك، بناء على خبرة الانتخابات المصرية السابقة، والتي تتخذ عادة موقفًا داعمًا لمرشح النظام، ويؤشر التعامل مع حملة "خالد علي" على غياب تكافؤ الفرص والمساواة بين المرشحين وحملاتهم.

في 6 نوفمبر الماضي، أعلن الحقوقي المصري، "خالد علي"، ترشُّحه للانتخابات الرئاسية، بينما كانت قوات الأمن المصرية قد "داهمت المطبعة المعنية بطباعة الأوراق الخاصة بالمؤتمر الصحفي، قبيل انعقاده، ومزَّقت جانبًا من الأوراق، وصادرت بعضها الآخر، في محاولةٍ استباقية لإجهاض المؤتمر.

تجنيد أجهزة الدولة لمرشح النظام

في المقابل نالت حملة "علشان تبنيها" الداعمة لإعادة ترشح "السيسي" لنيل ولايةٍ ثانية، حرية حركة كبيرة داخل الجهاز الإداري للدولة لجمع توقيعات الموظفين بشكلٍ إجباري، مع عقد المؤتمرات، فالحملة استكملت بناءها التنظيمي داخل المحافظات عبر تأسيس 168 مقرًا لتسهيل وصول استمارات الحملة للمواطنين، ولديها مقرات في 27 محافظة، وأكثر من 36 مقرًا بالخارج، فيما يؤشر على تأثيرٍ مسبق على مواقف الناخبين خارج إطار العملية الانتخابية وقبل انطلاقها دون نيل باقي المرشحين الحق ذاته.

ضمانة إنهاء الطوارئ

ضمانة إنهاء حالة الطوارئ منذ الإعلان عن فتح باب الترشح مهمة، ويتوقف قرار تمديدها أو إنهائها على تقييم السلطة للحالة الأمنية في البلاد، ففي أكتوبر الماضي، قرر "السيسي" تمديد حالة الطوارئ في مصر 3 أشهر؛ نظرًا لـ "الظروف الأمنية الخطيرة التي تمرّ بها البلاد".

أما في حال احتمال استمرار الطوارئ فستشكِّل قيودًا كبيرة على المرشحين المنافسين حيث يعطي قانون الطوارئ لرئيس الجمهورية الحق في وضع قيودٍ على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن، أو أوقات معينة.

كما يعطيه الحق بمراقبة الرسائل أيًّا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات، وكل وسائل الدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها.

من جانبه، أشار عضو لجنة الإصلاح التشريعي وأستاذ القانون "صلاح فوزي" إلى أنه في حال تقرر تمديد العمل بحالة الطوارئ، مع بدء استحقاق الانتخابات الرئاسية، فإنه "لا يوجد مانعٌ قانوني أو دستوري يحول دون ذلك".

وأوضح "فوزي" في تصريحاتٍ صحفية أن "ما يترتب على الطوارئ من إجراءاتٍ وقائية لحماية النظام، حددها القانون رقم1 لعام 1913، وتتضمن اشتراك القوات المسلحة مع عناصر الشرطة في حماية المنشآت، ومنحهما حق الضبطية القضائية".

وأشار إلى أن "موافقة مجلس النواب على القرار الجمهوري 510 لسنة 2017 المتعلِّق بإعلان حالة الطوارئ، يترتب عليه في حال تمديده أو إصدار قرارٍ آخر في فترة إجراء الانتخابات الرئاسية أن تُؤمِّن القوات المسلحة عملية الاقتراع والتصويت، من دون الحاجة إلى قرارٍ جديد".