هل ارتدت «القوة الغاشمة» في صدر السيسي؟ أم هناك من يريد إثبات فشل رئيس الأركان الجديد؟!

هل ارتدت «القوة الغاشمة» في صدر السيسي؟ أم هناك من يريد إثبات فشل رئيس الأركان الجديد؟!

02:31 ص

29-ديسمبر-2017

مساء الخميس، قُتل 10 عسكريين، بينهم الحاكم العسكري لمدينة بئر العبد، ومدني وأُصيب آخرون في مجموعة متزامنة من الهجمات المسلحة التي استهدفت مدرعة شرطة وقوة عسكرية ووحدة في مناطق متفرقة من محافظة شمال سيناء.

بعد أن اعتادوا على أخبار الهجمات المسلحة التي تستهدف الجيش والشرطة في سيناء، أصبح المصريون على موعد مع اعتياد آخر لكنه هذه المرة يتعلق بالقادة العسكريين والأمنيين الذين باتوا على ما يبدو هدفًا سهل المنال للمجموعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة هناك.

مساء الخميس، قُتل 10 عسكريين، بينهم الحاكم العسكري لمدينة بئر العبد، ومدني وأُصيب آخرون في مجموعة متزامنة من الهجمات المسلحة التي استهدفت مدرعة شرطة وقوة عسكرية ووحدة في مناطق متفرقة من محافظة شمال سيناء.

وبينما لم تعلن أي من التنظيمات، حتى الآن، مسؤوليتها عن هجمات تحمل بصمة تنظيم داعش (ولاية سيناء)، أشار المتحدث العسكري للقوات المسلحة إلى أحد الحوادث بكلمات مقتضبة لم تتضمن أية تفاصيل عن مكان الاستهداف أو رتب الضحايا أو أسماءهم.

حيث اكتفى بجملة في طيات خبر منشور يتحدث عن القضاء على مطلوبين، قال فيها: "وفى سياق آخر إنفجرت عبوة ناسفة فى إحدى المركبات الخاصة بالقوات المسلحة أثناء مداهمة إحدى البؤر الإرهابية نتج عنها إستشهاد ضابط و(5) جنود آخرين".

قراءة أولية لخريطة الهجمات

صفحة (سيناء+) على فيسبوك والتي يديرها نشطاء ميدانيون، نقلت تفاصيل أوفى، عن الهجمات المسلحة وأماكنها وترتيبها الزمني، والتي جاءت كالتالي:

-الهجوم الأول استهدف مدرعة شرطة بقذيفة "آر بي جي" في محيط البنك العقاري العربي وسط مدينة العريش، تبعه تبادل لإطلاق النار مع قوات تأمين البنك وراح ضحيته مجند ومواطن مدني وأصيب 3 مجندين آخرين، وبالتزامن جرى الاشتباك مع قوات الدعم التي كانت متوجهة إلى مكان الحادث في محيط منطقة "أم القرى"، قبل أن ينسحب جميع المسلحين من مواقع الإشتباكات داخل حي "كرم أبونجيلة".

-الهجوم الثاني استهدف قوة عسكرية على الطريق الدولي "العريش القنطرة" شرق مدينة بئر العبد، وراح ضحيته ضابطان و6 جنود، ومن بين الضحايا العقيد أحمد الكفراوي الحاكم العسكري لمدينة بئر العبد.

-الهجوم الثالث استهدف وحدة عسكرية بمنطقة الجفجافة في وسط سيناء بقذائف الهاون، ما أسفر عن مقتل مجند وإصابة مجنَدين آخرَين.

وفي الدقائق الأخيرة من مساء الخميس 28 ديسمبر، وقع هجوم آخر على بوابة تحصيل رسوم محاجر بالقرب من واحة ميدوم بالطريق الصحراوي الغربي بمركز الواسطى في بني سويف، ما أسفر عن مقتل ضابطين متقاعدين ومجند.

وتبدو في القراءة الأولية لتلك الهجمات مجموعة من الملاحظات الجديرة بالتوقف قبل الخوض في دلالاتها والبحث فيما وراءها من تفاصيل ورسائل، ويمكن إيجازها في نقاط محددة:

-باستثناء حادث بني سويف، فإن الهجمات التي شهدتها سيناء تحمل بصمة ولاية سيناء، حيث اعتادت على مثل هذه الهجمات، كما أنها جاءت بعد أيام من تبنيها محاولة اغتيال وزيري الدفاع والداخلية بمطار العريش، ستناولها لاحقًا بالتفصيل والتحليل.

-الهجمات استهدفت الجيش والشرطة على حد سواء، في ملمح ربما يرتبط بشكل أو بآخر بمحاولة اغتيال الوزيرين باعتبارهما قائدا هاتين المؤسستين العسكرية والأمنية.

-أهداف المسلحين تنوعت بين الثابتة كالوحدة العسكرية وقوة تأمين البنك، والمتحركة كالقوة العسكرية قرب بئر العبد، الأمر الذي يشير إلى إمكانات وقدرات متصاعدة لدى لمتورطين في الحوادث.

-كذلك فإن التزامن بين الحوادث تشي بمدى الحرفية والجاهزية والقدرات التكتيكية والإمكانات البشرية التي يتمتع بها المسلحون لدرجة تدفعهم للتنفيذ في توقيتات متزامنة عبر مسافات واسعة وممتدة.

-الانتشار والتمدد الجغرافي للهجمات بقدر ما يدل على مدى ما وصل إليه المسلحون من قدرات تنظيمية عالية، يكشف سيطرة ما باتوا يتمتعون من خلالها بإمكانية التنفيذ المتزامن في مناطق مختلفة وأهداف متنوعة لا سيما في شمال ووسط سيناء.

دلالات استهداف الحاكم العسكري

ووسط تلك الهجمات المتنوعة يبرز استهداف الحاكم العسكري لمدينة بئر العبد على قدر كبير من الخطورة والأهمية، ويحمل دلالات عميقة تتكشف الواحدة تلو الأخرى.

مبدئيًا، فإنه من الواضح أن المسلحون كانوا يمتلكون المعلومات المسبقة عن مرور القوة من هذا الطريق في هذا التوقيت، ويعلمون كذلك الشخصيات المتواجدة فيه، اي أنهم حصلوا على المعلومة الكاملة التي تشير إلى تواجد الحاكم العسكري للمدينة على رأس القوة.

وبينما لم يتم التثبت من كيفية تنفيذ الهجوم سواء عبر اشتباك مسلح وزرع عبوة ناسفة وهو السيناريو الذي أعلن عنه المتحدث العسكري، فهو في جميع الأحوال يؤشر على معرفة دقيقة للغاية بكل التفاصيل التي تمكن من الهجوم دون خسائر.

سيناريو ثالث يعززه عدد الضحايا في الهجوم (8 أشخاص) والذي ربما لم يكن ليقع عن طريق عبوة ناسفة، حيث يبدو أنه كان على مرحلتين الأولى تفجير العبوة الناسفة وقت مرور القوة، ومن ثم إمطارها بوابل من الرصاص يحصد من نجا من التفجير، ثم العودة دون خسائر.

نحن إذن أمام ما يمكن تسميته "جهاز معلومات" مصغر لدى التنظيم – بفرضية تورط ولاية سيناء فيه – استطاع من خلاله الحصول على تلك المعلومات، سواء من خلال زرع العملاء أو التجسس على الاتصالات التي تتم بين القيادة والقوات المشاركة في عمليات التأمين.

هذه النقطة تعيدنا إلى الحادث الذي وقع قبل أيام في مطار العريش والذي استهدف وزيري الدفاع الفريق أول صدقي صبحي والداخلية مجدي عبدالغفار، وما أثير في عقبه بشأن الخيانات داخل الجيش والشرطة، وهو ما تناوله القصة بتفصيل موسع في تحليل سابق.

ارتباطًا بمحاولة اغتيال الوزيرين، فإننا ربما نلحظ توجهًا معينًا داخل التنظيم ينطوي على مخطط لاستهداف القيادات الأمنية والعسكرية في سيناء، مع التقليل من وتيرة الاستهداف العادي للضباط والجنود.

وعلى الرغم من أن هذا النوع من الاستهدافات أكثر كلفة ويسير بوتيرة متباطئة لمتطلبات التجهيز والإعداد والتخطيط ومن قبل ذلك جمع المعلومات، لكن تأثيره أمضى وأقوى سواء على مستوى القوات المتواجدة على الأرض أو فيما يخص الدلة بشكل عام.

ومن شأن تلك العمليات أن تُحدث توترًا في صفوف القادة، وتخوفات وربما انهزامية لدى الضباط والجنود، على نحو يسهل كثيرًا من مهمة التنظيمات المسلحة في العمليات المستقبلية مستفيدة من الزخم الذي أحدثته ما سبق من عمليات.

استهداف الحاكم العسكري لمدينة بئر العبد، ربما يتطلب منا العودة إلى شهر مضى، حينما شهد مسجد الروضة في بئر العبد تلك الجريمة التي راح ضحيتها مئات المصلين.

بالإضافة إلى أن المستهدف هو الحاكم العسكري للمدينة التي يتبع لها المسجد، فإن الريط ينطوي على مجموعة من الرسائل التي ربما أراد التنظيم توصيلها إلى الجيش والسلطة بشكل أوسع.

الرسالة الأبرز تكمن في إعلان التنظيم تحديه للسلطة بتنفيذ العملية بالقرب من موقع العملية السابقة، بالإضافة إلى استدعاء الاتهامات التي وجهت لها بالفشل في حماية المصلين، مع فشل متجدد يتمثل في التأمين المفترض للمدينة وحاكمها العسكري بعد شهر واحد فقط من تفجير الروضة.

وقد يبدو في الأمر ثمة ثأر ينفذه التنظيم انتقامًا لبعض عناصره الذين قُتلوا أو أُلقي القبض عليهم في أعقاب هجوم الروضة.

فشل القوة الغاشمة

ولعل السؤال الأكثر أهمية في هذا السياق هو: لماذا فشلت القوة الغاشمة في كبح جماح داعش؟.

في 29 نوفمبر الماضي، أي قبل شهر كامل، وخلال الاحتفال الرسمي بالمولد النبوي شهدت مصر موقفًا فريدًا تضمن تكليفًا علنيًا من قبل الرئيس عبدالفتاح السيسي لرئيس أركان حرب الجيش الجديد الفريق محمد فريد حجازي، باستعادة الأمن والاستقرار في سيناء خلال 3 أشهر، ليس هذا فحسب بل باستخدام "القوة الغاشمة" في سبيل تحقيق هذا الهدف.

وقبل أقل من أسبوع واحد، وخلال افتتاحه لعدد من المشروعات التنموية بمنطقة قناة السويس، قال السيسي: ""سيناء أرضنا.. القوات المسلحة ستقوم بكل العنف، بكل العنف، بكل العنف، ويجب أن نضع حدًا للإرهاب الموجود فيها.. نموت كلنا ولا أحد يقترب من أرضنا"، في تصريح قيل إنه ردًا على محاولة اغتيال وزيري الدفاع والداخلية.

فهل لم تكفي القوة الغاشمة ولا كل العنف في وضع حد للإرهاب في سيناء؟، ربما ليست الإجابة "لا" فقط، بل إن تلك القوة وهذا العنف انعكسا على تطور لافت في أداء تنظيم ولاية سيناء، على جميع المستويات سواء من ناحية التدريب والتخطيط والتسليح والمهارات القتالية وغيرها.

ويبدو أن التنظيم متعمدًا الرد بقسوة على التهديدات التي تخرج من السيسي نفسه وليس أي مسؤول عسكري يواجهه على الأرض، وكان هذا واضحًا في محاولة اغتيال الوزيرين عقب تصريح القوة الغاشمة، ومقتل الحاكم العسكري لبئر العبد بعد أيام من تصريح "كل العنف".

الرد القوي من قبل التنظيم على هذا النحو بهجومين كبيرين يكشف تعاظمًا غير مسبوق في قدرات ولاية سيناء، بشكل يدفع للتساؤل بعيدًا عن تقصير السلطة في المواجهة، عن أسباب هذا النمو المضطرد بعد فترة من الكمون والترقب، توقع (القصة) في تحليل سابق أنها تسبق العاصفة، وربما هذا ما كان.

المؤكد أن التنظيم تلقى مؤخرًا مزيدًا من دعم على مستوى التسليح والأفراد المدربين وكافة ما يتعلق بعناصر الإمداد والتموين التي مكنته من الرجوع بشكل أقوى وأكثر تأثيرًا عن ذي قبل، وربما تنحصر محاولة التفسير في اتجاهين، أولهما: أن التنظيم استطاع تجنيد المزيد من الشباب المقتنعين بفكره تحت وطأة الانتهاكات الأمنية بحق أهالي سيناء التي خلقت ثأرًا بين الأالي من ناحية والجيش والشرطة من ناحية أخرى، وما قد يقدمونه من مغريات لهم.

أما الاتجاه الثاني، فيشير إلى إمكانية توجه مقاتلي داعش الفارين من مناطق الصراع في العراق وسوريا إثر الهزيمة التي تعرضوا لها هناك، أو القادمين من ليبيا، ووجدوا في سيناء الحاضنة المناسبة لالتقاط الأنفاس، ومن ثم الاستمرار في المواجهة وتطوير القدرات والإمكانات.

هؤلاء الفارون ربما تمكنوا من الوصول بعتادهم الكامل أو قدرت تسليحية جديدة، فضلًا عن الدعم المادي واللوجيستي بما يساعدهم على البقاء.

أضف إلى كل ذلك ما يمكن أن نستخلصه من مفردات وتعبيرات تخص أداء قوات الجيش والشرطة، من التقصير والإهمال والتراخي، مرورًا بالخيانات في أوساط الضباط، وصولًا إلى التواطؤ من قبل القيادات.

وإذا كان التساؤل بشأن ما هو قادم بالنسبة لولاية سيناء فإن المستقبل القريب وفق هذا التطور، يوحي بأن الدولة بصدد مواجهة مجموعات منظمة على قدر كبير ومتزايد من الكفاءة التسليحية والتخطيطية والتدريبية والتنفيذية، ومسيطرة على مساحات واسعة من العريش وبئر العبد والشيخ زويد ورفح شمالًا إلى الحسنة ونخل وسط سيناء، تستطيع أن تتحرك خلالها بمنتهى الحرية والانطلاق.

الباعث على القلق أن التمدد الجغرافي للتنظيم والذي يثبت أن شوكته أصبحت قوية بمدينة بئر العبد، يثير المخاوف بشأن إمكانية انتقال مسرح العمليات وبنك الأهداف الخاصة بولاية سيناء إلى قناة السويس والمدن على الضفة الغربية للقناة مثل السويس والإسماعيلية وبورسعيد، حيث تبعد بئر العبد عن العريش بنحو 50 كيلو مترًا، بينما تقل المسافة بينها وبين السويس عن 240 كيلو.

وربما لا يمكن تصور حجم التهديد الذي قد تواجهه الدولة إذا كانت كل تلك المناطق الحيوية والاستراتيجية والمأهولة بالسكان أهدافًا للتنظيم.

في المقابل ماذا بيد السيسي بعد القوة الغاشمة وكل العنف حتى يتمكن من إلحاق الهزيمة بالإرهاب والقضاء على التنظيمات المسلحة كما تعهد مرارًا؟.

بطبيعة الحال فإن الجواب بيد السيسي فقط، لكن نظريًا وعلى أرض الواقع فلم يعد للجيش من حيلة للسيطرة على الأمر، في حال استمرار الوضع كما هو عليه من حيث ضعف التدريب والتسليح للقوات المتواجدة على خطوط المواجهة.

لكن الأزمة برمتها قد تكون الأسهل على السيسي رغم بدء العد التنازلي لانتخابات الرئاسة التي بات في حكم المؤكد أنه سيترشح فيها لفترة ثانية، فبمجرد "جرة قلم" يستطيع السيسي الخروج من مأزق الفشل المتوقع.

ولعله كان على علم بهذه النهاية، عندما كلف رئيس الأركان الذي لم يُمض بعد أيامًا في منصبه بمهمة استعادة الأمن والاستقرار في سيناء خلال 3 أشهر، وها قد انقضت ثلث المدة والأوضاع تتجه للأسوأ، فقد يتحين السيسي الفرصة ولا ينتظر لاكتمال الأشهر الثلاثة ويطيح بالرجل محملًا إياه المسؤولية عما آلت إليه الأمور.

وبهذا يضمن السيسي امتصاص الصدمة الناتجة عن ارتداد القوة الغاشمة في صدر نظامه، بتعليق الفشل في رقبة رئيس أركان الجيش، ثم البدء من جديد وفق معطيات وظروف المرحلة.