مظاهرات مشهد الإيرانية.. 5 مؤشراتٍ لبصمة تحالف «سلمان – زايد»

مظاهرات مشهد الإيرانية.. 5 مؤشراتٍ لبصمة تحالف «سلمان – زايد»

12:59 ص

30-ديسمبر-2017

فقد جرت العادة في احتجاجات إيران الاجتماعية أن يقودها جهات سياسية في إطار الصراع الداخلي بين التيار الإصلاحي، الذي يقوده رئيس الجمهورية، والتيار المحافظ.

"ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، قد يُسقط نظام الملالي، دون أن يدخل في مواجهةٍ مع إيران، فقط بتنفيذه لرؤية 2030 التنموية"..

هكذا ساق نائب رئيس شرطة دبي، "ضاحي خلفان"، توقعاته للعام الميلادي الجديد (2018)، عبر تويتر، في معرض تعليقه على المظاهرات التي هزّت شوارع عدة مدنٍ إيرانية، الخميس (28 ديسمبر)، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية وانتشار الفقر والبطالة وغلاء الأسعار.

ويحمل تعليق "خلفان" إشارةً إلى وجود معطياتٍ لإمكانية تداعي النظام الإيراني من الداخل تدريجيًا، إذ يعيش نحو 40 مليون مواطن تحت خطر الفقر، أي نصف مجموع السكان، في وقتٍ تنفق فيه الدولة المليارات على مشروعها الإقليمي، عبر دعم أذرعها في كل من اليمن وسوريا والعراق ولبنان، بما يعني أن الاستثمار السعودي – الإماراتي في دعم الاحتجاجات الاجتماعية المتنامية يعني نجاحًا في تقويض الخطر الإيراني من معقله وفي أرضه.

وقد جاء فهل ترتبط المظاهرات الحاشدة في مشهد (شمال شرق إيران)، والتي تعد ثاني أكثر المدن اكتظاظًا بالسكان، وغيرها من المدن، بمخططٍ سعودي – إماراتي لمحاولة نقل أحد حلبات الصراع الإقليمي إلى الداخل الإيراني، كما هدد "بن سلمان" من قبل في حديثٍ سابق لقناة "إم بي سي"؟

ثمة 5 مؤشراتٍ يمكن رصدها في هذا السياق للاستدلال على هكذا مخطط، نعرضها فيما يلي: 

أولًا: مصدر الدعوة للمظاهرات:

فقد جرت العادة في احتجاجات إيران الاجتماعية أن يقودها جهات سياسية في إطار الصراع الداخلي بين التيار الإصلاحي، الذي يقوده رئيس الجمهورية، "حسن روحاني"، والتيار المحافظ، الذي يقوده مرشد الجمهورية، "علي خامنئي"، في إطار "المكايدة" بين الطرفين اللذين يقتسمان السلطة حاليًا، بعد نجاح "روحاني" في الفوز بولايةٍ رئاسيةٍ ثانية.

وفي إطار هذه الفرضية، توقَّع مراقبون أن تكون المظاهرات مناوئةً لـ"خامنئي" ومؤيدة لـ"روحاني"، خاصة بعدما صب "الحرس الثوري" الزيت على نار الأزمة الاجتماعية إثر قيام عددٍ من البنوك التابعة له بإعلان إفلاسها بعد إغراء الكثير من المواطنين البسطاء بإيداع أموالهم فيها على قاعدة الإغراءات الربحية.

وفي المقابل، توقَّع آخرون أن تكون الاحتجاجات محاولةً من "خامنئي" وتيار المحافظين لتقويض سلطة "روحاني" في ولايته الثانية، عبر حشره في زاوية إخفاقٍ مزعوم لمواجهة مشكلات الفقر والبطالة والغلاء في البلاد، خاصة بعدما فشلت مخططاتهم لفوز منافسه، "إبراهيم رئيسي"، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

لكن الدعوة للاحتجاجات الأخيرة في إيران ظلت "مجهولة المصدر والقيادة"، وهو ما أكدته العديد من المصادر الإيرانية، على رأسها رئيس تحرير شبكة "أخبار نظر"، "بيام برهيز"، عبر حسابه على تويتر، قائلًا: "من غير الواضح مَن هو الشخص أو الجماعة التي نظمت هذه الاحتجاجات".

ثانيًا: الهجوم على روحاني:

يظهر من المقاطع المرئية المتداولة للاحتجاجات في إيران أن المتظاهرين رددوا شعاراتٍ موجهةٍ ضد الرئيس الإيراني، بينها: "الموت لروحاني"، غير أن ذلك لم يُقدِّم مؤشرًا على قيادتهم من قِبَل التيار المحافظ أيضًا.

فالمتظاهرون رددوا شعاراتٍ أخرى قريبة من أفكار الإصلاحيين، ومنها "حولتم الإسلام إلى سلّم فأذللتم الشعب"، في إشارةٍ إلى ما اشتهر عن المحافظين من توظيفٍ سياسي – أيدولوجي للدين لصالح أغراضهم الخاصة، ما أسفر في النهاية عن استحواذ 5% فقط من سكان إيران على منابع ثرواتها، وهم من الفئة الحاكمة المقربة من "خامنئي"، حسبما كشفت دراسة لمؤسسة "بورغن" غير الحكومية، التي تعني بمكافحة الفقر حول العالم.

لكن بعض المتابعين رجَّحوا فرضية لقيادة المحافظين الاحتجاجات بـ "وجوهٍ جديدة" تضمن لهم إعادة إنتاج حضورهم السياسي المُتراجِع مؤخرًا، والضغط على "روحاني" وتياره في الوقت ذاته، غير أن باقي معطيات المشهد كشفت عن أن هذه الفرضية تنطوي على قراءةٍ مجتزأة. 

ثالثًا: غزة ولبنان وسوريا:

فحضور هتافاتٍ أخرى، منها: "لا لغزة.. لا للبنان.. نعم لإيران"، قدم دليلًا قطعيًا على استحالة قيادة الاحتجاجات من قِبَل أي جهةٍ تنتمي إلى الخط المحافظ، الذي يتبنى أنصاره نموذج الدولة الإيرانية العميقة، العابرة لحدودها، والباسطة لنفوذها عبر أذرعها السياسية والعسكرية في الإقليم.

في السياق ذاته، ردَّد المتظاهرون هتاف: " انسحبوا من سوريا وفكروا بنا" بما يمثل انتقادًا صريحًا لتوجهات "الحرس الثوري"، الذي يعد العمود الفقري للدولة الإيرانية، والمعبِّر تاريخيًا عن هيمنة المحافظية على عمقها.

وترجح هذه المعطيات قيادة المظاهرات من جانب "طرفٍ ثالث" يناوئ المحافظين والإصلاحيين معًا، ويرى ضرورة تغيير "بنية الدولة" الإيرانية، وليس مجرد إجراء تعديلاتٍ على سياساتها.

رابعًا: فيديو الخارجية الأمريكية: 

ويعزِّز من هذا الترجيح أن المظاهرات التي تعمدت السلطات الإيرانية فرض تعتيمٍ إعلاميٍ عليها، تبنى نشر مقاطعها المرئية حساب "فريق التواصل" التابع لوزارة الخارجية الأمريكية على تويتر، مشيرًا إلى أنها كانت "حاشدة في مدينة مشهد الإيرانية احتجاجًا على الفقر والبطالة".

وبالبحث عن أصل العديد من المقاطع المتداولة للمظاهرات الإيرانية عبر تويتر يمكن للمراقب التأكد من أن "حساب التواصل" هو مصدرها الأصلي، بما يؤشر إلى أن أطرافًا من داخل الاحتجاجات على تواصلٍ مع عددٍ من الدول المناوئة للدولة الإيرانية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

ولعل ذلك ما يفسر حالة الثقة والتفاؤل التي بدت من توقعات "خلفان" للعام الميلادي الجديد، وإشارة "قرقاش" إلى أن "تحدي الداخل" هو المهدد الأكبر لبقاء الدولة الإيرانية بصيغتها الحالية.

خامسًا: مريم رجوي:

وفي هذا السياق، يمكن قراءة دعوة زعيمة المعارضة الإيرانية بالخارج، "مريم رجوي"، الإيرانيين لدعم "الانتفاضة الكبيرة في مدينة مشهد"، مؤكدة أن "الحل الوحيد للخلاص من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية هو إسقاط نظام الملالي".

وبإضافة أن "رجوي"، التي تقيم في باريس وتعرف نفسها بـ"رئيسة الجمهورية المنتخبة من قِبَل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية"، تزعمت منظمة "مجاهدي خلق" التي تعتبرها طهران أخطر كيانات المعارضة المنظمة (تصفها وسائل الإعلام الرسمية بمنافقي خلق)، وأعلنت، في أكثر من مؤتمرٍ بباريس، قبولها لتلقي الدعم من كافة القوى الدولية المناوئة لـ "نظام الملالي"، بما فيها السعودية والإمارات، يمكن القول بأن ولي العهد السعودي، "محمد بن سلمان"، ونظيره الإماراتي، "محمد بن زايد"، يُعوِّلان على دعم "الطرف الثالث"، سالف الذكر، ولو بأساليب سياسية ولوجستية في الوقت الراهن.

ولعل ذلك ما يفسر الموقف الحاد من جانب "روحاني" إزاء المظاهرات، بخلاف ما عرف عنه من تسامحٍ إزاء المظالم الاجتماعية تحديدًا، إذ دعا إلى اليقظة تجاه ما وصفه بـ"محاولات الأعداء الرامية إلى إثارة اليأس والخلافات بين الإيرانيين".

تعليق "روحاني" حمل تصريحًا واضحًا برصد دعم "الأعداء" للاحتجاجات، وهو تعبير لا يستخدمه الخطاب الإيراني الرسمي إلا لوصف دولة الاحتلال الإسرائيلي وحلفائها من جانب، والمملكة العربية السعودية وحلفائها من جانبٍ آخر.

وحدد الرئيس الإيراني تفاصيل هذا الرصد، خلال اجتماع اللجنة الاقتصادية للحكومة، بقوله إن بثَّ اليأس في نفوس الشعب وتوجيه الاتهامات ونشر الأكاذيب جملة من الأعمال التي يمارسها "البعض" في إطار مخطط الأعداء.

وهنا يتماهى خطاب "روحاني" مع "خامنئي" تمامًا في الموقف من التيار الثالث الذي بدت المؤشرات واضحة على اتصاله بتكتلات المعارضة، التي تتزعمها "رجوي" بالخارج.

توازن الردع

لكن هل يعني ذلك أي درجةٍ من "توازن الردع" بين السعودية والإمارات من جانب وإيران من جانبٍ آخر؟ معطيات الواقع لا تشي بذلك مطلقًا، إذ بلغت أدوات النفوذ الإيراني على حدود (وفي عمق) الأراضي السعودية حد المدى الصاروخي، وذلك بعدما تكرَّر إطلاق الحوثيين لصواريخ باليستية وصلت إلى قلب العاصمة (الرياض).

ومادام الدعم السعودي – الإماراتي لـ "تيار رجوي" سياسيًا، دون التمكن من تحويله إلى "ذراعٍ عسكري" بالداخل الإيراني، سيظل ميزان الردع محسومًا لصالح طهران، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.

وإزاء ذلك، يمكن القول بأن الاحتجاجات الاجتماعية بمدن إيران الكبرى تمثل "جرس إنذار" لنظام طهران مفاده أن الواقع الميداني للإقليم لا يكفي لحسم المعركة مع السعودية، مادام أن الداخل الإيراني تنخر فيه أضلاع التخلف الثلاثة: الفقر والجهل والمرض، وهو ذاته الجرس الذي قرعته إخفاقات رؤية "بن سلمان" الاقتصادية (السعودية 2030) حتى الآن (طالع تحليل القصة بشأنها) وأيهما سينتبه لقرع جرسه هو من سيضمن رجحان كفّته في المستقبل.