المناورات «القطرية-السودانية».. كيف تبحث الدوحة عن توازن الردع عبر تحالفاتٍ استراتيجيةٍ جديدة

المناورات «القطرية-السودانية».. كيف تبحث الدوحة عن توازن الردع عبر تحالفاتٍ استراتيجيةٍ جديدة

03:22 ص

30-ديسمبر-2017

توسيع الدوحة علاقاتها العسكرية لم يكتف بالسودان، بل طال إثيوبيا، إذ التقي رئيس الأركان القطري غانم بن شاهين الغانم، برئيس الحكومة الإثيوبية، واتفق الجانبان على تعزيز التعاون الأمني بينهما.

يحمل إعلان "الترتيب الوشيك لمناوراتٍ عسكرية بين الجيشين القطري والسوداني" الكثير من الدلالات والتداعيات، ويُعدُّ بذاته جزءًا من الاستراتيجية القطرية لتحقيق ما يعرف بـ"توازن الردع" في مواجهة دول الحصار الخليجية، ويمثِّل مرحلةً متقدمة من التعاون والتنسيق بين الدوحة والخرطوم، ويكشف عن خريطةٍ عسكريةٍ جديدة في طور التشكُّل تجري بوتيرةٍ متسارعة، وتحمل تأثيراتٍ كبيرة سواء على مستقبل المنطقة العربية أو المحيط الإقليمي.

فإلى أي مدى نجحت قطر في ردع دول الحصار.. أم لا زال تهديدها بتدخلٍ عسكري من قِبَلهم قائمًا؟ سؤالٌ من الصعوبة حسمه، إلا أنه وفي جميع الأحوال وفي ظلِّ خريطة التحالفات العسكرية الجديدة لقطر وحلفائها وشبكة داعميها الإقليميين والدوليين صار الخيار العسكري ضدها أكثر كُلفةً على الدول المقاطعة.

بل تتنامى مؤشراتٌ تؤكِّد العكس وهو تشكيل قطر وحلفائها لمعادلةٍ جديدة تتمثل في محاولة تطويق الدول المقاطعة وتحجيم نفوذها بمناطق حيوية ورفع سقف المخاطر عليها في حال إقدامها على تدخلٍ عسكري في قطر.

توسيع الدوحة علاقاتها العسكرية لم يكتف بالسودان، بل طال إثيوبيا، إذ التقي رئيس الأركان القطري غانم بن شاهين الغانم، برئيس الحكومة الإثيوبية، واتفق الجانبان على تعزيز التعاون الأمني بينهما.

دلالة التوقيت

يعدُّ توقيت الإعلان عن المناورة "القطرية السودانية" المرتقبة بالغ الحساسية من حيث تداعياته على دول الحصار وبخاصة السعودية والإمارات ومصر حيث جاء بعد يومٍ واحد من وصول دفعةٍ جديدة من القوات التركية لقطر والتي تراها دول الحصار بمثابة "إرسال تعزيزاتٍ تركية" جديدة.

كما أنها تأتي عقب زيارة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" إلى السودان، وإبرام حزمةٍ من الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية، وبعد إعلان الرئيس السوداني "عمر البشير"، منح حق استغلال جزيرة سواكن الاستراتيجية، الواقعة في البحر الأحمر، لتركيا لمدةٍ غير محددة.

تتابع التعاون القطري والتركي مع السودان بمجالاتٍ حيوية واستراتيجية، جعل الدول المقاطعة تراه بمثابة تهديدٍ لمصالحها وبداية لتبلور محورٍ جديد "تركي قطري سوداني" وبغض النظر عن التصعيد المتعمَّد ضد هذا المحور في مصر والإمارات تحديدًا، إلا أنه يكشف عن تحولاتٍ نوعية بالمنطقة ورسم خرائط جديدة لعلاقاتها السياسية والعسكرية والجغرافية، وخاصة مع تمثيل دول المقاطعة مصدر تهديدٍ لهذا المحور الصاعد. 

استراتيجية تحقيق توازن الردع

في تطورٍ نوعي واستراتيجي، أعلن رئيس أركان الجيش القطري الجنرال "غانم بن شاهين الغانم"، عن ترتيبٍ وشيك لمناوراتٍ عسكرية بين الجيشين القطري والسوداني، مؤكدًا استمرار التعاون العسكري بين البلدين لسنواتٍ قادمة.

وفي رسالةٍ مبطنة ترد على الحملة الضارية التي تشنها الدول المقاطعة لقطر ضد "التقارب القطري التركي السوداني" قال "الغانم"، لصحيفة "التيار" المحلية (مستقلة)، إن "اللقاء الثلاثي الذي انعقد الإثنين الماضي، مع نظيريه التركي خلوصي أكار، والسوداني عماد عدوي، كان محض مصادفة، ودون ترتيبٍ مسبق".

وكان قد عقد رئيس أركان الجيش التركي "خلوصي أكار"، اجتماعًا ثلاثيًا الإثنين الماضي، مع نظيريه السوداني والقطري، على هامش مرافقته للرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في زيارته للسودان، التي انتهت الثلاثاء الماضي.

كذلك نفى وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو"، الثلاثاء وجود محورٍ "تركي إيراني قطري"، مؤكدًا أنّ بلاده تنظر إلى كافة الدول الإسلامية نظرة متساوية.

وتعد المناورات العسكرية القطرية الكثيفة التي نظمتها قطر مع حزمةٍ من الدول على مدار الستة أشهر الماضية عقب قرار دول الحصار مقاطعة قطر في الخامس من يونيو 2017، أحد أدوات السياسة الخارجية القطرية لتحقيق توازن الردع إلا أنها تكون أكثر تأثيرًا في حال إجرائها بموقعٍ استراتيجي وهو السودان نظرًا لقربه الجغرافي من السعودية ومصر، ونظرًا لوجود خلافاتٍ كبيرة بين مصر والسودان حول ملفي حلايب وسد النهضة.

وبينما تستعد قطر لمناورةٍ مع الخرطوم، أعلنت مديرية التوجيه المعنوي في وزارة الدفاع القطرية وصول دفعةٍ جديدة من القوات التركية إلى قاعدة العديد العسكرية الجوية في قطر لمواصلة التدريبات الميدانية بين البلدين، وتأتي هذه التدريبات ضمن اتفاقية الدفاع المشترك بين الدوحة وأنقرة عام 2014 .

السودان وإثيوبيا في الاستراتيجية القطرية

تطوير العلاقات بين الدوحة والخرطوم واهتمام قطر بالقارة السمراء ظل قائمًا حتى قبل الأزمة الخليجية، إلا أن تعزيز وتوطيد التقارب الاستراتيجي بينهما بعد الأزمة أصبح يثير قلق دول الحصار وخاصة مصر.

في 16 نوفمبر 2017، قال وزير النقل السوداني "مكاوي عوض" إن بلاده اتفقت مع قطر على إنشاء أكبر ميناءٍ على ساحل البحر الأحمر، وسط تنامي التعاون بين البلدَين في العديد من المجالات الاقتصادية، وأعلن أمام جلسةٍ للبرلمان السوداني أن قطر تنوي أيضا تطوير ميناء "بورتسودان" ليكون أكبر ميناءٍ للحاويات بما يخدم السودان وجيرانه، ووصف ما أشيع عن تأجير ميناء بورتسودان لشركة دبي للموانئ بأنه مجرد إشاعة.

ويقدر حجم الاستثمارات القطرية في السودان بأكثر من 3.8 مليارات دولار، حسب وزارة الاستثمار السودانية، إلى جانب مشروعاتٍ استثماريةٍ أخرى لشركاتٍ تعمل في البنى التحتية.

قطر تطور علاقاتها أيضًا بإثيوبيا، فقد أعلنت قطر خلال الشهر الجاري توقيع 3 اتفاقيات لتعزيز التعاون مع إثيوبيا، في عدة مجالات، أبرزها خاصة بالتعاون الدفاعي، وذلك عقب مباحثاتٍ أجراها أمير قطر الشيخ «تميم بن حمد»، ورئيس وزراء إثيوبيا «هايلي ماريام ديسالين»، خلال زيارة الأخير للدوحة.

التقارب القطري مع إثيوبيا والسودان يشكِّل وفقًا لمقتضيات الوضع الجغرافي إثارة لقلق القاهرة، وخصمًا من الرصيد المصري في حال نشوب نزاعٍ إقليمي، باعتبار الدولتين بمثابة عمقٍ استراتيجي للقاهرة سواء من حيث كونهما تتحكمان بقوةٍ في أمن مصر المائي وأمن حدودها من الناحية الجنوبية.

محورٌ جديدٌ صاعد

ومن ثم يعد المحور الصاعد "التركي القطري السوداني" بحسابات الجغرافيا ومع تهديدات إثيوبيا والسودان للقاهرة يُطوِّق نفوذ مصر والسعودية والإمارات ويقلل من نفوذها تدريجيًا، ويمثل تحديًا جديدًا وغير متوقع، وخاصة بعد إعلان الرئيس السوداني "عمر البشير"، منح حق استغلال جزيرة سواكن الاستراتيجية، الواقعة في البحر الأحمر، لتركيا لمدةٍ غير محددة.

ووقّع "أردوغان" 22 اتفاقية في المجالات الدفاعية والعسكرية، إضافة إلى الاتفاق على إنشاء مطارٍ جديد في الخرطوم وكذلك إنشاء مجلسٍ للتعاون الاستراتيجي، كما عُقد اجتماعٌ ضمّ رؤساء أركان جيوش تركيا والسودان وقطر على هامش الزيارة.

توازن الردع كيف تحقق؟

في إطار سعيها لتحقيق توازن الردع، وتفادي أو على الأقل تقليل نسب احتمال الخيار العسكري ضدها من قِبَل الدول المقاطعة لها، وسَّعت الدوحة من خارطة تحالفاتها الإقليمية.

فلم تكتف قطر بتوطيد علاقاتها مع دولٍ محورية مثل تركيا والسودان بل وسَّعت دائرة المناورات العسكرية مع حلفاء جدد مع عقد صفقاتٍ عسكرية نوعية ومكلفة حيث عقدت صفقات سلاحٍ متنوعة بلغت قيمتها نحو 30 مليار دولار، مع إجراء أكثر من 10 تدريباتٍ ومناوراتٍ عسكرية مشتركة، وتوقيع العديد من اتفاقيات التعاون الدفاعي المشترك مع بلدان غربية وإفريقية.

مناورات بحرية وبرية بين تركيا وقطر

تكتسب المناورات القطرية التركية أهمية خاصة نظرًا لوجود قواتٍ تركية في قطر ولموقف أنقرة الرافض للحصار، وتمثل أحد أهم أدوات الردع بالنسبة للدوحة.

في 8 أغسطس 2017، أعلنت مديرية التوجيه المعنوي بوزارة الدفاع القطرية اختتام القوات البحرية الأميرية تمرين الاستجابة السريعة البحري بالاشتراك مع نظيرتها التركية، في إطار تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.

وشاركت في التمرين القوات الجوية الأميرية القطرية والقوة الخاصة البحرية التابعة للقوات الخاصة المشتركة والإدارة العامة لأمن السواحل والحدود. واستخدمت في التمرين فرقاطة تركية وزوارق محملة بالصواريخ وطائرات ميراج.

في 6-8-2017، اختُـتمت مناورات الدرع الحديدي التي نفذتها القوات البرية الأميرية القطرية بالتعاون مع القوات التركية، والتي استمرت يومين.

صفقاتٌ عسكرية نوعية

عقدت الدوحة صفقات نوعية بقطاعاتٍ حيوية وحساسة في إطار سياسة تنويع الحلفاء عسكريًا وسياسيًا، وتقليل هامش المناورة لحلفاء دول الحصار وخاصة واشنطن، وتعظيم القوة الجوية لقطر.

بحسب تقريرٍ مترجم عن "جورجيز كافييرو – لوبلوج" "في اليوم الوطني لدولة قطر، أظهرت القوات المسلحة القطرية في عرضها النظام الصاروخي الباليستي قصير المدى من طراز «SY-400» الصيني، الذي حصلت عليه حديثًا، ويصل مداه إلى 400 كيلومتر، ويؤكد بيع الصين لنظام الصواريخ الباليستية «SY-400» لقطر كيف وصلت العلاقات الدفاعية بين الدوحة وبكين إلى أقوى نقطةٍ منذ أن بدأت العلاقات الدبلوماسية بين هاتين الدولتين رسميًا في عام 1988."

وانتهى إلى أنه "بالنسبة للدوحة، ستزيد العلاقات الأمنية مع الصين من تنويع تحالفاتها بعيدًا عن واشنطن وغيرها من العواصم الغربية، مع البناء على علاقات الدفاع المتنامية مع تركيا وروسيا".

فيما وقَّع وزير الدفاع القطري «خالد بن محمد العطية» مع نظيره البريطاني «غافين ويليامسون» في الدوحة قبل أيام، اتفاقيةً تبيع بموجبها بريطانيا لدولة قطر 24 طائرة من طراز «تايفون» بقيمة 8 مليارات دولار.

في 7 ديسمبر 2017 أعلنت قطر توقيع صفقات أسلحة وإنجاز مشاريع بنى تحتية بقيمة 14 مليار دولار مع شركاتٍ فرنسية، على هامش زيارة الرئيس الفرنسي، "إيمانويل ماكرون" للدوحة، وستشتري قطر، بموجب هذه الصفقات، 12 طائرة حربية من نوع رافال، ونحو 500 عربة عسكرية.

في 2 أغسطس2017، وقَّعت قطر صفقة لشراء سبع قطعٍ بحرية من إيطاليا بقيمة خمسة مليارات يورو، في إطار اتفاق تعاونٍ عسكري بين البلدين، بحسب ما أعلنه وزير الخارجية القطري.

كما وقَّعت قطر في 14 يونيو ، أي بعد أقل من 10 أيام من اندلاع الأزمة الخليجية، اتفاقية شراء طائراتٍ مقاتلة من أمريكا من طراز «إف 15» بتكلفةٍ مبدئية تبلغ 12 مليار دولار.

وخلال نوفمبر الماضي، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على مبيعاتٍ لقطر بقيمة 1.1 مليار دولار، تشمل توفير خدمات دعمٍ لبرنامج مقاتلاتها من طراز «إف 15 كيو إيه».

وتعاقدت قطر مع شركة "رايثيون" الأمريكية، رابع أكبر شركة مقاولاتٍ دفاعية في العالم، لتزويد القوات المسلحة القطرية برادار للإنذار المبكر، بعقدٍ بلغت قيمته مليار دولار، وذلك بعد أن تلقت الشركة الأمريكية الضوء الأخضر من البنتاغون للمضي في الصفقة.

لماذا الخيار العسكري ضد قطر أكثر كُلفة؟

في إطار الرصد السابق تمكَّنت قطر خلال ستة أشهرٍ وتحت ضغط تهديدها بتدخلٍ عسكري محتمل من بناء شبكة تحالفاتٍ جديدة وصلت إلى حدود ونفوذ أهم دول الحصار الثلاثة، مع تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا ودولٍ أوروبية أهمها فرنسا وبريطانيا، مما أفرز معادلةً سياسية وعسكرية مفاجئة جعلت خيار التدخل العسكري أكثر كُلفة وربما مستبعدًا حيث ينذر في حالة حدوثه بحربٍ إقليميةٍ تعصف بأمن المنطقة.

خيار التدخل العسكري كان قد أفصح عنه رسميًا وعلانيةً أمير الكويت، في 7 سبتمبر الماضي، بواشنطن، معربًا عن نجاح الوساطة في وقف تدخلٍ عسكري عقب اندلاع الأزمة الخليجية، وقال إن الخيار العسكري مستبعدٌ حاليًا.

وبالرغم من تصريح وزير الخارجية القطري، «محمد بن عبد الرحمن آل ثاني»، الشهر الماضي، وفي ردٍّ على سؤالٍ عما إذا كان هذا الخيار لا يزال قائمًا إن «هذه الدول تتبع نمطًا من السلوك لا يمكن التنبؤ به، وإنه لا يمكن استبعاد هذا الخيار العسكري بالنظر إلى عدم وجود أي خطوةٍ إيجابية في اتجاه حل الأزمة»، تبقى التطورات العسكرية والسياسية والتحالفات الإقليمية الجديدة لقطر وحلفائها إقليميًا ودوليًا عاملًا قويًا يجعله أكثر كُلفة ومخاطرة كبيرة.