موجةٌ ثالثة مرتقبة من الزيادات بأسعار الدواء.. هل الحكومة قادرة على حلِّ الأزمة؟

موجةٌ ثالثة مرتقبة من الزيادات بأسعار الدواء.. هل الحكومة قادرة على حلِّ الأزمة؟

04:20 ص

30-ديسمبر-2017

ولم يتضح بعد هل تستطيع وزارة الصحة الضغط العكسي على الشركات لتأجيل الزيادة لما بعد انتخابات الرئاسة لتلافي تصاعد موجات الغضب الشعبي، أم أن سلبية رد فعل الشارع المصري لم تعد تُربك حسابات الحكومة.

تتصاعد مؤشرات قرب إقرار الزيادة الثالثة لأسعار الدواء في مصر والتي شهدت زيادتَين سابقتين خلال سبعة أشهر في مايو 2016 ويناير 2017، وظلَّت الثالثة قيد التأجيل والترقب، إلا أن ضغوط شركات الدواء والشبكات الداعمة لها على الحكومة المصرية وتصعيدها لهذا الملف والمفاوضات الجارية بشأنه تشير إلى نفس أجواء إقرار الزيادات السابقة، التي حضر فيها نفيٌ متكرِّر من قِبَل الدولة في ظلِّ نقصٍ لأدويةٍ مهمة.

ولم يتضح بعد هل تستطيع وزارة الصحة الضغط العكسي على الشركات لتأجيل الزيادة لما بعد انتخابات الرئاسة لتلافي تصاعد موجات الغضب الشعبي، أم أن سلبية رد فعل الشارع المصري لم تعد تُربك حسابات الحكومة.

وتظلُّ أزمة الدواء هي أحد تداعيات ملف ما يسمى بخطة الإصلاح الاقتصادي لصندوق النقد الدولي، التي نتج عنها تعويم الجنيه وارتفاع سعر الدولار والمواد الخام بالتزامن مع تقليص دعم الدواء، بالنهاية يدفع المواطن ثمن فروق الأسعار، في ظلِّ شركاتٍ تبحث عن تعويض خسائر وجني أرباح عبر "تعطيش السوق" المتكرِّر بلا رقابةٍ حقيقية للدولة على الأسعار.

أرقامٌ مهمة عن صناعة الدواء

يقدَّر عدد مصانع الأدوية في مصر بنحو 150 مصنعًا، منها 18 مصنعًا للشركات الأجنبية العالمية، و14 مصنعًا حكوميًا، والباقي قطاع خاص، وتوجد أيضًا مكاتب تجارية تستورد دواء تام الصنع أو دواء يُصنَّع في مصانع مصرية لحساب هذه المكاتب.

الخطير أن مصر تستورد نحو 95%‏ من مستلزمات إنتاج الأدوية، وتستورد نحو 20% من الأنواع تامة الصنع، فيما تنتج المصانع المصرية 13 ألف صنفٍ من الدواء تقريبًا.بحسب "العربي الجديد"

فجَّر أزمة الدواء من وجهة نظر شركات الأدوية أنها تحقِّق خسارة بعد قرار تعويم العملة المحلية، وتسبب هذا القرار في فقدان الجنيه 110% من قيمته، مما رفع من تكلفة إنتاج الدواء.

المثير للقلق استحواذ الشركات متعددة الجنسيات على 60% من مبيعات السوق بحساب الأرباح، لكنها تبيع نحو 20% من المنتجات.

وسط أزمة الدواء تراجع دعمه بالموازنة العامة للدولة، فقد تراجع حجم الدعم المقدم للدواء والتأمين الصحي في موازنة 2014-2015 إلى نحو 811 مليون جنيه، مقابل 1.2 مليار جنيه.

وكشف البيان المالي للموازنة العامة للدولة لعام 2017/2018 أن دعم الأدوية وألبان الأطفال في مشروع الموازنة بلغ نحو 600 مليون جنيه.

وتُصدِّر مصر اليوم 1,9 مليار جنيه بينما تستورد 12.7 مليار واردات.

الشركات والحكومة ..دائرةٌ مفرغة

في كل مرةٍ تضغط شركات الأدوية لإقرار زياداتٍ بأسعار الدواء وتستجيب الحكومة دون حلٍّ شاملٍ وجذري للأزمة فيما تتصاعد مؤشرات إقرار زيادات جديدة مرتقبة ضمن ما يعرف بالموجة الثالثة للزيادات.

فمن جهته، أرجع الدكتور "أحمد عماد الدين راضي"، وزير الصحة والسكان، نقص بعض الأنواع من الأدوية لضغوط الشركات في محاولةٍ لرفع سعر الدواء، وخلال لقاءٍ له الإثنين 25-12-2017 ، أكَّد أنه بعد عملية تعويم سعر الصرف ضغطت شركات الأدوية على الدولة -ممثلة في وزارة الصحة- لرفع سعر الدواء، مضيفًا أنه اتفق على زيادة الأسعار بنسبة 20% بدلًا من 100% في يناير 2018، وإعادة التقييم خلال شهر أغسطس القادم مؤكِّدًا "لم نرفع السعر حتى الآن".

"الاتحاد العام للغرف التجارية" يريد فرض زيادات الأسعار ويُمهِّد ويُروِّج لذلك، ووفق بيانٍ صادر عنه في 12-12-2017 -أي منذ أسبوعين- أشار إلى أن مديونيات القطاع العام وحده لدى الحكومة تبلغ نحو 700 مليون جنيه، كما أن هناك 50 مصنعًا حديث الإنشاء مهدد بالإغلاق نتيجة سياسات التسجيل وصعوبة إجراءات الإفراج عن الخامات المستوردة.

وتقدمت الغرف التجارية بعدة طلباتٍ أهمها "تسعير الأدوية حيث توقفت العديد من المصانع عن إنتاج أدويةٍ أصبحت تكلفتها أعلى من سعر بيعها، ويضطر المواطن الآن لشراء البديل المستورد بعشرات أضعاف سعره المحلي."

موجةٌ ثالثة تُحضَّر بالكواليس

في 27 نوفمبر 2017، قال مصدرٌ حكومي مصري، إن شركات أدوية أجنبية اتَّفقت في الأيام الماضية مع وزارة الصحة على إقرار زيادةٍ جديدة على أسعار الدواء، ورفع أسعار الأدوية التي تم رفعها في يناير/كانون الثاني الماضي ضمن الموجة الثانية من الزيادات.

وأوضح المصدر في تصريحاتٍ صحفية أن الحكومة المصرية تعتزم زيادة أسعار الدواء للمرة الثالثة، منذ بدأت إجراءات تقشُّفية صاحبت موافقة صندوق النقد الدولي على إقراض مصر 12 مليار دولار، ما أدَّى إلى تحرير سعر صرف الجنيه الذي نتج عنه زيادة أسعار الدواء المستورد.

وكانت وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي "سحر نصر" قد عقدت اجتماعًا مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مع ممثلي شركات أدويةٍ أجنبية أبرزها "فايزر" و"إم إس دي" الأمريكيتين و"سانوفي" الفرنسية.

زيادتان خلال سبعة أشهر

زيادتان فقط خلال سبعة أشهر لسلعةٍ استراتيجية هي الدواء، فالزيادة القادمة ليست الأولى فقد سبقها إقرار زيادتين في مايو 2016 ويناير 2017 للأسعار، فحسب الاتفاق الذي تم توقيعه بين وزارة الصحة وشركات صناعة الدواء، جاء الارتفاع الأول في مايو 2016، وارتفعت الأسعار بنسبة 20% للأدوية التي يقل سعرها عن 30 جنيها.

في يونيو/حزيران 2016، قررت الحكومة المصرية تحريك أسعار 7200 صنف دواء (الأدوية التي يقل سعرها عن 30 جنيهًا) بنسبة 20%.

الارتفاع الثاني كان في شهر يناير 2017، بنسبة 50 % للأدوية التي يقل سعرها عن 50 جنيهًا، و40 % للأدوية التي يزيد سعرها على 50 جنيهًا وتقل عن 100 جنيه، و30 % للأدوية التي تزيد على 100 جنيه، وذلك بواقع 15 % من الأصناف التي تنتجها الشركات المحلية، و20 % من الأصناف التي تنتجها الشركات الأجنبية.

وبناء عليه تم رفع أسعار نحو 25 % من إجمالي عدد الأصناف الدوائية المُسجَّلة محليًّا بواقع 3010 من إجمالي 12 ألف صنف، وكان مقرَّرًا -وفقًا لاتفاق الصحة مع الشركات- أن يتم إعادة النظر في تسعير الأدوية ومن ثم رفعها مرة ثالثة خلال شهر أغسطس الماضي إلا أنها تأجلت، وتتصاعد مؤشرات إقرارها في 2018.

الدولار يلعب دورًا خطيرًا

يعد سعر الدولار، العنصر الأكثر تأثيرًا في تكلفة إنتاج الدواء، وأحد أهم محدَّدات ملف زيادة الأسعار من عدمها، إلا أن التحليلات تشير إلى توقُّع زيادة سعره وليس العكس.

فمتوسط سعر الدولار الذي بلغ اليوم الثلاثاء 26-12-2017 في البنك المركزي المصري 17.77 جنيه للشراء، سيتزايد سعره حيث تتوقع وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتماني أن يبلغ متوسط سعر الدولار أمام الجنيه بنهاية العام المالي الحالي إلى19.5 جنيه، وأن يرتفع متوسط سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، في نهاية العام المالي 2019- 2020 إلى 21.5 جنيه.

ومنذ تحرير سعر الصرف فقد الجنيه نحو نصف قيمته مما أدَّى إلى زيادة تكاليف استيراد المادة الخام لشركات الأدوية في مصر، وبين ضغط الشركات واستجابة الحكومة يدفع فعليًّا المواطن ثمن فرق الأسعار.

مفاوضاتٌ ومقترحات

الآن تجري شركات الأدوية مفاوضات مع وزارة الصحة بهدف التوصل إلى حلولٍ تضمن تقليل خسائر المُصنِّعين، عبر لقاءاتٍ بين الإدارة المركزية للصيدلة ولجنةٍ من غرفة صناعة الدواء، وتأتي مفاوضات شركات ومُصنِّعي الدواء بعد ما أعلنت غرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات المصرية سعيها لمخاطبة مجلس النواب بشكلٍ رسمي، لزيادة الأسعار على خلفية فشل الضغوط التي يمارسونها خلال الفترة الماضية في إقناع الحكومة بتحريك الأسعار مُنذ يناير 2017.

ماذا تريد الشركات؟

من جانبه، يقول "أحمد العزبي" رئيس غرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات المصرية، إن المقترح الأول يتضمن عدم المساس بالمستحضرات الموجودة في السوق وتحريك أسعار الأدوية التي لم ترتفع خلال الفترة الأخيرة، بالإضافة لوضع أسعارٍ اقتصادية تراعي تراجع القوة الشرائية للمستحضرات التي ستنتجها الشركات لاحقًا.

ووفقًا لـ"العزبي" المقترح الثاني يتمثل في إعفاء المواد الخام المستخدمة في الصناعة من ضريبة القيمة المضافة، ما سيؤدي إلى انخفاض تكلفة إنتاج المستحضرات بشكلٍ كبير، نظرًا لأن أكثر من 80% من مُدخلات الصناعة من المواد الخام والماكينات المستوردة، حيث تعتمد مصر على استيراد الخامات اللازمة لإنتاج الدواء بنسبة 95%، و5% أخرى يتم تصنيعها محليًا بشركةٍ حكومية وأخرى خاصة.

ويرى رئيس غرفة صناعة الدواء، أن المقترحات لا تتضمن تحريك أسعار أدوية الضغط والسكر والقلب والأورام والمخ والأعصاب، وذلك مراعاة للظروف التي يمرُّ بها الاقتصاد المحلي.

أما "محيي حافظ"، عضو مجلس إدارة الغرفة، ووكيل المجلس التصديري للأدوية، فقدم المقترح الثالث والذي يتضمن تحريك أسعار أدوية المكملات الغذائية والأدوية البديلة باعتبارها غير مُهمة لحياة البشر وليست مؤثرة على المريض، مُشيرًا إلى أن زيادة أسعار هذه الأدوية ستعمل على حل مشكلة خسائر الشركات، مما يجعل الأصناف المهمَّة للمريض متوافرة وبالأسعار الرخيصة.

أما بخصوص المقترح الرابع، فأضاف "حافظ" أنه يستهدف إصلاح التشوُّهات في تسعير الأدوية، خصوصًا التشوه الناتج عن آخر تحريكٍ لها من خلال خفض أسعار الأدوية ذات السعر المرتفع، ورفع الأصناف الخاسرة، ما سيؤدي إلى توازن في سوق الدواء، منوِّهًا إلى أن حجم المبيعات انخفض بنسبة 13% عن السنة الماضية نتيجة عزوف المواطنين عن الشراء بنفس الكميات التي كان يتم شراؤها سابقًا.

هل هيئة الدواء هي الحل

إنشاء "الهيئة العليا للدواء" هو نصٌ دستوري، لم يفعَّل بعد وسط توقعاتٍ بأنه ليس حلًا شاملًا لأزمة الدواء في مصر، وكان قد تحدث الدكتور "أحمد عماد الدين"، وزير الصحة والسكان، عن إنشاء الهيئة قائلًا "تم الانتهاء من قانون الهيئة العليا للدواء، وتم عرضه على مجلس الوزراء، وجاري المناقشة القانونية له."

في المقابل يؤكد خبراء بصناعة الدواء، أن الهيئة ضرورية لحل مشاكل الدواء، لكن الأزمة ليست في إنشاء الهيئة بقدر ما هي في توفر الإرادة السياسية للخطوة التي ستحل عشرات الأزمات بداية من صناعة الدواء المتوقِّفة منذ سنوات، وصولًا إلى نقص بعض الأدوية، كما حدث مع البنسلين في الأيام الماضية، انتهاء بوقف احتكار الدواء وسيطرة بعض الشركات على سوق الدواء.

ضمن الحلول الجذرية يأتي ملف تطوير البحث العلمي خاصة في مجال الدواء، حيث إن نسبة الإنفاق على البحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي في مصر بلغت 0.2%.

من جهته، يرى الدكتور "محمد عز العرب"، مستشار المركز الطبي للحق في الدواء، أن أي تفاوضٍ على زيادة أسعار الدواء بين الشركات ووزارة الصحة لابد أن يكتمل بإشراك نقابة الصيادلة وخبراء الأدوية خارج الإدارة المركزية للصيدلة وممثلين لمنظمات المُجتمع المدني، مع الأخذ في الاعتبار أن أسعار المادة الخام عالميًا في تناقص، وأن الزيادة في الأسعار تكون بطريقة انتقائية.

ونبه "عز العرب" في تصريحاتٍ صحفية "إلى أن أي زيادة تحدث في الأسعار يجب أن تكون زيادة انتقائية وليست جماعية حتى لا تكون على حساب المريض المصري، مع ضرورة انعقاد لجنة الأسعار لنظر هذه الزيادة قبل إقرارها"، لافتًا إلى ضرورة تعويض شركات الدواء المتعاونة بإلغاء الضريبة المضافة ودعم الكهرباء، بما يُساعد على زيادة أسعار الدواء بزياداتٍ طفيفة.