«حرب الموانئ».. سواكن - بورتسودان vs جبل علي - قناة السويس (مصر تخسر كثيرا)

«حرب الموانئ».. سواكن - بورتسودان vs جبل علي - قناة السويس (مصر تخسر كثيرا)

01:08 ص

31-ديسمبر-2017

إن هناك تغييرًا جوهريًا في البحر الأحمر يؤثر على الأمن القومي المصري، خاصة قناة السويس عقب منح السودان جزيرة سواكن لتركيا

مع إعادة تشغيل موانئ "سواكن" و"بورتسودان" السودانية بما تملكه من موقع استراتيجي ومميزات خاصة من قبل تركيا وقطر، يُصبح "اشتعال التنافس على موانئ البحر الأحمر" عنوان المرحلة القادمة ليرسم خريطة جديدة اقتصادية وجيوجغرافية مع تعاظم دور المنافسين لأبو ظبي بمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي لتنذر ببدء تفكيك الهيمنة المطلقة التي استهدفتها "مجموعة موانئ دبي" المملوكة للدولة الإماراتية.

وبالرغم من نجاح الإمارات في إفشال مشروع حكومة هشام قنديل، إبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، لتنمية قناة السويس وإعادة هيكلته وتحجيمه ثم الهيمنة عليه ليظل عاجزاً عن منافسة ميناء "جبل علي"، ومجموعة موانئ دبي، إلا أنها تعجز الآن عن السيطرة على موانئ استراتيجية كانت تسعى لضمّها إلى امبراطورية موانئها، مع دخول قطر وتركيا سباق السيطرة على ميناءي بوتسودان وسواكن اللذان يعتبران نقاط استراتيجية في البحر الأحمر ومنافسين حقيقيين لمنطقة جبل علي الإماراتية، وقناة السويس المصرية.

زلزال اقتصادي يهدد قناة السويس

في رصد لتداعيات مشروع ميناء "سواكن" وتأثيره على مشروع قناة السويس، قال حاتم صالح - خبير اقتصادي مصري -: "أسمع هذه الأيام بعض مذيعي الفضائيات والمحللين يتكلمون عن حصول تركيا على حق استغلال جزيرة سواكن السودانية باعتباره تهديداً عسكرياً استراتيجياً، وفي رأيي أن هذا تفكير خاطئ، نابع من عقلية أمنية بامتياز، وليس هو الغرض من حصول تركيا على هذه الجزر".

وأضاف "صالح" موضحاً عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" تحت عنوان "الزلازل القادمة من وراء السواكن" في 28/ 12/ 2017: "وبحكم خبرتي بالعقلية السياسية التركية، أتوقع أنها قررت استغلال الجزيرة فيما هو أخطر من التهديد العسكري، استغلال الجزيرة سيكون بمثابة الزلزال الاقتصادي الذي سيعصف بطموحات مصر في استغلال إقليم قناة السويس".

وتوقّع الخبير الاقتصادي "أن تقوم تركيا ببناء منطقة لوجيستية ضخمة، تقوم بأعمال تموين وتخريد وإصلاح السفن لتستفيد من ١٢٪‏ من حجم التجارة العالمية التي تمر عبر قناة السويس وتتشارك في هذه الاستفادة مع الحكومة السودانية، وهو مشروع ضخم يمكن أن تصل عوائده إلى ١٠٠ مليار دولار سنوياً وأتوقع أن يتحركوا في هذا المشروع سريعاً جداً".

وأكد أن "هذه الاستفادة هي حق أصيل لكلا الحكومتين ولا يجب أن نلوم إلا أنفسنا لتأخرنا في تنفيذ هذا المشروع لعقود واختزال مشروع تنمية محور قناة السويس بأكمله في تفريعة التوسعة فقط، والتي أُنفق فيها أكثر من ٨ مليار دولار وما زال هناك شكوك حول جدواها الاقتصادية".

من جهته، صرح د. اللواء سمير فرج - الخبير الاستراتيجي ومدير الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة سابقاً - في تصريحات إعلامية في 28/ 12/ 2017: "بأن هناك تغييرًا جوهريًا في البحر الأحمر يؤثر على الأمن القومي المصري، خاصة قناة السويس عقب منح السودان جزيرة سواكن لتركيا".

سواكن وبورتسودان وتهديد موانئ الإمارات

 في تحليل تناول تأثير الموانيء الناشئة وتداعياتها على أبو ظبي، رصد ياسر محجوب الحسين - أكاديمي سوداني- في 28/ 12/ 2017 أنه "قد اتفقت قطر مع السودان على إنشاء أكبر ميناء على ساحل البحر الأحمر، وتنوي قطر أيضا تطوير ميناء بورتسودان ليكون أكبر ميناء للحاويات يخدم السودان وجيرانه. الأمر الذي يُبطل مستقبلاً آثار الحصار المفروض عليها من جانب المحور السعودي. والميناء السوداني الجديد حال إنشائه سيكون مركزاً اقتصادياً حيوياً مهماً، يُؤثّر على ميناء جبل علي في دبي وبقية الموانئ التي تسيطر عليها الإمارات في القرن الأفريقي، كما سيُعزّز من نفوذ قطر على ساحل البحر الأحمر".

بورتسودان الاستراتيجي خارج قبضة دبي

في منتصف نوفمبر الماضي، كشفت الحكومة السودانية عن إطلاق مباحثات مع الحكومة القطرية لإنشاء أكبر ميناء للحاويات على ساحل البحر الأحمر، في خطوة وصفها الإعلام في قطر بأنها "ضربة موجعة لدول الحصار".

في مؤشر على خسارة مقابلة لأبو ظبي، قال وزير النقل السوداني "مكاوي عوض": إن "اختيار قطر تحديدا لإنشاء الميناء كان بناء على توجيهات ورغبة الحكومة"، مضيفاً أن "قطر تنوي تطوير ساحل البحر الأحمر" في السودان.

في الوقت نفسه، وصف وزير النقل السوداني الأنباء حول تأجير ميناء "بورتسودان" لـ "شركة دبي للموانئ" بأنها "مجرد إشاعة". وأكد عدم وجود أي رغبة أو مساعٍ للدولة السودانية لتسليم ميناء "بورتسودان" لـ "شركة دبي للموانئ"، سواء بغرض تشغيله أو تأجيره.

وكانت قد تقدّمت شركة مواني دبي بعرض لتشغيل ميناء "بورتسودان" منذ العام 2008، ثم قدّمت دبي طلبًا جديدًا لهيئة المواني البحرية في السودان هذا العام، يتضمّن إدارة الميناء بالكامل لمدة 50 عامًا، إلا أن الهيئة رفضت ذلك واقترحت عليها مناصفة الإدارة مع الشركة الفلبينية التي تُدير الميناء منذ عام 2013، لكن مواني دبي رفضت العرض مطالبةً بتسليم الميناء كاملًا وخاليًا من العمالة السودانية.

في محاولة لتدارك الموقف فور إعلان وزير النقل السوداني "مكاوي عوض" الموافقة على العرض القطري سارع رئيس مجلس إدارة مجموعة مواني دبي العالمية "سلطان أحمد بن سليم" إلى زيارة السودان ولقاء الرئيس البشير في محاولة على ما يبدو لثني الحكومة السودانية عن قرارها.

ويتمتع ميناء "بورتسودان" بميزات يتفوّق بها على مختلف المواني القريبة في منطقة القرن الأفريقي أهمها موقعه الاستراتيجي حيث يقع في منتصف الساحل السوداني تقريبًا، كذلك يتمتع ميناء "بورتسودان" الذي يقع على بعد 680 كيلومترًا شمال شرق العاصمة السودانية الخرطوم بميزاتٍ أخرى فهو أكبر المواني في المنطقة من الحدود المصرية إلى باب المندب في اليمن، ويُشكّل معبرًا للانفتاح على الصين ودول آسيا وبوابة لأوروبا.

وبمدينة "بورتسودان" مطار دولي يُعتبر الثاني في السودان بعد مطار الخرطوم، يربط "بورتسودان" بعدد من دول المنطقة هي السعودية والإمارات ومصر وإريتريا.

بداية تفكيك السيطرة المطلقة لموانئ دبي

لم تخسر الإمارات فقط بملف ميناء "بورتسودان"، بل تخسر أيضاً بسبب ميناء "سواكن"، وكلاهما يتمتع بأهمية استراتيجية وموقع استراتيجي يجعلهما في المستقبل منافساً قوياً لموانئ دبي وجبل علي وقناة السويس المصرية عقب إعادة تشغيل وتحديث موانئ "سواكن" و"بورتسودان" من قبل تركيا وقطر، وبالتالي يُعدُّ تحديث المينائين بمثابة ضربات مزدوجة لأبو ظبي والتي تُراهن في إعادة بناء اقتصادها على ملف رئيس هو السيطرة المطلقة وبلا منازع على أهم الموانيء بالبحر الأحمر تحديداً.

هدف السيطرة الإماراتية بلا منافسين جعل أبو ظبي تسعى لاحتكار ملف تنمية قناة السويس وشبكة مشاريعها، بل سعت لإعادة هيكلته بما يناسب مصالحها عبر دعم الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي ومشروع حكومته لأسباب أهمها ضمان تفوّق ميناء "جبل علي" على ميناء قناة السويس.

وأُعيد طرح مشروع القناة بعد تعديلات فرّغته من مضمونه، فحكومة السيسي قامت بحفر تفريعة جديدة للقناة دون الإكتراث لمشروع تنمية القناة ولذا يُعدُّ الفرق بين مشروع مرسي والسيسي لقناة السويس فرقاً هائلاً. 

فمشروع "تنمية محور قناة السويس" الذي طرحه الرئيس الأسبق محمد مرسي تضمّن إقامة منطقة تنمية كاملة صناعية وزراعية وتجارية وخدمية وتكنولوجية عرضها بين 7 - 10 كيلومترات بطول القناة بالكامل (193 كيلومتراً) ويهدف إلى جذب المستثمرين من مصر وجميع أنحاء العالم.

وخطَّط المشروع لإقامة إقليم متكامل اقتصادياً وعمرانياً ومكانياً ولوجستياً، ما بين مينائي شرق التفريعة في الشمال، ومينائي العين السخنة والسويس في الجنوب، ليُمثّل مركزاً عالمياً في الخدمات اللوجستية والصناعية. أما قيمة العائدات المتوقعة بانتهاء المراحل الأربع تصل إلى مئة مليار دولار.

وكانت تُعاني منطقة "جبل علي" من المنافس القوي المتمثل بمشروع منطقة السويس لموقعها الجغرافي الواصل بين القارات والدول في حال العمل على تنميتها تنمية شاملة حيث ستكون منطقة استراتيجية تُغطي على منطقة "جبل علي" المنزوية في الخليج والتي لا تتمتع بميزات تنافسية بقدر ما ستتمتع منطقة السويس في حال قيامها بالدور الذي تقوم به منطقة "جبل علي".

ميناء جبل علي

نجحت "أبو ظبي" في ضمان تقدُّم ميناء "جبل علي" مع عرقلة مشروع تنمية القناة لـ "مرسي" بينما تُعاني قناة السويس من أزمات، ويُعتبر ميناء جبل علي أكبر ميناء بحري في منطقة الشرق الأوسط، والمنشأة الرائدة في محفظة موانئ دبي العالمية التي تضمّ أكثر من 65 ميناءً ومحطة بحرية تتوزّع على قارات العالم الست.

ونظراً لموقعه الاستراتيجي في دبي وعلى مفترق طرق التجارة العالمية، يؤمّن "جبل علي" نفاذاً إلى أسواق أكثر من ملياري شخص. ويلعب الميناء - الذي يُعتبر مركزاً متكاملاً متعدد وسائط النقل البحري والبري والجوي، مدعّم بمنشآت لوجستية واسعة - دوراً محورياً في اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة.

كما يُعتبر ميناءً محورياً لأكثر من 90 خدمة ملاحية أسبوعية تربط أكثر من 140 ميناءً في أنحاء العالم. ومن المتوقع أن ترتفع الطاقة الاستيعابية في الميناء إلى 22.1 مليون حاوية نمطية قياس 20 قدم مع إنجاز مشاريع التوسع بحلول عام 2018.

استمرار هيمنة دبي على مشاريع قناة السويس

في 9 أغسطس 2017، وافق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على إنشاء شركة تنمية رئيسية مشتركة بين الهيئة العامة الاقتصادية لمنطقة قناة السويس ومجموعة موانئ دبي العالمية؛ لتقوم بتنفيذ مشروعات في منطقة قناة السويس، مؤكّداً على أن الحكومة المصرية ستُقدّم أوجه الدعم اللازم من أجل بدء تنفيذ المشروعات في أسرع وقت، في خطوة صُنّفت باعتبارها تكريس لهيمنة "أبو ظبي" على مشاريع تنمية القناة.

باليوم نفسه استعرض "سلطان أحمد بن سليم" نشاط "مجموعة دبي" في مصر والتي تُدير ميناء "السخنة" ضمن 78 ميناءً بحرياً وبرّياً تتولّى إدارتهم في 40 دولة في مختلف أنحاء العالم.

ميناء سواكن بؤرة جديدة للتنافس مع دبي

وبرغم نجاح "أبو ظبي" في تحجيم مشروع تنمية قناة السويس الأصلي لحكومة "هشام قنديل"، وهيمنتها على عصب المشاريع القائمة، إلا أنه بعد دخول تركيا وقطر بقوة على خط التنافس الدائر حول أهم الموانئ على شواطئ البحر الأحمر، عبر تطوير موانئ سودانية، سيجري تفكيك الهيمنة الإماراتية تدريجياً ولن تصبح اللاعب الرئيس المهيمن بموانئ القرن الأفريقي.

تكمن أهمية جزيرة "سواكن" تاريخياً في أنها أقدم ميناء سوداني على ساحل البحر الأحمر، واختارها السلطان العثماني سليم الأول في 1517 مقراً لحاكم "مديرية الحبشة العثمانية" التي تشمل مدينتي "حرقيقو" و"مصوع" في إريتريا الحالية.

وبالرغم من صغر حجم "سواكن" (20 كلم) فإن قصتها اعتباراً من تاريخ تخصيصها لتركيا ستكتب فصولاً حقيقية تُشير إلى استمرار السعي التركي للتواجد في البحر الأحمر.

وتبلغ مساحة "جزيرة سواكن" عشرين كيلومتراً مربعاً، وفيها أكثر من 370 قطعة أرضٍ سكنية وحكومية، ستقوم الحكومة التركية بإعادة ترميمها وجعلها منطقة سياحية.

هناك أهمية استراتيجية أخرى لـ "سواكن" تكمن في كونها أقرب الموانئ السودانية إلى ميناء "جدة" الاستراتيجي السعودي على البحر الأحمر، حيث تستغرق رحلة السفن بين المينائين ساعات قليلة.

ومن المتوقع أن يُثير التواجد التركي في جزيرة "سواكن" كثيراً من القراءات، ولا سيما أنه يُدشّن مرحلة جديدة عنوانها أنها توجد على حدود مصر والسعودية وتُنافس مجموعة "موانئ دبي".