لماذا تقتل الداخلية المختفين قسريًا؟!

لماذا تقتل الداخلية المختفين قسريًا؟!

02:22 ص

31-ديسمبر-2017

لكن المتابع الجيد لجريمة قتل المختفين قسريًا أو حتى تلك التي تتضمّن تصفية المعارضين بدم بارد في أعقاب اعتقالهم، يُوقن أنها بدأت بتكليف من السيسي نفسه وبضوء أخضر سجّلته وسائل الإعلام على الهواء مباشرة.

حادثٌ لم يكن الأول من نوعه ويبدو أنه لن يكون الأخير، في ظل سياسة اعتمدتها وزارة الداخلية بدعمٍ مباشرٍ وضوء أخضر من الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ لتصفية بعض المختفين قسريًا، وإلصاق تهم التورط بارتكاب جرائم عنف وإرهاب بحقهم.

السبت 30 ديسمبر وقبل انتهاء 2017 بيوم واحد، أعلنت وزارة الداخلية تصفية 3 شبان قالت إنهم متورطون في حادث إطلاق النيران على كول أمني على الطريق الدائرى بالفيوم في يوليو الماضي، وكالعادة جاء الإعلان مقترنًا بعبارة "عقب تبادل لإطلاق النيران" أسفر عن مقتل كل من: عبد السلام محمد عبد السلام، أحمد محمد كامل، عز الدين أحمد مصطفى، ووصفهم بيان الداخلية بأنهم "من أبرز الكوادر القيادية التي تتولّى الإشراف على عمليات تصنيع المتفجرات وتنفيذ العمليات الإرهابية".

مركز الشهاب لحقوق الإنسان قال: إنه وثَّق القبض التعسفي والإخفاء القسري بحق الشاب "عز الدين أحمد مصطفى" في 18 أكتوبر الماضي، من كمين بميدان الرماية في الهرم، بينما قالت أسرة الشاب "عبد السلام محمد عبد السلام": إنه تم القبض التعسفي عليه يوم 19 نوفمبر 2017، أثناء عودته من عمله للمنزل بمحافظة الشرقية، وتم اقتيادهما لجهة مجهولة.

تصفية المختفين قسريًا يبدو أنها باتت ظاهرة ممنهجة لم تكتفِ فيها وزارة الداخلية بارتكاب جريمتي الاعتقال والاحتجاز دون سند قانوني والإخفاء القسري، لتضيف إليهم جريمة ثالثة أكثر شناعة، بقتل بعض هؤلاء.

ضوء السيسي الأخضر!

قد يقول بعض المدافعين عن السلطة: إن قضية الاختفاء القسري أو حتى تصفية بعض المختفين حوادث فردية لكل منها أسبابًا قانونية، أو يرى آخرون أن وزارة الداخلية هي المسؤولة حصرًا عن تلك العمليات دون أية علاقة للسيسي، تحت دعاوى أن الرئيس ليس مسؤولًا عن كل كبيرة وصغيرة.

لكن المتابع الجيد لجريمة قتل المختفين قسريًا أو حتى تلك التي تتضمّن تصفية المعارضين بدم بارد في أعقاب اعتقالهم، يُوقن أنها بدأت بتكليف من السيسي نفسه وبضوء أخضر سجّلته وسائل الإعلام على الهواء مباشرة.

ففي 30 يونيو 2015، وخلال مشاركته في الجنازة العسكرية للنائب العام السابق هشام بركات، قال السيسي في تصريحه الشهير: إن "يد العدالة مغلولة بالقوانين".

هذا التصريح يُعدُّ بمثابة الإعلان الرسمي لمصطلح "التصفية" في التعامل الأمني مع بعض القضايا، فبعدها بيومين فقط تم الإعلان عن أولى عمليات القتل خارج إطار القانون، ببيان لوزارة الداخلية حَمَل كلمة "تصفية" لـ 9 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين في الواقعة التي عُرفت إعلاميًا بـ "شقة أكتوبر".

منظمة "هيومان رايتس ووتش" نقلت شهادات لأقارب ومحامي الضحايا، الذين أفادوا بأن معظم الجثث كانت تحمل آثار تعذيب وحروق وصعق كهربائي، إلى جانب طعنات وكسور في العظام، مع وجود شهادات أخرى لأهالي فقدوا الاتصال مع ذويهم قبل الحادث بساعات، وشهادات عن اعتقالهم قبيل واقعة التصفية، والحصول على بصماتهم، حيث شُوهدت آثار حبر البصمة على أصابع المقتولين.

وزير الداخلية "مجدي عبد الغفار" الذي لم يمضِ في منصبه سوى أشهر معدودة حينها، يبدو أنه طوّر التكليف، وأضاف له ما اكتسبه من مخزون انتهاكات خلال عمله بجهاز مباحث أمن الدولة ثم الأمن الوطني منذ عام 1977، حتى ترأس القطاع في أعقاب ثورة 25 يناير 2011.

مجرد بداية والحبل على الجرار

حادث شقة أكتوبر، الذي أحدث ضجةً واسعةً وأثار جدلًا اقترن بأنها سابقة هي الأولى من نوعها منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013، لم يكن إلا مجرد بداية لما بَدَا وأنها خطة ممنهجة تبنّتها وزارة الداخلية بتكليف السيسي وقيادة الوزير الجديد.

فبعدها بأسبوع واحد أعلنت الوزارة تصفية 5 في مزرعة بمركز "سنورس" في الفيوم وصفتهم بأنهم "إرهابيون متورطون فى عدد من قضايا العنف والتفجير واستهداف ضباط وأفراد الشرطة".

وتواصلت بعدها حالات التصفية للمختفين قسريًا على نحو أثار شبهات حول استخدام ذلك للتغطية على جرائم أخرى كالتعذيب، ولعل أبرز الحالات على ذلك كانت حالة "محمد حمدان"، الذي أعلنت الداخلية في يناير 2016 أنه قُتل عقب تبادل إطلاق نار، بينما أكدت أسرته اختفائه قبل الحادث بأسبوعين.

ووثّق مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف اختفاء "حمدان" يوم 10 يناير وإرسال تلغرافات إلى النائب العام، ليظهر بعدها بأسبوعين مقتولًا، بينما تُظهر الصور المرفقة بالتقرير آثار التعذيب على جسده.

من "حمدان" إلى "إسلام عطيتو" - طالب هندسة عين شمس - ففي الوقت الذي قالت فيه وزارة الداخلية في بيان لها: إنها نجحت في تصفيته بعد مطاردة بينها وبينه قام خلالها بإطلاق النار على القوات، فرَدَّ الأمن عليه وأُصيب برصاصة أودت بحياته، بعد اتهامه في قضية قتل العميد "وائل طاحون" - الضابط بقطاع الأمن الوطني وقسم شرطة المطرية السابق -.

لكن جاءت رواية اتحاد طلاب الكلية أن "إسلام" تم القبض عليه من داخل لجنته بالامتحان، موضحين أنه أثناء أدائهم لامتحان في إحدى اللجان بالكلية فوجئوا بدخول شخص مجهول الهوية بصحبة أحد موظفي الكلية والسؤال عن الطالب "عطيتو" ومطالبته بالذهاب إلى شؤون الطلاب بعد الانتهاء من امتحانه، كما لاحظ الطلاب انتظار هذا الشخص أمام باب اللجنة حتى الانتهاء من الامتحان واصطحاب الطالب إلى مكان مجهول ولم يُستدلّ على مكانه من حينها.

ورصدت تقارير إعلامية تصفية 59 معارضًا سياسيًا من الشباب في محافظات القاهرة والجيزة والفيوم وأسيوط والإسماعيلية، غالبيتهم مختفون قسريًا خلال 35 يومًا فقط في الفترة بين شهري يونيو ويوليو 2017.

وفي يوليو، قالت وزارة الداخلية: إنها قتلت 8 مسلحين في الفيوم "في تبادل لإطلاق النار أثناء محاولة القبض عليهم"، فيما وثّق مركز الشهاب لحقوق الإنسان القبض التعسفي على بعضهم قبل إعلان الداخلية مقتلهم في تبادل لإطلاق النار.

وفي 5 مارس 2017، زار السيسي مقرَّ قطاع الأمن الوطني، وبعد 72 ساعة فقط على الزيارة رصدت تقارير إعلامية تورط القطاع في تصفية 8 مختفين قسريًا بمحافظات مختلفة.

وفي سبتمبر الماضي، أعلنت الداخلية تصفية 10 شبان خلال مداهمة شقتين سكنيتين في منطقة أرض اللواء بالجيزة، كشفت تفاصيل عملية القتل أنهم مختفون قسريًا.

وأعلن مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن عدد حالات الاختفاء القسري في مصر منذ 2013 حتى أغسطس الماضي بلغ نحو 5500 حالة، منها 44 مختفٍ قسريًا تم قتلهم خارج نطاق القانون.

لماذا تلجأ السلطة لذلك؟

"اضرب المربوط يخاف السايب".. مَثَلٌ شعبيٌّ يبدو أن وزارة الداخلية تسعى لتطبيقه حرفيًا في التعامل الأمني مع جماعة الإخوان المسلمين، وتُطبّقه من خلال سياسة تصفية المعارضين السياسيين بعد اعتقالهم.

ولعل من المنطقي الربط بين تزايد حالات الاختفاء القسري وتصفية المختفين، وبين تناقص وتيرة الاحتجاجات الشعبية المعارضة للسلطة - والتي يتصدّرها في المقام الأول المؤيدين لمرسي - تدريجيًا حتى وصلت لدرجة التلاشي أو الاختفاء التام.

خشية هؤلاء المتظاهرين من أن يلقى أحدهم مصير هؤلاء المختفين، دفعتهم إلى العزوف عن المشاركة في التظاهرات، فضلًا عن القمع الأمني للاحتجاجات وخفوت الأثر الإيجابي المترتب عليها مع تثبيت النظام الجديد لسلطته يومًا بعد يوم.

وبعيدًا عن المعارضين للسلطة، فإن هذه التحركات تُرسل بكل تأكيد رسالة تخويف لعموم الشعب من مغبة الاحتجاج أو المعارضة، تلك الحالة التي وصلت إلى حدٍّ يخشى فيه كثيرون من مجرد التحدث بشكل سلبي في الأماكن العامة عن السيسي أو النظام أو الحكومة.

الرسالة الأبرز هنا ربما تُوجّهها السلطة لقيادات جماعة الإخوان المسلمين، سواء مَن كانوا داخل السجون أو خارجها، مفادها أنه لا رحمة في التعامل معكم، وأنه لا حدود لتوقع أفعالنا أو ردودها على أفعالكم.

كما يظهر من سياسة تصفية المختفين ترسيخًا من قِبَل أجهزة الأمن لمبدأ الإفلات من العقاب، فهي بذلك تُؤكّده أمام المجتمع وتُزكّيه في نفوس عناصرها حتى يُوقن الجميع أن القتل بلا حساب، الأمر الذي يُشجّعهم على المزيد.

الفشل في محاصرة التنظيمات والحركات المسلحة التي تُواجه الشرطة في عموم مصر والتقصير الذي يبدو جليًا مع كل حادث، بمثابة العورة التي تسعى الداخلية من عمليات التصفية تلك إلى سترها، فتستعيض عن هذا الفشل بإعلانات متتالية عن تصفية من تصفهم بالعناصر الإرهابية؛ هروبًا من المسؤولية من ناحية، والخروج أمام الرأي العام بأنها تثأر لشهداء الوطن وضحاياه في الهجمات الإرهابية.

وليس أدلَّ من ذلك على محاولة الربط بين ضحايا التصفية وبين الحوادث المسلحة الكبرى، حيث تُوحي الرسالة الإعلامية في ذلك بجدّية الشرطة وكفاءتها وقدرتها على الأخذ بالثأر والانتقام للشهداء، فتقول: إن مَن تمّت تصفيته هو المتورط في الهجوم على كذا وكذا، وهنا لا سبيل لمعرفة الحقيقة إلا برجوع الروح إلى المختفي قسريًا المقتول وسؤاله.

المحامي "إبراهيم متولي" - منسق رابطة أسر المختفين قسريًا، والذي اعتقل لاحقا وأخفي قسريا لفترة- قال قبيل اعتقاله إن هدف السلطات من تصفية المختفين "إرهاب أهالي المختفين قسريًا من خلال توصيل رسالة مفادها عدم الإبلاغ عن وقائع الاختفاء القسري وإلا سيتم قتلهم".

نتائج هذه الرسالة باتت واضحة - بحسب تصريح "متولي" - في تردد بعض الأهالي فترة طويلة في الإبلاغ عن حالة الاختفاء؛ حتى يشعر بالخوف ويستوي عنده القتل والاختفاء، بل ربما أحياناً يكون القتل أهون الخيارين.

رسالة أخرى لمنظمات حقوق الإنسان التي تنشط في رصد وتوثيق حالات الإخفاء القسري قد تسعى السلطة لتوجيهها، تكمن في مدى التحدّي الذي تُبديه الداخلية في هذا النهج، "ارصدوا ما شئتم ووثّقوا ما تريدون.. هذا نهجنا ولن نحيد عنه".

وربما تريد الداخلية وفق هذه السياسة الاجتهاد في إظهار مزيد من الولاء للسيسي، وتنفيذ توجيهاته؛ لتعزيز المكاسب التي حقّقتها خلال الفترة الماضية.