ما الهدف من حصر أصول الأوقاف؟ وهل يحق الإنفاق منها على مشاريع الدولة أو سداد ديونها؟!

ما الهدف من حصر أصول الأوقاف؟ وهل يحق الإنفاق منها على مشاريع الدولة أو سداد ديونها؟!

10:29 م

01-يناير-2018

تجري عملية حصر أصول وأموال الأوقاف بوتيرة متسارعة، وسط إعداد لخطط حكومية لكيفية الاستفادة منها، فقد أنهت هيئة الأوقاف، جزءاً من تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسى، بحصر أصول وأموال الأوقاف؛ تمهيداً لإعادة استغلالها بهدف تعظيم إيرادات الدولة.

مع تكثيف عملية حصر أصول وأموال الأوقاف بوتيرةٍ متسارعةٍ، من أجل "إعادة استغلالها لتعظيم إيرادات الدولة" يتصاعد العديد من التساؤلات الجوهرية أهمها ابتداءً: هل من حق الحكومة من الأصل التصرف بهذه الأموال والأصول أم أن ذلك ينطوي على مخالفة قانونية؟ وهل يحق الإنفاق على الدولة ومشاريعها من أموال الوقف؟.

وهل تُصنَّف "أموالاً عامة" و"أملاك دولة" أم أنها "ملكية خاصة"؟ وهل يجوز بيعها أو تحصيل أموالها لصالح مشاريع استثمارية أو قومية أو سد عجز الموازنة أو ديون الحكومة؟.

وكيف ستتم تسوية ملف المخالفات وتوفيق الأوضاع؟ هل لصالح الحفاظ على الأصول أم جمع حصيلة وسيولة مالية؟ وماذا عن أوقاف الكنيسة، أم أن عملية الحصر وإعادة الاستغلال تجري فقط على الأوقاف الإسلامية؟.   

تكثيف حصر الأموال والأصول؟

تجري عملية حصر أصول وأموال الأوقاف بوتيرة متسارعة، وسط إعداد لخطط حكومية لكيفية الاستفادة منها، فقد أنهت هيئة الأوقاف، برئاسة الدكتور "أحمد عبد الحافظ" جزءا من تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسى، بحصر أصول وأموال الأوقاف؛ تمهيداً لإعادة استغلالها بهدف تعظيم إيرادات الدولة.

فقد أكدت مصادر حكومية أن الهيئة استعانت ببنوك استثمار من بينها «EFG هيرمس»، و«بلتون»، كمستشارين لحصر عدد ضخم من الأسهم المملوكة للهيئة فى عدد كبير من الشركات منذ ثلاثينيات القرن الماضى، ضمن مساهمات المال العام، مشيرة إلى أنه من المقرر التخلص من هذه الحصص عن طريق البيع، بعد أن أجرت الهيئة حصراً لجميع الأسهم المدرجة بالبورصة، وكذلك غير المتداولة. بحسب "المصري اليوم" - مصرية خاصة -.

وكشفت أن: «الهيئة ترغب في بيع حصصها في صناعات منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ولجنة حصر أصول الدولة برئاسة المهندس إبراهيم محلب - مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية - انتهت بالفعل من حصر عدد كبير من الأراضي كنوع رئيسي من الأصول الهامة للأوقاف».

ونبّهت المصادر إلى أن إجمالي قيمة ما تم حصره من أراضٍ بلغ حتى الآن نحو ٤٥٠ مليار جنيه في ١٧ محافظة فقط، متوقعة وصولها إلى ٧٠٠ مليار جنيه بعد استكمال الحصر، بالإضافة إلى نحو ٢ مليار جنيه سيولة نقدية، لافتة إلى أن إيرادات الهيئة تتجاوز ٥٠٠ مليون جنيه، يتم توريد ٧٥% منها لوزارة الأوقاف، فى حين تخطّت مرتبات العاملين بالهيئة ١٢٠ مليون جنيه.

ثغرات التصالح وتوفيق الأوضاع

وقالت مصادر بالوزارة: إنها تتجه إلى تقنين أوضاع المخالفات التي تبلغ نحو ٤٠ ألف مخالفة بنظام «الجاداك» أو ما يُسمَّى بنظام الاستبدال؛ لاستكمال خطة الاستفادة من الأوقاف التى جرى تقطيعها وبناؤها خلال فترة الانفلات الأمني، مشيرة إلى أن الوزارة حدّدت مهلة شهراً للمنتفعين لتوفيق الأوضاع.

وتحت توفيق الأوضاع، هل سيقع تهاون مقابل الغرامات وجمع حصيلة من المخالفين؟ وماذا عن المناطق الأثرية والتراثية والأراضي الزراعية؟.

تساؤلات لا يوجد الآن بشأنها إجابة حاسمة، إلا أن بيع أصول للحصول على أموال وتوفيق الأوضاع لتحصيل غرامات كبيرة يُعدُّ نهجاً حكومياً تعاملت به مع رجال أعمال ومخالفين بقطاعات أخرى، مما يزيد المخاوف على أصول الأوقاف وعلى الشرائح المستفيدة منها وعلى رأسهم المزارعين بالأراضي والفقراء وطلاب العلم وعمال شركاتها.

وفي ظل تصريح "عاطف عثمان" - مدير إدارة هيئة الأوقاف سابقاً - بأن "حالات التعدّي على أملاك الوقف في مصر بلغت 43 ألف حالة تعدٍ، بمساحة تصل إلى 100 ألف فدان، وأن حالات التعدي قام بها مسئولون كبار ورجال أعمال وبلطجية" تتصاعد المخاوف بشأن إقرار "لجنة محلب" ملف التصالح مع هؤلاء بما يُقنّن أوضاعهم بتعويضات غير كافية، في ظل نماذج التصالح السابقة مع رجال الأعمال.

ما أهم الثروات التي تديرها الأوقاف؟

أموال الأوقاف، لا يجوز استخدامها في غير وجهتها، وتُعدُّ ملكية خاصة من الناحية الدستورية، وتُدير هيئة الأوقاف المصرية مزارع مثل مزرعة بلبيس، ومصانع وشركات مثل شركة المحمودية والدواجن وسجاد دمنهور، إلى جانب مساهمات فى العديد من البنوك: فيصل وقناة السويس ومصر وبنك الإسكان والتعمير.

وتمتلك أراضٍ عدة تُقدَّر بآلاف الأفدنة وعقارات عديدة وشركات ومصانع في مختلف المحافظات وفي الخارج أيضًا، يقع بعضها في أماكن استراتيجية.

وتمتلك أكثر من 170 ألف فدان من الأراضي الزراعية التي ينتفع بها أكثر من 100 ألف مزارع بخلاف الأراضى الفضاء والمنشآت السكنية والتجارية والودائع والمساهمات في العديد من الشركات والبنوك بحسب آخر تقديرات صادرة عن الهيئة عام 2015.

وتُؤجّر الأراضي الزراعية الموقوفة لصغار المزارعين بإيجارات أقل من أسعار السوق؛ لاعتبارات اجتماعية، وإضافة إلى استثمار الثروة العقارية وبعض المصانع والشركات التي تُديرها منذ سبعينيات القرن الماضي.

أموال خاصة وليست عامة أو ملكاً للدولة

في إطار مشروع الدولة لحصر أصولها وإزالة التعديات عليها، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا في أول يوليو 2016 بتشكيل لجنة برئاسة رئيس الوزراء السابق "إبراهيم محلب" - مساعد الرئيس للمشروعات القومية والاستراتيجية - لحصر أملاك هيئة الأوقاف المصرية من المباني والأراضي والمشروعات والمساهمات القائمة في شركات".

القرار وما تبعه من سياسات أثار جدلاً واسعاً وبخاصة حول مدى قانونية ودستورية ومشروعية القرار والنتائج المترتبة عليه:

من جهته، فنَّد د. إبراهيم البيومي غانم – أستاذ العلوم السياسية - في تحليل بعنوان "شرح قرار لجنة محلب لحصر الأوقاف وتشريحه" القرارَ موضحاً أنه: "قد جرت القوانين وأحكام المحاكم المصرية بمختلف مستوياتها على اعتبار أن أعيان الأوقاف ومؤسساتها وأبنيتها بما فيها أبنية المساجد لا تدخل ضمن «الأموال العامة»، ولا تأخذ حكم المنافع العامة المملوكة للدولة؛ وإنما تظل محتفظة بتكييفها الشرعي باعتبارها ملكية من نمط خاص تُنظّمها أحكام الوقف الشرعية وحدها دون غيرها".

ودلَّل "البيومي" قائلاً: "من أظهر الأدلة على ذلك أن هيئة الأوقاف المصرية تُسدّد سنويًا مبالغ تتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين جنيهًا لمصلحة الضرائب العقارية المستحقة على الأعيان الوقفية التي تُديرها باعتبارها أموالًا خاصة، كأموال الأفراد والشركات من هذا الاعتبار. ويظهر هذا الرقم في الحساب الختامي للهيئة سنويًا".

الأملاك ليست ملكاً للدولة ولا حتى هيئة الأوقاف نفسها، حيث يوضح "البيومي" أن "قرار لجنة محلب يتحدّث دائماً عن «أملاك هيئة الأوقاف»، وهذا تعبير خاطئ شرعًا وقانونًا؛ حيث إن هيئة الأوقاف لا تمتلك ما تديره من أراضٍ وعقارات وأموال موقوفة، وإنما تُديرها فقط بموجب وكالة قانونية عن وزارة الأوقاف، ووزارة الأوقاف ذاتها قد أقامها القانون «ناظرًا» على الأوقاف نيابة عن الواقفين. ومن ثَمَّ فإن يد هيئة الأوقاف ليست يدَ تملُّك وإنما هي يد أمانة وإدارة، أو يد وكالة بمفهوم القانون المدني، وبالمفهوم الشرعي أيضًا. 

هل أموال الأوقاف مخصصة للمشاريع القومية؟

بدوره، رصد د. حازم حسني - الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة - عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" مجريات اجتماع السيد الرئيس مع وزير الأوقاف، مشيراً إلى حضور رئيس المخابرات العامة بعلامة استفهام، لافتاً إلى غياب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات.

أما الرئيس فقد طالب وزير الأوقاف في حضور رئيس جهاز المخابرات، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، "بتحقيق الاستفادة المثلى من أصول وممتلكات الأوقاف، لافتاً إلى حصر وتقييم تلك الممتلكات بشكل شامل، والحفاظ على (حق الدولة) بها وعدم التفريط فيها"؛ كما شدَّد السيسي على "ضرورة تنفيذ خطط استثمارية متطورة لأصول وممتلكات الأوقاف"، وتعظيم إسهاماتها في (المشروعات القومية) للمساعدة في نمو الاقتصاد".

في هذا الإطار علَّق د. حسني بأن: "أصول الأوقاف تنقسم إلى "أوقاف أهلية"، الهدف منها الإنفاق على ورثة الواقف عبر الأجيال المتتابعة، حتى يبقى اسمه وفضله حاضرين لدى ذريته جيلاً بعد جيل، ثم هناك "الأوقاف الخيرية" التي يوقفها الواقف على عمل خيري معين، مثل الإنفاق على المدارس والكتاتيب، أو البيمارستانات (أي المستشفيات)، أو رعاية الفقراء، أو حتى على الرفق بالحيوانات... إلخ، ولم نسمع أبداً أن واقفاً قد أوقف وقفاً للإنفاق منه على الدولة أو على مشاريعها الصغرى أو الكبرى!!".

وبيَّن "حسني" أن "أموال الأوقاف ليست "مالاً عاماً" وإنما هي أموال خاصة، لكنها في حكم المال العام من حيث خضوعها لرقابة السلطة العامة حمايةً لها من السرقة والتبديد وإنفاقها في غير الغرض الموقوفة من أجله".

ماذا عن مساواة المساجد بالكنائس؟

يبقى سؤال آخر: ماذا عن أوقاف الكنيسة؟ ولماذا لا تُعامَل بالمثل؟ من جهته، تساءل عضو لجنة الفتوى بالأزهر سابقاً الشيخ "هاشم إسلام": "هل تستطيع الحكومة أن تأخذ أوقاف اليهودية، أو المسيحية، أو تُقدِم أي دولة في العالم على الاستيلاء على أوقاف كنائس البروتستانت، أو الكاثوليك، أو الأرثوذكس؟ هذا لا يجوز لا عندهم ولا عندنا".

وشدَّد "إسلام" في تصريحات صحفية على أنه: "لا يجوز شرعاً التعدّي على أملاك الأوقاف؛ فشرط الواقف كأمر الشارع"، مطالباً في الوقت نفسه بالبحث عن مصادر أخرى لدعم موازنة الدولة "فهناك أموال مُتهرّبي الضرائب، والفاسدين، على الحكومة ألا تهملها".

من جهته، شدَّد الأنبا "انطونيوس عزيز" - ممثل الكنسية الكاثوليكية في لجنة الخمسين (لجنة دستور 2014) - على موقف "الكنيسة الرافض لأي تصرف في أموال الوقف لصالح أي جهة". وقال في تصريحات صحفية: "إن الوقف مرهون بما وقف عليه؛ فهو ليس أموالاً عامة، إنما أموال خاصة بالكنيسة، لابد أن تصل إلى هدفها".

وأكد أن مبررات الدولة بحاجتها للأموال "لا يعني أن تستغل هذه الأموال والممتلكات لأي سبب كان، ولا يجوز استخدام مال أي وقف إلا فيما أوقفت عليه، لصالح أي جهة كانت، فالأوقاف ليست ملك الدولة، فهي مثلها مثل المعاشات، أموال خاصة"، مشدّداً على أن "مثل تلك الدعوات لا تصب في الصالح العام سواء للمسلمين أو المسيحيين"، وهذا "ليس الطريق الأمثل لحل أزمة البلاد الاقتصادية".

بيع أصول الدولة يكشف أزمة اقتصادية

من وجهة نظر الحكومة يُعدُّ استغلال «أصول الدولة» أداةً للخروج من المأزق الاقتصادي الراهن، وأصبح توجُّه رئيس للدولة في ظل تراجع الإيرادات وهروب الاستثمارات وانهيار السياحة وتعاظم الديون والفوائد وأقساط الدّين، فاتجهت الدولة لتخصيص لجنة مختصة بـ "حصر أصول الدولة غير المُستغلَّة".

ونشرت الجريدة الرسمية قرار رئيس مجلس الوزراء "شريف إسماعيل" بتشكيل لجنة حصر أصول الدولة غير المستغلة برئاسته وعضوية وزراء، ويتعيّن عليهم عدم التصرف في أصول الدولة غير المستغلة من: أراضٍ، عقارات، أطيان، مخازن، مستودعات، وغيرها، إلا بعد الرجوع إلى اللجنة الوزارية.

بما يعني تقييد كل هذه الوزرات والهيئات وتكبيلها بقرارات اللجنة الوزارية بما فيها وزارة الأوقاف، وهو توجُّه ينطوي على مخاوف اعتبار الحصر مقدمة للبيع وسط آراء اقتصادية تُروّج له، منهم "محمد متولي" - نائب الرئيس التنفيذي لشركة اتش سي للأوراق المالية والاستثمار - حيث يرى أنه "من الأفضل للحكومة بيع أصولها غير المستغلة؛ لسداد ديونها بدلاً من إنشاء صندوق لاستثمارها؛ وذلك لأن عائد الصندوق – إذا تحقَّق – سيتم توجيهه إلى سداد فوائد الدّين".

ويبقى بيع الأصول سواء التابعة لوزارة الأوقاف أو غيرها لجلب أموال إلى الخزانة العامة للمساهمة في سد عجز الموازنة أو سداد الديون حلاًّ مؤقتاً لا يُعالج الأزمات الهيكلية التي يُعاني منها الاقتصاد القومي.