قلق سعودي متزايد.. هل تنجح الرياض في استعادة الخرطوم لصفها؟

قلق سعودي متزايد.. هل تنجح الرياض في استعادة الخرطوم لصفها؟

03:47 ص

01-يناير-2018

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أرسل، أمس الأحد، بصفته وزيرًا للدفاع مساعده الفريق طيار ركن محمد عبد الله العايش إلى السودان على رأس وفد عسكري، للقاء الفريق أول ركن عوض محمد عوف وزير الدفاع السوداني، وقيادات عسكرية بالخرطوم.

يبدو أن القلق السعودي من التحالف الذي يضم تركيا وقطر والسودان يزداد يومًا بعد يوم، مع تعدد أشكال هذا التحالف وتهديده القائم للمملكة على مختلف الأصعدة.
ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" أرسل، الأحد، بصفته وزيرًا للدفاع مساعده الفريق طيار ركن "محمد عبد الله العايش" إلى السودان على رأس وفد عسكري، للقاء الفريق أول ركن "عوض محمد عوف" وزير الدفاع السوداني، وقيادات عسكرية بالخرطوم.
الزيارة تأتي في أعقاب اللقاء الثلاثي الذي جمع رؤساء أركان القوات المسلحة لدول قطر، والسودان، وتركيا في الخرطوم، إيذانًا بمحلة جديدة من التعاون الثلاثي الذي دشنته زيارة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" للسودان قبل أيام، وما شهدته من اتفاقيات تجارية وعسكرية ضخمة أبرزها تخصيص جزيرة "سواكن" في البحر الأحمر (والقريبة من ميناء جدة السعودي) لأنقرة من أجل التطوير والإدارة.
فإلى أي مدى تسعى السعودية إلى إعادة السودان لتحالفها؟ وما طريقتها المستخدمة في تلك المحاولة؟ وما هو موقف الخرطوم؟.

 

محاولة الاستعادة بالترغيب

ولعل محاولة تحليل تلك الزيارة وربطها بالسياقات المتزامنة المختلفة، تقود إلى عدة احتمالات تكشف دلالاتها والغرض الحقيقي من ورائها، والحوار المفترض الذي دار بين القيادتين العسكريتين والرسائل المتبادلة.

لا يخلو الأمر بطبيعة الحال من محاولة سعودية حثيثة لاستعادة السودان إلى التحالف الإقليمي الذي تقوده تحت مظلة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو التحالف الذي أفرزته الأزمة الخليجية وضم بجانب السعودية كل من مصر والإمارات والبحرين.

فبدون شك فإن للسودان أهمية سياسية وجغرافية واستراتيجية وعسكرية كبيرة في محيطه الإقليمي رغم أزماته المتلاحقة، ومن المفيد لدولة تسعى لقيادة الإقليم مثل السعودية أن تكون الخرطوم في صفها، بعيدًا عن أية تحالفات أخرى مناوئة.

استشعار الخطر السعودي من التنافر بين المملكة والسودان ليس وليد اللحظة، لكنه يرجع إلى موقف الأخير من الأزمة الخليجية، حيث ارتأى الحفاظ على علاقة متوازنة بطرفي الأزمة، بإعلانه أنه على الحياد ورغبته في التوسط لحلها دون انحياز لطرف على حساب الآخر.

زاد الطين بلة التقارب غير المسبوق بين السودان من ناحية وكل من تركيا التي تنازع السعودية على النفوذ الإقليمي وصاحبة العداء التاريخي مع المملكة والداعم الأول للدوحة، وقطر التي تبدو المعضلة الكبرى والصداع في رأس آل سعود، ليس بسببها في حد ذاتها لكن لما تجره ورائها من حملة استقطاب وتجاذبات واسعة لكل فيها غرضه ومصالحه.

وعلى الرغم من أن السودان المشارك الأكبر في التحالف العربي باليمن من خارج الخليج العربي، إلا أن الأمر لم يُرضِ حكام السعودية التي ترى ضرورة أن تجذب إليها الخرطوم كليًا.

ووفق هذا التصور، فإن الزيارة العسكرية يحتمل أنها تضمّنت ترغيبًا سعوديًا للسودان من أجل العودة إلى أحضان المملكة، ربما بوعود استثمارية وتجارية ضخمة موازية أو حتى بديلة لتلك التي عُقدت مع تركيا، فضلًا عن زيادة التعاون العسكري فيما يخص المناورات والتدريبات المشتركة.

سياسيًا فإن اللعب السعودي بورقة العلاقات مع الولايات المتحدة يمكنه أن يكون ذا جدوى، بحيث تضمن الرياض للخرطوم تدخلًا لدى أمريكا من أجل إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وما يمكن أن يمثله القرار من فوائد كبيرة للسودانيين، مقابل أن تخفف الخرطوم من حدة تقاربها مع أنقرة والدوحة بشكل ملموس، قد يتضمّن التراجع عن اتفاقات اقتصادية وعلاقات عسكرية.

العصا بدل الجزرة!

في مقابل الجزرة التي يطرحها سيناريو الترغيب السابق، فإن السعودية قد تسعى لاستخدام العصا بالترهيب، مستغلة ما تتمتع به من نفوذ سياسي واقتصادي وديني وتاريخي كبير في المنطقة.

وكما كان التلويح بالعلاقات مع أمريكا إيجابيًا في السيناريو السابق، فإنه وفق هذا السيناريو قد يكون سلبيًا، ولعل من المنطقي هنا استرجاع موقف الرياض من العقوبات الاقتصادية الأمريكية على السودان.

وربما ذكّر القائد العسكري السعودي نظيره السوداني بالدور الذي لعبته الرياض في رفع العقوبات التي استمرت لنحو 20 عامًا، وهو ما اعترف به السودان صراحة على لسان وزير خارجيته "إبراهيم غندور" في أكتوبر الماضي.

"يمكن لتدخل آخر أن يقلب الأمر عليكم".. قد يبدو هذا ملخص الرسالة الترهيبية التي بعثتها السعودية للسودان، على نحو تأمل معه في دفعه إلى العدول عن سياسته المتقاربة مع خصوم الرياض في المنطقة.

ثمَّة ساحة أخرى يمكن للسعودية أن تستخدمها في رسالة ترهيب السودان، وهنا تظهر مصر في الصورة؛ نظرًا للخلاف المحتدم بينها وبين السودان فيما يخص أزمتي سد النهضة الإثيوبي ومثلث حلايب وشلاتين الحدودي المتنازع عليه بين البلدين.

بفضل علاقات وثيقة تربطها حاليًا بمصر، فإن السعودية ربما تعزف على هذا الوتر إمعانًا في المكايدة السياسية للخرطوم، ومن بين مظاهر ذلك دعم موقف القاهرة ومواجهة المساعي السودانية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الرامية لانتزاع اعتراف دولي بتبعية المنطقة الحدودية لها.

وقد تستخدم الرياض – رغم أنه دور مستبعد – نفوذها الإقليمي والدولي في مساندة جهود مصر المتعثرة بمواجهة الخطر الذي يمثله سد النهضة على حقوقها التاريخية في مياه النيل، سواء في المحافل الدولية إذا وصل الخلاف إليها أو في جانب العلاقات الثنائية والمتعددة بين الدول.

رسالة طمأنة سوادنية؟

على الجانب الآخر من الزيارة، فإن الأمر لا يخلو من رسائل سودانية موجهة إلى الحليف القديم، كشف تفاصيلها البيان الذي نشرته وكالة الأنباء السودانية الرسمية، وقال: إن اللقاء المشترك تناول "مجمل قضايا الراهن العسكري والأمني في المنطقة، ومناقشة التدابير المطلوبة للتعاطي مع الأحداث وما يستجد من مواقف بالقدر الذي يُحقّق الأمن والاستقرار في المنطقة".

كما نقلت الوكالة، عن وزير الدفاع السوداني، تأكيدة على تمسك السودان "بموقفه الثابت تجاه قضايا أمته العربية والإسلامية، والدفاع عن المقدسات والذود عن الحرمين الشريفين الذي يُمثّل واجبًا وفرض عين على كل مسلم".

الرسالة مفادها إذن "اطمأنوا يا سعوديون فلن نكون خنجرًا لطعنكم في الظهر"، الأمر الذي قد يشي بأن الرسالة تضمّنت أيضًا تأكيدات سودانية على أن التعاون مع تركيا تحديدًا سوف يقتصر على الجانب الاقتصادي، لكن في الناحية العسكرية تميل الكفة لصالح السعودية، وليس أدلَّ على ذلك من استمرار المشاركة الفعالة في عمليات التحالف العربي في اليمن.

لكن يبقى التساؤل: هل تكتفي الرياض برسالة الطمأنة تلك أم أنها بحاجة إلى المزيد من المواقف والإجراءات التي تُعضّد موقفًا سودانيًا يُبدّد مخاوف المملكة؟.

لكن ما الذي يمكن أن تُريده السعودية من السودان؟ أليس بلدًا مستقلًا وله الحق في التعاون مع أي طرف يجد فيه تحقيق مصالحه، أم أن الأمر يتعارض مع رغبة سعودية في الهيمنة على القرار السياسي لدول الإقليم بما يُعزّز من سيطرتها وبسط نفوذها؟.

التساؤلات تنقلنا إلى سيناريو آخر للرسالة السودانية، قد نرى تداعياتها قريبًا، فمن المحتمل أن تكون تلك الكلمات التي نقلتها الوكالة الرسمية مجرد بيان بروتوكولي ليس أكثر، غلب عليه الطابع الدبلوماسي، وأن يكون ما دار في الغرف المغلقة يخالف كثيرًا ما ظهر للإعلام.

يُفضي هذا الاحتمال إلى أن الرسالة السودانية كانت شديدة اللهجة مفادها "اتركونا وشأننا"، متسلحة بمصادر قوة لا تتوقف عند حدود البلاد.

فبخلاف التعاون الاستراتيجي مع تركيا باعتبارها قوة إقليمية لا يُستهان بها، فإن الأمر ينطوي على علاقات أخرى آخذة في التطور مع الدب الروسي.

قبل زيارة "أردوغان" بيومين فقط، أعلن المكتب الصحفي لشركة "روس آتوم" الروسية للطاقة، أن روسيا والسودان وقّعا اتفاقية حول تطوير مشروع لإنشاء محطة كهروذرية على الأراضي السودانية.

اجتماعات اللجنة (الروسية – السودانية) المشتركة، التي أنهت الخميس قبل الماضي، شهدت توقيع 5 اتفاقات، في مجالات الطاقة، والبحوث والتدريب الجيولوجي، واستخدام التقنيات الحديثة بدلًا من الزئبق، والتعليم لإتاحة فرصة للكوادر السودانية بالدراسة في روسيا، وفي نقل التقنية للقطاع الخاص السوداني.

هذه الجملة من الاتفاقات، التي تُعدّ المحطة الكهروذرية أبرزها، تحمل دلالة عميقة على توجُّه روسي محتم بالتقارب مع السودان، ربما لمزيد من ترسيح النفوذ في القارة السمراء، بعد أيام من التوقيع في القاهرة على بدء العمل في إنشاء محطة الضبعة للطاقة النووية.

هذا المسعى الروسي يُناهض بطبيعة الصراع التاريخي النفوذ الأمريكي، الأمر الذي ينسحب كذلك على حلفاء أمريكا بالمنطقة وفي مقدمتهم السعودية، ما يعني أن موسكو ستكون الضامن الدولي لأي مواقف سودانية مستقلة تتحدّى التوجه الأمريكي السعودي.