القضاء العسكري يتوحش.. لماذا الآن؟ ومن يوقف دائرة الدم؟!

القضاء العسكري يتوحش.. لماذا الآن؟ ومن يوقف دائرة الدم؟!

09:51 ص

02-يناير-2018

فمن يراقب القضاء العسكري؟ وما أبرز التعديلات القانونية التي وسّعت اختصاصاته في عهد الرئيس السيسي؟ وكيف جَرَى تمرير تمديدها؟ وما هي أهم الثغرات القانونية؟ وهل يتسع دوره في ظل تمديد حالة الطوارئ؟ وهل يؤثر على سلامة منظومة العدالة وعدالة إجراءات التقاضي؟.

لماذا تتزايد أحكام الإعدامات الصادرة من قِبَل محاكم عسكرية تُحاكم مدنيين؟ ولماذا تم توسيع اختصاصات القضاء العسكري في عام 2014 وتم تمديدها إلى 2021 بغطاء قانوني؟، فاليوم نفذت وزارة الداخلية حكما عسكريا إعدام  خمسة مدانين بقتل طلاب الكلية الحربية، وقبل إسبوع، نفذت حكما عسكريا مشابها بحق 15 مدانا في تهم  "إرهاب".

فيما تؤكد منظمات حقوقية منها "هيومن رايتس ووتش" و"المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" و"ضد الإعدام" و"لا للمحاكمات العسكرية" أن السنوات القليلة الماضية شهدت تزايدًا في استخدام القضاء العسكري لعقوبة الإعدام.

فمن يراقب القضاء العسكري؟ وما أبرز التعديلات القانونية التي وسّعت اختصاصاته في عهد الرئيس السيسي؟ وكيف جَرَى تمرير تمديدها؟ وما هي أهم الثغرات القانونية؟ وهل يتسع دوره في ظل تمديد حالة الطوارئ؟ وهل يؤثر على سلامة منظومة العدالة وعدالة إجراءات التقاضي؟.

فقانون 2014 المتضمّن لتوسيع اختصاصات القضاء العسكري أقرّه "السيسي" لمدة عامين انتهت في 27 أكتوبر 2016 وقام بتمديده خمس سنوات أخرى بقرار جديد، بما يجعل هذه القوانين والقرارات سارية من 2014 وحتى 2021، أي لسبع سنوات متتالية.

يُشار إلى أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يشترط في حالة صدور حكم بالإعدام أن يكون المتهم قد حصل على محاكمة عادلة، وفقًا للمادة الرابعة عشرة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ومن أبسط تلك الحقوق الحق في المحاكمة أمام المحاكم المدنية المختصة.

ويبقى تساؤل من الصعب حسمه عن دلالة توقيت صدور أحكام الإعدامات فهي تصدر بكثافة في آخر ثلاث شهور بعام 2017 رغم أن أحداثها منذ 2013 و2014 و2015، فهل تُوجّه رسائل معينة قبل أسابيع على ذكرى ثورة 25 يناير أهمها قبضة الدولة القوية وعدم التهاون مع أي تظاهرات محتملة أم أن هذه الأحكام تصدر بتوقيتها الطبيعي المقرر سلفاً؟.

وبشكلٍ عام تتسارع وتيرة أحكام الإعدام الصادرة من القضاء المصري سواء من قبل المحاكم المدنية أو العسكرية وسط انتقادات واسعة من قبل منظمات حقوقية وبخاصة تجاه محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.

نماذج أحكام إعدامات بمحاكم عسكرية

في 31 ديسمبر الماضي "2017" أحالت محكمة شمال القاهرة العسكرية أوراق 9 معتقلين إلى مفتي الجمهورية، والحجز للحكم لجلسة ١٧ يناير، ويُحاكم بالقضية 52 مدنياً بينهم 16 غيابياً بتهمة قتل العقيد "وائل طاحون".

وتقول النيابة العامة: إن الوارد أسماؤهم في القضية، وأبرزهم الدكتور "يوسف القرضاوي" - رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين -، ود. عبد الرحمن البر ود. محمود غزلان - عضوا مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين - "متورطين في عدة تهم منها: "تأسيس عصابة مسلحة غرضها تعطيل أحكام الدستور والقانون ومنع مؤسسات الدولة عن ممارسة أعمالها والاعتداء على المواطنين واستهداف أفراد الجيش والشرطة والاعتداء على الأماكن العامة وقتل العقيد وائل طاحون..".

في 26 ديسمبر الماضي "2017" تم تنفيذ حكم الإعدام على 15 مدنياً تمّت محاكمتهم أمام المحكمة العسكرية بالإسماعيلية، 11 في سجن برج العرب و4 بسجن وادي النطرون، وكانت المحكمة العسكرية قد أصدرت حكمها بالإعدام ضد 15 مدنياً في القضية رقم 411/ 2013 كلي عسكري الإسماعيلية - شمال سيناء وتم رفض نقضهم في 13 نوفمبر 2017.

وأدانت مجموعات حقوقية منها: "مركز عدالة للحقوق والحريات"، و"المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، و"لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين"، و"مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب" تنفيذ حكم الإعدام بحق خمسة عشر شخصًا من المحكوم عليهم في القضية رقم 411 جنايات كلي الإسماعيلية لسنة 2013 والمعروفة إعلاميًّا بـ "خلية رصد الضباط"، معتبرةً إياه امتدادًا لمسلسل أحكام الإعدام التي لا تراعي أدنى قواعد وضمانات المحاكمة العادلة للمتهمين.

في 17 ديسمبر الماضي "2017" قضت محكمة عسكرية مصرية بإعدام 14 متهماً، على خلفية اتهامهم بزرع عبوات ناسفة أمام بعض الهيئات الحكومية، وقتل وإصابة عدد من المواطنين بمحافظة الإسكندرية.

كما قضت المحكمة بالسجن المؤبد لـ 24 متهماً آخرين، والسجن المشدد 15 عاماً لخمسة متهمين، ووجّهت النيابة للمتهمين تهم "القتل العمد للشخصيات العامة من القيادات الأمنية، والشروع في القتل والانضمام لجماعة أُسّست بخلاف أحكام القانون والغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقانون".

كما وجّهت لهم تهم "منع مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها والاعتداء على الحرية الشخصية والحقوق العامة للمواطنين والحريات والحقوق العامة التي كفلها الدستور والقانون، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي".

وتطالب "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" بإعادة محاكمة جميع المتهمين أمام المحكمة المدنية المختصة، مع فتح تحقيق عاجل ومستقل في ادعاءات "الإخلال بحق الدفاع وانتهاكات حقوق الإنسان في القضية".

في 13 نوفمبر الماضي "2017" أحالت المحكمة العسكرية بالإسكندرية أوراق 14 مواطنًا إلى مفتي الجمهورية؛ تمهيدًا للحكم عليهم بالإعدام في القضية المعروفة إعلاميًا بـ 108 عسكرية، إثر إدانتهم في "أحداث عنف ومقتل جندي بمحافظة الإسكندرية خلال عامي 2014 و2015، وتضم فيها 21 مدنيًا تعرّضوا عقب اختطافهم من قبل قوات الأمن للإخفاء القسري لعدة أيام وممارسة عمليات التعذيب بالكهرباء أثناء التحقيق معهم للاعتراف بجرائم لم يرتكبوها، بحسب توثيق العديد من المنظمات الحقوقية.

وأحالت النيابة العسكرية المتهمين إلى المحاكمة الجنائية العسكرية أواخر 2015، وعقدت المحكمة أولى جلساتها في 19 يوليو 2016.

في مايو 2015 تم تنفيذ حكم الإعدام على 6 متهمين في القضية رقم 43 لسنة 2014 جنايات عسكرية شمال القاهرة والمعروفة إعلاميًّا باسم قضية: "خلية عرب شركس"، والتي شابتها انتهاكات عدة سواء على مستوى الضبط والتحقيق، أو على مستوى تجاهل النيابة والمحكمة العسكرية بلاغات الاختفاء القسري والتعذيب التي تقدَّم بها المتهمون وذووهم، بحسب منظمات حقوقية.

ويتوالى صدور أحكام بالإعدام من القضاء العسكري في قضايا عدة مثل القضية رقم 22 لسنة 2015 جنايات عسكرية طنطا، والمعروفة إعلاميًّا بقضية استاد كفر الشيخ، والقضية رقم 174/ 2015 جنايات عسكرية غرب، والمعروفة إعلاميًّا باسم "العمليات النوعية"، والقضية رقم 264/ 2015 والمعروفة إعلاميًّا باسم اقتحام مركز شرطة "طامية"، وغيرها.

توسيع اختصاصات القضاء العسكري.. لماذا؟ وكيف؟

ابتداء تكشف خبرة التجربة المصرية بملف المحاكمات العسكرية عن إقحامها بملف الصراع على السلطة، الأمر الذي تم استدعاؤه بقوة في عام 2014 مع توسيع الاختصاصات، فقد استخدمت المحاكم العسكرية ضد المدنيين في مصر أول مرة عام 1954 في قضية محاولة اغتيال رئيس الجمهورية في مصر آنذاك "جمال عبد الناصر"، والتي اتهم فيها أفراد من تنظيم "الإخوان المسلمين".

وتلا ذلك تعرّض العشرات من المدنيين المصريين من "الإخوان المسلمين" ومن الشيوعيين واليسار المصري للمحاكمات العسكرية في فترات متفرقة تحت حكم كل من "جمال عبد الناصر" و"أنور السادات" و"حسني مبارك".

بعهد الرئيس المخلوع "محمد حسني مبارك" انحصرت محاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية في القضايا التي تطال الإسلاميين في مصر، للنظر في بعض «قضايا الإرهاب» والجماعات الجهادية المسلحة، بينما الآن اتسعت لتشمل معارضي النظام ورافضي إجراءات ما بعد 3 يوليو.

تمديد العمل بقانون 2014

أثار توسيع اختصاصات القضاء العسكري بشكل غير مسبوق، علامات استفهام واسعة، في ظل إصدار محاكم مدنية أحكاماً تصفها منظمات حقوقية بالمُسيّسة ضد رافضي إجراءات 3 يوليو، الأمر الذي اعتبر محاولة للهيمنة على المعارضين وأنصارهم.

وسّع المرسوم الذي أصدره الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" في 27 أكتوبر 2014 "اختصاص المحاكم العسكرية في البلاد ويحمل خطر عسكرة الملاحقة القانونية للمتظاهرين وغيرهم من معارضي الحكومة". بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش".

الخطير تمديد القانون، ففي 17 أغسطس 2016 أصدر الرئيس "عبد الفتاح السيسي" القرار رقم 65 لسنة 2016، "بمد العمل بالقانون رقم 136 لسنة 2014، في شأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية، لمدة 5 سنوات اعتباراً من 28 أكتوبر القادم "2016".

ولأن قانون 2014 أُقرّ لمدة عامين تنتهي في 27 أكتوبر 2016 تم تمديده خمس سنوات أخرى بقرار جديد.

ووفقاً لـ "رايتس ووتش" فإن "القانون رقم 136 لسنة 2014، الذي أصدره "السيسي" في غياب البرلمان، عمل على وضع جميع "المنشآت العامة والحيوية" تحت اختصاص القضاء العسكري لمدة عامين، كما أنه وجّه أفراد النيابة لإحالة الجرائم المرتكبة في تلك الأماكن إلى نظرائهم العسكريين، مما مهّد الطريق لزيادة كبيرة في المحاكمات العسكرية للمدنيين. وقد حاكمت محاكم مصر العسكرية، التي تفتقر حتى لما توفره المحاكم الطبيعية من ضمانات واهية لسلامة الإجراءات، أكثر من 11 ألف مدني منذ انتفاضة 2011".

في يونيو 2016، منح "السيسي" الجيش سلطة مراقبة الأملاك العامة حتى مسافة كيلومترَين (1.2 ميل) من الطرقات العامة والسريعة، وهو المرسوم الذي منح المشروعية للمحاكم العسكرية مقاضاة المخالفين من المدنيين.

وتنص المادة 204 من الدستور المصري الحالي على مجموعة من الجرائم التي تُجيز عند ارتكابها محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، ومنها "الاعتداء على أفراد عسكريين أو معدات عسكرية، أو الجرائم التي تمسّ مصانع القوات المسلحة أو أموالها أو أسرارها أو وثائقها".

من يراقب القضاء العسكري؟

المثير للقلق هو عمل المحاكم العسكرية في مصر تحت سلطة وزارة الدفاع، لا السلطات القضائية المدنية. وقد دأبت على حرمان المتهمين من الحقوق التي تمنحها المحاكم المدنية، بما فيها حق المتهم في إخطاره بالتهم الموجهة إليه، والحق في التواصل مع محامٍ والمثول على وجه السرعة أمام قاضٍ في أعقاب الاعتقال، بحسب منظمات حقوقية.

طبقاً للقانون رقم 25 لسنة 1966: مادة (1): "القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، تتكوّن من محاكم ونيابات عسكرية وفروع قضاء أخرى طبقاً لقوانين وأنظمة القوات المسلحة.

ويختص القضاء العسكري دون غيره بنظر الجرائم الداخلة في اختصاصه وفق أحكام هذا القانون وغيرها من الجرائم التي يختص بها وفقاً لأي قانون آخر، وتقوم على شأن القضاء العسكري هيئة تتبع وزارة الدفاع.

وتنص المادة 54 من قانون القضاء العسكري، على أنه: «يصدر بتعيين القضاة العسكريين قرار من وزير الحربية بناءً على اقتراح مدير القضاء العسكري».

تطبيق قانون القضاء العسكري بحالة الطوارئ

تتزايد مخاوف منظمات حقوقية بشأن تشابك القوانين والقرارات التي تزيد من احتمالات تعرض المدنيين للمثول أمام محاكم عسكرية، فقانون السيسي لتوسيع اختصاصات القضاء العسكري يجري تطبيقه في ظل قرار تمديد العمل بحالة الطوارئ وفقاً لمقتضيات هذه الحالة ببنود يصفها حقوقيون بـ "الفضفاضة" وبخاصة مصطلحات من قبيل "أخطار الإرهاب" و"حفظ الأمن".

وفي 12 أكتوبر الماضي "2017"، ثم اليوم 2  يناير، قرَّر الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" تمديد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة ثلاثة أشهر إضافية، وينص على أن "تتولى القوات المسلحة وهيئة الشرطة اتخاذ ما يلزم لمواجهة أخطار الإرهاب وتمويله وحفظ الأمن بجميع أنحاء البلاد"، على أن يُعاقَب بالسجن كل من يخالف هذا القرار.

من جهتها تقول الحكومة المصرية: إن التمديد إجراءٌ مؤقتٌ يهدف إلى تعزيز جهود مكافحة الإرهاب.