خمسة سيناريوهات ترسم مستقبل وتداعيات الاحتجاجات الإيرانية.. ما هي؟

خمسة سيناريوهات ترسم مستقبل وتداعيات الاحتجاجات الإيرانية.. ما هي؟

04:06 م

03-يناير-2018

عند دراسة السيناريوهات المحتملة للأزمة الإيرانية والاحتجاجات الشعبية وطريقة ونمط تعاطي النظام معها لابد من الأخذ في الاعتبار الأسباب الأساسية لاشتعالها وهي تردّي الأوضاع الاقتصادية، والتي جعلت المتظاهرين يعترضون على الأذرع الخارجية للنظام وفاتورة إنفاقها على عدد من الحروب والصراعات بالخارج.

مع اتساع رقعة الاحتجاجات في إيران وتبنّيها مطالب سياسية وليس فقط اقتصادية وتحدّيها لروؤس النظام؛ تتصاعد حزمة من السيناريوهات المحتملة، تتأثّر جميعها بمدى قوة وانتشار واستمرارية ونوعية الاحتجاجات، ويبقى تساؤل رئيس: هل ستلجأ حكومة "روحاني" إلى تحجيم قوة الحرس الثوري الإيراني وشبكة أذرعه ونفوذه بالإقليم في سوريا واليمن والعراق ولبنان أم أن سلطته وقوته تُمثّل دولة فوق الدولة يصعب المساس بها أو تخطّيها في ظل محاولة الحفاظ على مكاسبه العسكرية والاستراتيجية بالخارج وحصد الغنائم والتسويات القسرية؟.

وكيف سيكون مستقبل الاحتجاجات في حالة العجز عن تقليم أظافر امبراطورية وقادة الحرس الثوري؟.

إلى أين وصلت الاحتجاجات

وفقاً للتطورات الميدانية، ارتفعت حصيلة قتلى احتجاجات إيران، التي انطلقت الخميس الماضي، إلى 22 قتيلاً، وذلك بعد أن خرجت مظاهرات ليلية في عدة مناطق، حمَل بعضها شعارات سياسية، وشهدت اشتباكات وأعمال شغب، وأخرى مضادة رفضت تحويل الشعارات الاقتصادية إلى "منحى آخر".

وقالت بعض المواقع الإيرانية: إن خمسة قتلى سقطوا إثر اشتباكات وقعت في "قهدريجان" في محافظة "أصفهان" وسط البلاد.

وفي مؤشر على احتمال اتساع رقعة الاحتجاجات، تمدّدت رقعة الاحتجاجات الشعبية في إيران من مشهد في الشمال الشرقي إلى غرب البلاد، فيما أتت محاولات القمع بردة فعل عكسية، حيث وصلت المظاهرات إلى "يزد" في الجنوب و"شاهرود" في الشمال، وانضم أهالي "كاشمر" و"نيسابور" إلى جيرانهم في "مشهد"، وفي 29 ديسمبر/ كانون الأول 2017 امتدت الاحتجاجات إلى العاصمة "طهران"، حيث تظاهر مئات الطلاب مرددين هتافات مناهضة للنظام والرئيس "حسن روحاني".

عند دراسة السيناريوهات المحتملة للأزمة الإيرانية والاحتجاجات الشعبية وطريقة ونمط تعاطي النظام معها لابد من الأخذ في الاعتبار الأسباب الأساسية لاشتعالها وهي تردّي الأوضاع الاقتصادية، والتي جعلت المتظاهرين يعترضون على الأذرع الخارجية للنظام وفاتورة إنفاقها على عدد من الحروب والصراعات بالخارج.

ومن ثَمَّ فالسؤال الأولي: هل ستلجأ حكومة الرئيس الإيراني "حسن روحاني" إلى تحجيم قوة الحرس الثوري ونفوذه الخارجي بعدد من الدول العربية منها اليمن وسوريا والعراق ولبنان، بما يولد خريطة توازنات إقليمية جديدة؟ وهل هذا الخيار بمقدور "روحاني" الإقدام عليه أم لا؟ ولماذا؟.

أولا: سيناريو تحجيم الحرس الثوري وأذرعه الخارجية:

لاختبار مدى قدرة "روحاني" على تحجيم الحرس الثوري، استجابة لمطالب المتظاهرين، يجدر الإشارة إلى طبيعة قوته وميزانيته وقيادته وسلطته ونفوذه العسكري بالخارج والداخل.

في نهاية 2017، زادت الحكومة الإيرانية ميزانية الحرس الثوري بنسبة 42٪ للعام المقبل، وأفادت وكالة «إسنا» للأنباء أن حكومة "روحاني" زادت ميزانية الحرس الثوري للعام المقبل إلى 260.000 مليار ريال إيراني، أي ما يعادل زيادة بنسبة 42٪ قياساً مع الميزانية المخصصة للحرس خلال العام الحالي.

ليس فقط قوة مالية بل قوة عسكرية قادرة على قلب الموازين بالداخل، ومن الصعب قيام "روحاني" باستعدائها، حيث يُعدُّ "الحرسُ الثوري" - (باسدران) بالفارسية - الجيشَ العقائدي والحرسَ الوفي للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران "علي خامنئي"، رغم أنه لا يُعدُّ من الناحية التنظيمية جزءاً من القوات المسلحة الإيرانية، بل يتمتع بقيادة مستقلة تتلقّى أوامرها من "خامنئي" مباشرة، ويتمتع بدور في مكافحة المجموعات المسلحة الناشئة عن المعارضة خاصة عبر جهاز استخباري مستقل.

أما قوات "الباسيج" وهم منظمة شبه عسكرية قوامها من الشباب وطلاب الجامعات تتبع هي الأخرى بأفرادها - المُقدَّر عددهم بعشرة ملايين شخص - أوامر الحرس الثوري الذي يقوم بتدريبها وتزويدها بالسلاح، وينخرط الحرس الثوري في كثير من المشاريع الاقتصادية، التي تُقدَّر بمليارات الدولارات في مجالات النفط والغاز والبنية التحتية. 

لماذا تحجيم الحرس السيناريو الأقل احتمالية؟

الحرس الثوري يتغلغل إذن في مفاصل الدولة الإيرانية، عبر قوة عسكرية واقتصادية وسياسية ونفوذ خارجي، ويصعب على الحكومة الدخول معه في صدام قد يجُرّ البلاد إلى حرب أهلية، أو صراع أجنحة عسكرية وسياسية.

الأكثر خطورة هو توقيت الاحتجاجات، فهي تأتي بسياق تحقيق "الحرس الثوري" نجاحات عسكرية واستراتيجية خارجية مع حلفائه، والآن جاء وقت الحصاد، أما التراجع فيؤدّي لخسائر لا يمكن تعويضها بعد أن أنفق النظام الإيراني مليارات الدولارات وتكبَّد خسارة آلاف المقاتلين الإيرانيين والأجانب والعرب ممن تم تجنيدهم من "الشيعة" بأذرع وميلشيات عسكرية، والتخلّي عنها أثناء اشتعال المعارك يُهدِّد مشاريع إيران القومية التوسعية في البحر "المتوسط والأحمر والعرب" ومشروع استكمال "الهلال الشيعي" الطائفي القائم على استقطاب شيعة بحروب مسلحة.

فقد تقدَّم "فيلق القدس" المسؤول عن العمليات الخارجية في "الحرس الثوري" الإيراني برئاسة اللواء "قاسم سليماني" مع أذرعه عسكرياً بعدة جبهات، والآن نظام الأسد يتقدّم على حساب المعارضة ويضربها في معاقلها بعدة مناطق منها "إدلب" بدعم روسي، مع اقتراب تسوية سياسية قسرية.

وبدأت إيران باستخدام الخط البري الواصل بين العراق وسوريا، ودخلت قافلةٌ مكونةٌ من "الحرس الثوري" الإيراني والحشد الشعبي العراقي الأراضي السورية عبر مدينة "البوكمال" واتجهت نحو محافظة "دير الزور" شرقي سوريا، وبهذا تكون "طهران" قد بدأت فعليًا باستخدام خط "طهران - دمشق" لأغراضٍ عسكرية.

في اليمن وتحت ضغط إطلاق صواريخ جماعة الحوثي - شيعية موالية لإيران - على الرياض، وبعد اغتيالها للمخلوع الرئيس اليمني "علي عبد الله صالح"، تضغط لحصد مكاسب سياسية؛ لضمان تمثيلها في السلطة.

عن موقفه من الاحتجاجات تحدَّث الحرس الثوري في بيان له عن أن أمريكا و"إسرائيل" وبريطانيا والجبهة المعادية للثورة في الداخل والخارج والرجعية "تتبع أسلوباً مخادعاً جديداً لإحداث فتنة في البلاد واستهداف حركة ثورتها خارج الحدود".

وهو خطاب يكشف اعتباره أن الاحتجاجات تأتي ضمن فتنة تستهدف قوته وحركته بالخارج في إطار مؤامرة دولية، بما سيجعله في حالة استنفار داخلي وخارجي.

ثانيا: امتصاص الغضب بإصلاحات اقتصادية الأرجح:

تُعدُّ الأزمات الاقتصادية هي السبب الرئيس لاندلاع الاحتجاجات؛ ولذا فإن السيناريو الأرجح هو القيادم بإصلاحات اقتصادية ولو على المستوى الجزئي والمناطقي ببؤر التظاهرات، مع إطلاق خطط تنموية جديدة وصولاً إلى الإصلاحات الهيكلية.

من جهته، قال نائب الرئيس الإيراني "إسحاق جهانغيري": إن الحكومة ستقوم بإصلاحات تدريجية، وهو ما سيؤدّي إلى تحسّن الأوضاع المعيشية التي اعترض عليها المحتجون في الأيام الأولى.

فقد خيّبت حكومات "روحاني" طموحات الشارع، وبخاصة بعد رفع العقوبات مع دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ وما صاحبه من صفقات اقتصادية ضخمة وبداية فكّ تجميد الأموال.

ولكن الواقع لم يتحسّن بعد مرور أربع سنوات على إدارة "روحاني" وتجديد فترة ولايته لمرة ثانية، فقد تآكلت الطبقة الوسطى، وزاد معدل الجريمة والبطالة مع انعدام فرص العمل، وذلك عكس الرؤية العشرينية الممتدة من (2005 - 2025) والتي بموجبها يتعيّن على الحكومات إيجاد 600 ألف فرص عمل سنويًا، الأمر الذي لم يتحقق.

وتُحذّر تقارير من أن هناك 3.2 مليون عاطل في إيران، منهم 2.19 مليون من الرجال، و1.01 مليون من النساء، بينما يبلغ معدل البطالة لدى الفئات العمرية التي تتراوح بين 15 و29 عامًا 25.9%.

 من جهته، أكّد رئيس تحرير القسم العربي في وكالة “مهر” الإيرانية "محمد مظهري"، أن الشرارة التي انطلقت من "مشهد" اقتصادية بالفعل، وتحتج على عمل الحكومة والانتكاسة التي لم تسمح لها بحل معضلة البطالة وحتى بالوقوف بوجه مخاطر عودة نسب التضخم الاقتصادي المرتفعة.

ويرى أن المحتجين الذين تقدّموا بشكاوى للقضاء ولمجلس الشورى الإسلامي ولمؤسسات حكومية لم يلقوا آذاناً صاغية من قبل الحكومة نفسها حول تعويضهم عن الخسائر المالية. وفيما يتعلق بـ "كرمانشاه" التي خرجت فيها احتجاجات أيضاً بعد "مشهد" و"نيشابور"، فإن المدنيين فيها يعانون أوضاعاً صعبة؛ بسبب ما خلّفه الزلزال الذي ضربها سابقاً.

في محاولة لتخفيف حالة الاحتقان الشعبي ولسد فجوة التوقعات، يحتاج "روحاني" إلى إنفاق المزيد من أموال الحكومة على خلق الوظائف وكبح التضخم من خلال دعم سعر صرف الريال وعمل المزيد من أجل التخلص من الفساد المستشري، بينما تُنذر محاربة الفساد برد فعل من أصحاب المصالح ذوي النفوذ الذين سيتضرّرون من الحملة في المقابل.

ويؤكّد "مهرداد عمادي" - خبير اقتصادي إيراني - أن "روحاني" يُواجه "تحدّياً هرقلياً" في محاربة الفساد على وجه الخصوص. لكنه رجّح أن "روحاني" قد لا يكون أمامه خيار. بحسب "رويترز".

ثالثا: سيناريو قمع الاحتجاجات.. متى؟ وكيف؟

يبقى احتمال قمع الاحتجاجات قائماً في ظل تصاعد الهتافات السياسية ورفع شعارات مثل "الموت للطاغية" في أكثر من مدينة إيرانية؛ للتعبير عن حالة الغضب السائدة جراء السياسات الاقتصادية والأمنية المفروضة عليهم منذ سنوات. ومعها الاحتجاجات ضد «حزب الله» واحتضان الميليشيات الطائفية التي يرعاها تحالف المرشد - الحرس الثوري في المشرق العربي.

مما سيفرض على النظام قيوداً جديدة بملف إرسال الشباب إلى ميادين القتال في الخارج، مع وقف التباهي بالتدخلات العسكرية بالخارج أو عدم الإعلان عنها والتكتم وممارسة التعتيم عليها.

وهناك مؤشرات على احتمال اللجوء لسيناريو القمع في حالة خروج الأمور عن السيطرة، فقد أعلن المتحدث باسم الحرس الثوري "رمضان شريف" أمس الإثنين أن الشرطة والأجهزة الأمنية لم تطلب مساندة الحرس حتى الآن في المناطق التي تشهد توتراً، وأعربت قاعدة "ثار الله" التابعة للحرس، ومقرها طهران، أنه في حال استمرار التوتر في العاصمة سيتخذ المعنيون قرارات لإنهاء هذه الحالة.

وفي بيان رسمي، أفادت هذه القاعدة بأن قواتها "جاهزة لأي مساعدة، وهو ما لا يتنافى مع قوانين مجلس الأمن القومي الأعلى".

وقد تتمكّن السلطات الإيرانية من قمع التظاهرات وإخمادها، وبالتالي شراء الوقت، على غرار ما حدث في 2009.

فهناك احتمال تراجع حدّة التظاهرات؛ نتيجة اتباع النظام سياسة مزدوجة تقوم أولاً على قمع السلطات المتظاهرين، بوصفهم «تجمعات مخالفة للقانون»، و«مجموعات معادية للثورة تحاول إثارة الاضطرابات في البلاد»، علــى ما صـرّح مسؤولون إيرانيون، وتقوم ثانياً على استجابة حكومة الرئيس "روحاني" لبعض مطالب المحتجين ذات الأبعاد المطلبية، وربما التراجع عن بعض السياسات التقشفية أو زيادة الأسعار.

رابعا: سيناريو خروج مظاهرات مضادة.. سيناريو حذر:

تبقى ورقة توظيف مؤيدي النظام في مواجهة معارضيه وحشدهم بالميادين "سيناريو حذر" وخطير وقد يتسبّب في وقوع حرب أهلية، ويبقى حتى الآن ورقة ضغط وتهديد، فالرئيس الإيراني "حسن روحاني" أمس الإثنين، لوَّحَ بأن "الإيرانيين سينزلون للشوارع لحماية ودعم النظام الإسلامي وللرد على مثيري الشغب إذا ما لزم الأمر"، مضيفاً "أن حكومته ستتعامل مع الاحتجاجات ذات المطالب الحقيقية كفرصة لحل المسائل لا كتهديد".

فيما أفادت بعض المواقع بأنه من المتوقع أن تخرج مظاهرات ضخمة في طهران الجمعة، ويتوقف سيناريو الحشد المضاد على حجم ونوعية ومطالب التظاهرات الرافضة للنظام، وقد يلجأ لها بأماكن محددة منعاً للاحتكاك، كنوع من إظهار تمتعه بشعبية وجماهيرية ولتهديد المحتجين.

خامسا: سيناريو نجاح التظاهرات وتمددها:

تأتي ضمن السيناريوهات المحتملة امتداد التظاهرات واتساعها، بما قد يُكسبها مزيداً من التأثير والجـدّية في فرض شروط على النظام لتعديل المسار، ونكون بذلك أمام فاعل سياسي جديد على الساحة الإيرانية، وهذا المسار يتطلّب دعماً قوياً من قبل المعارضة الإيرانية في الخارج والداخل بجانب توفر ضغط قوي خارجي مزدوج دولي وإقليمي وعربي على النظام، إلا أنه يحمل مخاطر دفع فاتورة بشرية أكبر أثناء الاحتجاجات المتوقع قمعها في حال خرجت عن السيطرة أو السلمية أو صارت تُهدّد بتشكيل حكومة في المنفى.