العقارات للتجارة وليس للسكن.. «اسألوا التعويم» «قراءة»

العقارات للتجارة وليس للسكن.. «اسألوا التعويم» «قراءة»

11:07 ص

10-يناير-2017

تعويم الجنيه دفع أصحاب المدخرات إلى سوق العقارات، بعد صعوبة تحويل أموالهم إلى دولار أو ذهب، ليتحول القطاع العقاري إلى مجال للاستثمار وليس للسكن، وهي وظيفته الأساسية، فعاد الشباب للعشوائيات والبناء على الأراضي الزراعية

منذ قرارات "الخميس الأسود"، 3 نوفمبر الماضي، بتعويم الجنيه، فُرضت على المصريين معادلات جديدة في معيشتهم اليومية، أضحت فيها احتمالات الحل قليلة، وباتت الصعوبة هي القاسم المشترك.

انهيار قيمة الجنيه كان التحدي الأكبر أمام الجميع، الرواتب فقدت جزءًا معتبرًا من صحتها، لكن الخوف الأكبر كان من نصيب أصحاب المدخرات، التي تعرضت لضربة أفقدتهم التوازن.

الدولار والذهب والعقارات، خيارات ثلاثة مثلت بدئل معقولة، أمام المتضررين، لكن الأخير ظل أكثر قبولا ومنطقية، فمع صعوبة الحصول على الدولار، وعدم استقرار أسعار الذهب، ظهرت العقارات على أنها الحل الأكثر عقلانية وأقل مخاطرة.

الاستثمار في العقار خلال الشهرين الماضيين شهد تصاعدًا كبيرًا، بشكل يفوق معدلات الإقبال عليه قبل خطوة تعويم الجنيه.

أبرز النتائج المباشرة تمثلت في زيادات إضافية في أسعار العقارات، ومواد البناء، وبات الأمر استثماريًا بحتًا، هنا ظهرت مشكلة أخرى.

الضحايا شباب

الشبان الذين يبحثون عن وحدات سكنية لتأثيث بيت الزوجية كانوا أبرز الضحايا، وكذلك الذين يبحثون عن السكن للسكن، وليس الاستثمار.

حسن فؤاد، صاحب شركة استثمار عقاري بمدينة السادس من أكتوبر، يقول إن الحراك في السوق زادت وتيرته، ولكن بشكل انتقائي، حيث ارتفع الطلب على الأراضي والعقارات الكاملة، أو المبنية بشكل جزئي، مقارنة بالشقق.

ثمة ملاحظة أخرى يشير إليها "فؤاد"، وهي أن معظم المشترين للأراضي والعقارات من كبار السن أو في المرحلة السنية ما بين 35 إلى 55 عامًا، بينما الشباب في المرحلة العمرية من 25 إلى 35 عامًا باتوا يطلبون وحدات سكنة للإيجار، وليس التمليك.

الارتفاعات السعرية جعلت مسألة تملك وحدة سكنية أو عقار حكرًا على من يمتلك أموالا مدخرة يريد تحويلها إلى استثمار في هذا العقار.

ظاهرة العقارات الفارغة أو غير المكتملة في المدن الجديدة تزايدت بشكل ملحوظ، وأصبح من المألوف أن ترى عشرات العقارات المبنية، والجاهزة للسكن، خاوية على عروشها.

أقساط "مريحة"

شركات التسويق العقاري لجأت إلى بدائل سريعة لجذب الشباب، والمستمثرين إليها، بعد الارتفاعات الكبيرة في أسعار العقارات، وبحسب المهندس إيهاب ابو المجد، رئيس مجلس إدارة شركة كونسبت للتطوير العقاري، فقد لجأت الشركات إلى مد آجال السداد إلى فترات لم تكن متوفرة فى السابق لتصل إلى 10 و 12، فى محاولة لتخفيف آثار الارتفاعات والحفاظ على معدلات البيع ولتتواق مع دخول العملاء.

وأكد أبو المجد، أن العقار لا زال يمثل الاستثمار الأمن عن  غيره من الأوعية الادخارية وان معدلات النمو فى الأسعار مرتفعة وتحقق عائد مرتفع لراغبى الشراء بهدف الاستثمار.

"آخر فيصل"

حتى الواحدات السكنية في المدن الجديدة باتت خارج متناول الكثير من الشباب، الذين توجهوا نحو الوحدات بمناطق أخرى، لا تزال أسعارها في متناول قدراتهم، كمناطق فيصل والهرم، والتي تشهد بناء الكثير من الأبراج الشاهقة، والتي تضم أعداد كبيرة من الشقق، تباع بأسعار تقل كثيرًا عن المدن الجديدة، وغيرها من المناطق.

"محمد عبد الغني"، 26 عامًا، يروي أنه ذهب إلى مكتب تسويق عقاري بمدينة السادس من أكتوبر، للبحث عن وحدة سكنية، بعد أن كون مبلغا من المال وأقرضته أسرته مبلغا آخر ليستطيع شراء شقة تحضيرًا للزواج، لكنه وجد أن سعر الشقة الواحدة في 6 أكتوبر، بمساحة 120 مترًا، تجاوز 400 ألف جنيه، وحينما سأل عن الإيجار، وجد أن حده الأدني يبدأ من 1200 جنيهًا شهريًا.

يستطرد: لم يكن أمامي إلا الذهاب إلى منطقة "آخر فيصل" من ناحية الطريق الدائري، بعدما سمعت عن توافر شقق هناك بأسعار معقولة، وبالفعل ابتعت واحدة في الدور الحادي عشر بأحد الأبراج، بمبلغ 250 ألف جنيه، لكنها كانت بدون عداد كهرباء أو مياه، لأن الدور مخالف.

تبقى الإعلانات الفاخرة للوحدات السكنية داخل "الكمباوندات"، و"الفلل" دليلا مزيفًا على رواج لا يؤدي مهمته الصحيحة، فالسلع تذهب إلى غير المحتاج، بينما يقف الأخير حائرًا أمام الارتفاعات السعرية المستمرة.

مدن "صحراوية"

اقتصار القطاع العقاري على الاستثمار، دون السكن، أدى إلى أن المدن الجديدة التى أنشئت فى الصحارى المصرية منذ السبعينيات وحتى اليوم باتت تعانى من نسب إشغال بالغة التدنى يضعها البعض عند ما بين ٥ و١٥٪، وما هو يعنى أن هذه التوسعات لا تخدم الغرض الأصلى منها وهو استيعاب السكان.

التلبية الحقيقية للطلب على المساكن فى مصر، عادت مرة أخرى إلى المناطق العشوائية على الأراضى الزراعية أو الأراضى المملوكة للدولة، وتكفى الإشارة إلى أنه نحو ٦٠٪ من الكتلة العمرانية فى القاهرة عشوائية، والتى تحوى نحو٧٠٪ من السكان.

القدرات الشرائية للمواطنين قلت كثيرًا، وبالتالي أصبح العثور على وحدة سكنية في منطقة عشوائية، أو البناء على الأراضي الزراعية حلا أفضل لمن يريدون العقار للسكن وليس الاستثمار.

الوضع الحالي، استمراره سيؤدي إلى ركود مستقبلي، فالحركة على شراء العقارات تتم الآن على مستوى حلقة واحدة، بينما يظل التتابع غير موجودًا، فالمستثمر العقاري الذي وضع مدخره في وحدة أو أرض أو مبنى في كثير من الأحيان لا يحتاجه للسكن، ولكن في الوقت نفسه، لا يستطيع بيعه بسهولة.