بعد الفساد والأزمات.. تغيير الحكومة.. أسئلة وإجابات «تحليل»

بعد الفساد والأزمات.. تغيير الحكومة.. أسئلة وإجابات «تحليل»

01:40 م

11-يناير-2017

لماذا يكثر الحديث عن وجود تعديلات وزارية دون أن تخرج بالفعل؟ سؤال يتردد كثيرا في ظل استمرار حكومة "شريف إسماعيل"..

لماذا لم تتغير حكومة شريف إسماعيل بعد كل تلك الإخفاقات؟ هل هناك سر في الإبقاء عليها؟

لماذا يطفو على السطح من حين لآخر أسماء قيادات سابقة بالجيش لتولي الحكومة ثم يبقى الوضع كما هو عليه؟ وكيف نفهم طبيعة التصريحات الحكومية نفسها التي تؤكد على عدم التغيير؟

وما معنى أن يخرج رئيس الوزراء "شريف إسماعيل" بنفسه ليؤكد أنه لن يترك موقعه إلا بطلب من الرئيس السيسي نفسه؟ وهل يعزز هذا الفرضية القائلة بأن رئيس الحكومة في مصر مجرد "سكرتير" للرئيس؟

وما معنى ذلك في ظل كل تلك الإخفاقات؟ هل تحاسب الحكومة أم يحاسب من يديرها على وجه الحقيقة؟.. بمعنى أدق: أين التقارير البرلمانية ودورها في محاسبة الـ ...."حكومة" والإبقاء عليها أو الإطاحة بها؟

لعل تلك الأسئلة وغيرها عشرات تلخص مشهد الترابط بين المؤسسة والفرد في مصر، وتختزل في الوقت نفسه طبيعة الأنظمة في عالمنا العربي من حيث تماهيها في الفردية!

فحينما يخرج السفير أشرف سلطان ، المتحدث باسم مجلس الوزراء، لينفي وجود أي تعديل وزارى خلال الأيام المقبلة.. فهذا يعني أن كل التكهنات التي حدثت خلال الأشهر السابقة لم تكن إلا فقاعات في الهواء ربما لمحاولة امتصاص الغضب المتصاعد

المتحدث باسم الحكومة "منطق" تبريره قائلا خلال مداخلة هاتفية له لبرنامج "90 دقيقة" على فضائية "المحور": التعديل الوزاري يتم بناء على دراسة تقييم أداء عمل الوزراء، والفترة الحالية لا تحتمل أي تعديل لذلك..

حديث السفير يبدو إجابة مقنعة منطقية في ظل القيام بتقييم حقيقي للآداء، والذي يجعل التغيير واجبا وقتيا بعد كل تلك الازمات التي فرضتها سياسات الحكومة..

حكومة الأزمات

المنطق يفرض كما يؤكد المتحدث باسم الحكومة أن تقييم الأداء هو الفيصل في التغيير أو التعديل، ولا أصدق من لغة الأرقام ونبض الشارع الذي ينعكس منه هذا التقييم..

نقص تام لأغلب السلع الأساسية على مدار العام، وغلاء اشتعل في أسعار كافة المنتجات، وسياسات تقشفية صعبة خضع لها المواطن دون المسؤلين، وأدوية ومنتجات حيوية اختفت من الأسواق، وتراجع حاد للجنيه أمام باقي  العملات.

جميع  ذلك وأكثر كان جانبا من أزمات تعرض لها المواطن المصري على مدار العام بسبب سياسيات الحكومة الصعبة، التي تم تشكيلها في 19 مايو 2015، برئاسة المهندس شريف إسماعيل، الذي كان قادما من وزارة البترول في حكومة من سبقه "إبراهيم محلب".

لم تكن الأزمات الاقتصادية وحدها التي أثارت الجدل حول أداء حكومة "إسماعيل" خلال العام الماضي والأشهر الذي سبقته، لكن قضايا أخرى حيوية، وضعت الحكومة وربما السلطة نفسها في مأزق وحرج شديد، كعودة ملف التعذيب في أقسام الشرطة الذي انتشر العام الماضي بشكل واضح وتسبب في مقتل العشرات من المواطنين، ومنها بعض القضايا التي تم تدويلها كقضية الباحث الإيطالي "جوليو ريجيني".

وعلى مستوى مفردات الوزارات تاتي مثلا وزارة التعليم من حيث التصاقها بكل البيوت والأسر، حيث أزمات من نوعية عمليات تسريب الامتحانات المتكررة لطلاب الثانوية العامة، بالإضافة إلى تراجع مصر الحاد في مؤشر التنافسية العالمية في جودة التعليم.

وفساد أيضا

وطبقا للتقييم الذي يتحدث عنه المتحدث باسم الحكومة فإن الفساد احد المؤشرات الأكثر اهمية في رصد نتائج هذا التقييم، وبحسب التقارير الرقابية فإن عددا من وزراء شريف إسماعيل واجهوا اتهامات بالفساد..

"وزير التموين ـــــ خالد حنفي" كان أبرز الوزراء الذين ذكر اسمهم في قضية فساد شهيرة وقدم استقالته على إثرها، وهي قضية فساد صوامع القمح، التي انطلقت الشرارة الأولى لها في منتصف يونيو الماضي عندما أعلن الوزير أن الحكومة بلغت رقما قياسيا في شراء القمح من الموردين المحليين مقداره خمسة ملايين طن، وعندما تم التحقيق في الموضوع تبين وجود قضية تلاعب بقيمة تجاوزت 620 مليون جنيه أي ما يعادل أكثر من سبعين مليون دولار.

كما اتهم حنفي باستغلال أموال الدولة  حيث أقام بفندق فاخر وسط القاهرة، لكنه نفى الواقعة وقال إنها على نفقته الخاصة دون أن يوقف وبعدها تقدم باستقالته.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "الفجر" التي يترأس تحريرها عادل حمودة الصحفي القريب من السلطة، فإن وزاء آخرين حامت حولها شبهات الفساد لكنهم لم يتم إقالتهم بعد.

وزير الأوقاف الدكتور "محمد مختار جمعة"، أحد هؤلاء الوزراء، حيث لاحقته اتهامات بتسفير زوجته وأولاده على نفقة الدولة ضمن البعثة الرسمية للحج العام الماضي 2015، وأخرى تقول أن الوزير قام بتشطيب شقته السكنية بمنطقة المنيل وتحميل الوزارة التكاليف كاملة دون أن يدفع الوزير أية مصروفات، بتكلفة وصلت إلى 772 ألف جنيه، في الوقت الذي تعاني فيه الدولة من أزمة اقتصادية طاحنة.

كما أحاطت وزير الصحة، أحمد عماد راضي، شبهات الفساد وإهدار المال العا م، والتي كان آخرها القبض على أحد مستشاريه لشئون أمانة المراكز الطبية المتخصصة الدكتور أحمد عزيز، متلبسًا بتقاضي رشوة مالية قدرها 4.5 مليون جنيه، من إحدى شركات الأجهزة والمستلزمات الطبية بمقر ديوان عام وزارة الصحة.

لماذا شائعات التغيير؟

السؤال هنا قد يبدو منطقيا حينما تكثر تلك الشائعات، لكنه وفي الوقت نفسه يبدو ساذجا بالنظر لتكراره كثيرا حتى في عهود سابقة؟

أزمة طاحنة يتحدث عنها الجميع.. تنفيس إعلامي متعدد المفردات.. منه مقدموا برامج التوك شو المسموح لهم بالنقد، منه بعض التقارير المصورة التي تخرج حالة الغضب المكتومة، منه عناوين صحف سيارة تخرد بالبنط العريض لتؤكد زوال الحكومة التي تسببت بقراراتها في تلك الأزمة..

سيناريو يكاد يكون محفوظا.. غرضه دوما البعد عن تحميل أي مسئولية لرأس النظام، وجعل الحكومة كبش فداء في مثل تلك القرارات الصعبة..

حدث ذلك بعد قرارات رفع الدعم جزئيا مثلا عن الوقود في المرة الأخيرة، ففي 23 أكتوبر الماضي مثلا نشرت صحيفة اليوم السابع تقريرًا أكدت فيه أن هناك 7 وزراء مرشحون للخروج من الحكومة خلال أيام أو أسابيع قليلة، وهم وزراء "التربية والتعليم، والتعليم العالي، والثقافة، والري، والآثار، والتضامن الاجتماعي، والبيئة، ولم يحدث شيء من ذلك.

وقبل ذلك بشهرين وتحديدا في أواخر أغسطس الماضي، تحدثت صحف أخرى من بينها "البيان الإمارتية" بأن شريف إسماعيل بنفسه قد يتم الإطاحة به قريبًا، مع وزراء "التربية والتعليم والصحة والتموين والتجارة الداخلية والتنمية المحلية والاستثمار والنقل والسياحة والزراعة والأوقاف".

أمام تلك التقارير المتكررة يخرج شريف إسماعيل بنفسه محاولا حسم الأمر، مؤكدًا، في تصريح يوم 24 أكتوبر المنصرم، أنه لن يستقيل إلا بأوامر مباشرة من الرئيس السيسي!!

خروج إسماعيل وإدلائه بتصريح كهذا يثبت طبيعة الحكومات في مصر منذ الثالث والعشرين من يوليو 1952م، والتي لا يخرج توصيفها الحقيقي عن كونها "سيكرتارية" لرئيس الجمهورية.

لا غضاضة في الأمر... فلن أستقيل إلا إذا أمر الرئيس، لا برلمان، ولا احزاب، ولا تقارير من أجهزة رقابية... الرئيس يأمر ونحن ننفذ.. ربما كان "شريف إسماعيل" "أذكى أخوته" بهذا التصريح الذي يعلن فيه الحقيقة بصورة غير مباشرة، كي يؤكد أن الموضوع كله بأمر "الرئيس" .. وجودنا وعدم وجودنا.. وبالتالي كل قراراتنا هي في الحقيقة قراراته هو، وعليه فالحساب ليس لنا وإنما له هو!!!

إذن فقد انكشف المستور

لا يحتاج سؤال "لماذا الإبقاء ؟" بعد ذلك لمزيد بيان... فالأمر واضح وضوح الشمس...

فالـ "سيسي" أعلن انه "لن يتردد في أخذ قرارات صعبة تردد غيره كثيرا على مدار سنوات في اتخاذها.." وهذه القرارات لها تبعاتها على الشعب، وتحتاج في ذروة هذه التبعات لكبش فداء يتم سبه ولعنه وإفراغ شحنات الغضب فيه.. وبالتالي فإن الإبقاء على حكومة "شريف إسماعيل" امر حتمي حتى تكون حائط صد أمام تلك الشحنات..

أيضا عدم الرغبة في تلويث سمعة إحدى الشخصيات العسكرية السابقة ... سواء العصار أو مميش أو غيرهما... بتوليه الحكومة كي لا يضاف لسجل الفشل العسكري في الوظائف المدنية أحد أسباب الإبقاء.. بحسب مراقبين.