ملف «سد النهضة» في قبضة المخابرات.. هل حسمت مصر خياراتها؟

ملف «سد النهضة» في قبضة المخابرات.. هل حسمت مصر خياراتها؟

02:53 ص

11-يناير-2017

هل انتهى دور الدبلوماسية، وحسمت مصر خياراتها بالتدخل العسكري لإنهاء أزمة سد النهضة؟، وما الشواهد على ذلك؟.

هل تختلت أو أُجبرت الدبلوماسية المصرية عن ملف "سد النهضة" الإثيوبي، ليصبح في قبضة المخابرات؟، وهل حسمت مصر خياراتها للتعامل العسكري مع الأزمة، وسط غياب أو فشل الأفق السيسي لحلها؟.

التساؤلات في حد ذاتها ليست جديدة، لكنها متجددة مع كل خطوة تخطوها مصر في هذا الاتجاه، رغم الاتفاق الثلاثي المبدئي الذي وقعته مع السودان وإثيوبيا في مارس 2015.

الاتفاق كان يُستهدف منه تبديد مخاوف مصر والسودان، من تأثير بناء السد على حستهما المائية من مياه النيل، لكن يبدو أنه لم يفعل، بينما على الجانب الآخر استمرت أديس أبابا في البناء.

فما الجديد في القضية؟

تدمير السد

شاهد جديد، طفا على سطح الأحداث قد يكون كفيلًا بتغييرها إلى البد، وهو ما كشفته صحيفة جنوب سودانية عقب زيارة رئيس بلادها للقاهرة ولقاءه بالرئيس عبدالفتاح السيسي.

صحيفة "ساوث سودان نيوز" المحسوبة على المعارضة المسلحة في جنوب السودان، قالت إن رئيس الدولة سلفاكير اتفق مع السيسي على خطة من أجل "تدمير سد النهصة" الإثيوبي.

الصحيفة الصادرة من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، قالت إن القاهرة وجوبا، وقعتا اتفاقًا غير معلن للإبقاء على سلفا كير في السلطة، مقابل مساعدته مصر على تدمير سد النهضة.

ونقلت الصحيفة عن أحد المتمردين، الذي رفض ذكر اسمه، قوله: "الرئيس الأوغندي  موسيفيني توسط في صفقة قذرة تمنح سلفا كير فرصة لتسلم أسلحة مدمرة وذخائر من القاهرة لشن حرب واسعة النطاق ضد المعارضة المسلحة".

وادعى الرجل أن هناك أيضا صفقة بين السيسي وكير تتعلق بسد النهضة الإثيوبي، وهي الصفقة الرئيسية التي تضمنتها زيارة كير للقاهرة.

المتمرد الجنوب سوداني تابع: "أكد مصدرنا الاستخباري في كمبالا وجوبا أن مصر تريد من جنوب السودان وأوغندا أن يكونا حليفاها الإقليميين كي تتمكن من إدارة حملتها التخريبية السرية ضد سد النهضة".

الأنباء تأتي بعد أسابيع قليلة من الزيارة التي قام بها السيسي إلى أوغندا والتقى نظيره موسيفيني.

قبضة المخابرات

تلك الأنباء، إن صحت، فإنها تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن مصر حسمت خياراتها بالتدخل العسكري لإنهاء أزمة سد النهضة، خلافًا للموقف المعلن الذي يضع الملف برمته في يد وزارتي الخارجية والموارد المائية والري.

ثمة شواهد أخرى ترجح صحة ما يتم تداوله بهذا الشأن أبرزها إعلان السفير المصري في أديس أبابا أبو بكر حفني، أواخر يناير الماضي، أن مصر تولت الإشراف على ملف القوة العسكرية في شمال أفريقيا في إطار الجهود الرامية لتشكيل قوة عسكرية إفريقية مشتركة للحفاظ على السلم والأمن.

الشاهد الثاني بالتزامن مع القوة العسكرية، يبدو في اصطحاب السيسي خلال جولته بإثيوبيا يناير 2016، مير جهاز المخابرات العامة، اللواء خالد فوزي، متجاهلاً وزير الموارد المائية والري "لأول مرة".

الزيارة التي تلت التوقيع المبدئي على الاتفاقية الثلاثية بأقل من عام، تشي بأن مصر أدركت أن المفاوضات الفنية والتفاصيل الدبلوماسية لا طائل من ورائها.

وفي 12 يناير 2016، التقى السيسي في اجتماع مغلق استمر لساعتين كلًا من وزيري الدفاع والري ومدير المخابرات.

وفى السياق استقبل رئيس أركان القوات المسلحة الفريق محمود حجازي، نظيره الزامبي، في  فبراير 2016، لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين، في خطوة موازية لتشكيل التحالف العسكري الأفريقي.

العقلية المخابراتية

ولعل الأنباء المتداولة تشير إلى اتجاه القيادة المصرية إدارة ملف سد النهضة كجزء من ملفات الدولة، التي تسيطر عليها ما يسميه البعض "العقلية المخابراتية" أو العسكرية على شؤون الدولة.

تلك العقلية، التي تؤمن بأن الشخصيات ذات الخلفية العسكرية هي القدر والأجدر بقيادة مؤسسات الدولة في الظروف الصعبة، وهو ما تروج له وسائل الإعلام القريبة من السلطة.

عملية الترويج تعتمد على أن هؤلاء العسكريون يتمتعون بانضباط وسرعة إنجاز وغيرها من المواصفات التي لا تتوفر في المدنيين.

ولعل إسناد العديد من المشروعات الكبرى لأجهزة عسكرية هو خير دليل على التطبيق العملي تلك السياسة.

الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، هيئة الإنتاج الحربي، جهاز الخخدمات العامة، الهيئة العربية للتصنيع، تمثل 4 هيئات كبرى تابعة للجيش تدير غالبية ملفات الدولة.

ليست نزهة

وبطبيعة الحال فإن خيار توجيه ضربة عسكرية إلى سد النهضة لن يكون نزهة لمصر، بل عملية لها حسابات اقتصادية وسياسية وعسكرية معقدة.

ووفق هذا السيناريو تلجأ مصر، إلى تنفيذ عملية عسكرية خاطفة تقوم من خلالها بتوجيه ضربة جوية لمنشآت سد النهضة الإثيوبي، سواء بشكل مباشر، أو عبر الوسيط السوداني.

في الحالة الأولى، يتوجه الطيران العسكري المصري مباشرة لتوجيه ضربة خاطفة وحاسمة إلى ما أنجز من سد النهضة وبنيته التحتية وملحقاته الفنية، ثم تعود مباشرة إ لى مصر.

لكن هذا المسلك تقيده قدرات الطيران المصري اللوجستية، حيث يفتقر إلى تقنيات الإمداد الجوي التي تمكنه من الطيران لمسافات طويلة، وفق خبراء عسكريين.

وبحسب تقرير مؤسسة ستراتفور للاستخبارات الدولية والمعنون "خيارات مصر العسكرية المحدودة لإيقاف مشروع سد النهضة الأثيوبي"، فإن الحسم العسكري الجوي غير المباشر قد يلقي بتبعات بالغة الخطورة على السودان، الجار المباشر لإثيوبيا، ربما تصل إلى مرحلة الحرب التامة بين البلدين.

ومن ثم فقد لا ترحب السودان بتنفيذ المقاتلات المصرية أي عمل عسكري تجاه إثيوبيا انطلاقًا من أراضيها، وهو أمر ربما تتفهمه القيادة المصرية.

تصورات أخرى لتنفيذ هذا السيناريو، تتمثل في تسلل مجموعة من القوات الخاصة المصرية بريًا من الحدود السودانية إلى موقع سد النهضة القريب من تلك الحدود لتفخيخه وتفجيره عن بعد في عملية نوعية.

هذا السيناريو تعززه المهارات الاستخباراتية والعملياتية التي تتمتع بها القوات المسلحة المصرية والتي سبق لها الاضطلاع بعمليات من هذا القبيل.

إجمالًا، فإن سيناريو الحسم العسكري بأي صورة سيكون لها تداعيات كبيرة، على الصعيدين الدولي والإقليمي، مع الأخذ في الاعتبار النفوذ الإسرائيلي الكبير في أفريقيا عامة وإثيوبيا على وجه الخصوص.

النفوذ الإسرائيلي الذي يترافق مع علاقات قوية بين الاحتلال والنظام المصري، قد يعيق سيناريو التدخل العسكري من الأساس  وربما تكسب إثيوبيا تعاطف العالم، وتتكون صورة سلبية عن الحكم في مصر، الذي ينظ، أو يؤخره إلى أبعد حد ممكن.

التكلفة الاقتصادية العالية، في ظل الظروف الطاحنة التي تمر بها مصر، تقف كحاط صد قوي أمام تلك الضربة العسكرية المزمعة.

دور تاريخي

ولعل أزمة سد النهضة تقود إلى الحديث عن الدور المصري في أفريقيا، وهو الأمر الذي يمتد إلى زمن الحركات التحررية في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.

مصر اتخذت حينها مساندة الحركات التحررية في القارة السمراء، موطىء قدم لها هناك، من خلال الشركات الاقتصادية التي كانت ستارًا لعمليات مخابراتية واسعة.

بعض تلك العمليات كشفتها مذكرات ضابط المخابرات "محمد غانم"، الذي قاد على مدار عقود خلايا المخابرات في دول مثل ساحل العاج، تنزانيا، النيجر.

لكن على حساب الدور المصري الذي تضاءل شيئًا فشيئًا في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، تضخم النفوذ الإسرائيلي بسرعة غير مسبوقة، كما ازداد النفوذ الإيراني من خلال حملات التشيع التي تقودها الدولة الفارسية.