تهريب السلاح إلى ليبيا.. هل ورط «صهر السيسي» مصر في أزمة دولية؟

تهريب السلاح إلى ليبيا.. هل ورط «صهر السيسي» مصر في أزمة دولية؟

07:21 م

11-يناير-2017

قبل معرفة حقيقة الاتهامات الموجه لمصر بتهريب سلاح إلى ليبيا، يجب إلقاء نظرة سريعة على طبيعة العلاقة بين مصر وليبيا منذ قيام الثورة الليبية، والإطاحة بالقذافي.

"هناك أدلة على إرسال مصر أسلحة الى ليبيا وهو ما يعد انتهاكًا للحظر المفروض من الأمم المتحدة بهذا الخصوص" بتلك الكلمات أثار جوناثان واينر ــ المبعوث الخاص الأمريكي إلى ليبيا، موجه من الجدل الواسع حول اتهام مصر وتورطها في تهريب سلاح لليبيا بالمخالفة للحظر الدولي.

الاتهامات الخطيرة التي وجهها المبعوث الأمريكي لليبيا، لمصر خلال مقابلة أجراها مع هيئة الإذاعة البريطانية "BBC" ربما تكون لها تداعيات خطيرة على مصر إن ثبتت صحتها، خاصة وأن مجلس الأمن الدولي سبق وأن رفض مشروع قرار مصري يطالب برفع حظر السلاح عن ليبيا.

وزارة الخارجية المصرية بدورها، سارعت ونفت اتهامات "جوناثان واينر" وأكدت أن مصر ملتزمة بقرارت مجلس الأمن، وليس هناك أي مجال للخروقات في هذا الشأن.

ونقل موقع هيئة الإذاعة البريطانية قول المستشار أحمد أبوزيد، المتحدث باسم وزارة الخارجية، في مداخلة هاتفية، مساء الثلاثاء، إنه "لم يتم إطلاعنا في أي مرحلة من المراحل على مثل هذه البيانات، وإذا كان هناك أي بيانات أو وثائق موثقة فيجب على اللجنة إتاحتها للحكومة المصرية للرد عليها".

لكن وعلى الرغم من هذا النفي، فإن تساؤلات واسعة باتت مطروحة على الساحة بشأن الدور الحقيقي الذي تلعبه مصر في الأزمة الليبية، وهل لتلك الاتهامات علاقة بتولية الرئيس عبدالفتاح السيسي، صهره رئيس أركان الجيش محمود حجازي الملف الليبي، ولماذا تطالب مصر بصفة مستمرة بكسر حظر السلاح المفروض على ليبيا؟ وهل سينتهي الأمر عند اتهامات المبعوث الأمريكي ورد الخارجية المصرية أم ستتطور الأمور إلى ما هو أبعد من ذلك؟.

السيسي وحفتر

 

 قبل معرفة حقيقة الاتهامات الموجه لمصر بتهريب سلاح إلى ليبيا، يجب النظرة السريعة على طبيعة العلاقة بين مصر وليبيا منذ قيام الثورة الليبية، والإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، وحتى اليوم.

فقد ظلت مصر طوال السنوات الثلاث التي أعقبت الإطاحة بالقذافي، تقف على مسافة قريبة من الفرقاء السياسيين في ليبيا، خصوصًا بعد تأزم الأوضاع هناك، وانقسام البلاد لحكومتين الأولى في طرابلس يقودها شخصيات محسوبة على التيارات الإسلامية، وأخرى في طبرق محسوبة على تيارات ليبرالية.

عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في تحركات الجيش في الثالث من يوليو 2013، تغير التعامل المصري مع الملف الليبي، أولت مصر اهتمامًا خاصًا بالملف الليبي، وانحازت السلطة في مصر، لطرف دون طرف، وقررت دعم التحركات التي قام بها اللواء المتقاعد في الجيش الليبي خليفة حفتر، لمحاربة ما أسماه الإرهاب في ليبيا.

ظلت العلاقات بين مصر وليبيا متباينة، حتى قامت قوات من سلاح الطيران بالجيش المصري في فبراير 2015بشن ضربات جوية باستخدام طائراته المقاتلة من طراز إف-16 على مدينة درنة،التي تُعد إحدى موانئ شرق ليبيا،انتقاماً لمقتل 21 شخصاً بطريقة مروعة معظمهم من الأقباط المصريين على يد جماعة تطلق على نفسها اسم "ولاية طرابلس" التابعة لتنظيم الدولة"داعش".

عقب تلك الضربات انتشرت أحاديث عن إمكانية تدخل مصر العسكري في ليبيا حال عدم دعم الجيش الليبي وعدم رفع الحظر الأممي على تسليحه، كما واصل "السيسي" مطالبته في أكثر من محفل دولي بدعم الجيش الليبي بالسلاح ورفع الحظر عنه.

وكان مجلس الأمن قرر حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا في فبراير 2011، كما قرر في يونيو الماضي الإذن للعملية البحرية الأوروبية "صوفيا" التي تعمل قبالة الشواطئ الليبية بفرض تنفيذ الحظر على السلاح المفروض على ليبيا.

مجلس الأمن يرفض

 

وفي الشهر نفسه "فبراير 2015" تقدمت كلا من مصر وليبيا "حكومة طبرق" بمشروع قرار يطالب برفع حظر السلاح عن الجيش الليبي بعد أن كشف تسجيل فيديو لإعدام 21 قبطيًا مصريًا عن وجود تنظيم "داعش" في ليبيا.

ودعا القرار المصري لرفع حظر تصدير السلاح إلى "الجيش الوطني الليبي تحت قيادة السلطة التنفيذية الشرعية في ليبيا"، في إشارة إلى الحكومة المنبثقة عن مجلس النواب المنعقد في طبرق (شرقي ليبيا).

مشروع القرار تم رفضه وقتها بشكل قاطع من مجلس الأمن خشية تسرب الأسلحة إلى الجماعات المسلحة العديدة في ليبيا المقسمة بين سيطرة حكومتين، إحداهما تحظى باعتراف دولي في شرقي البلاد، والأخرى تحظى بدعم ميلشيات مسلحة محسوبة على تيارات إسلامية.

 

وفي نهاية العام وتحديدًا في ديسمبر2015، نجحت وساطات دولية وعربية في مقدمتها "تونس والجزائر والمغرب" في إقناع الفرقاء السياسيين في ليبيا بتشكيل حكومة وفاق وطني، تم الاتفاق عليها في مدينة الصخيرات في المغرب، لتحظى هذه الحكومة بدعم دولي، غير أنها لم تحل أزمة الصراع السياسي في ليبيا، كما أنها لم تقنع بصورة أو بأخرى النظام المصري في قدرتها على التصدي للتيارات المسلحة.

ولهذا السبب استمرت مصر في دعم اللواء المتقاعد الذي رقى نفسه بعد ذلك إلى رتبة "المشير" خليفة حفتر، في عملياته العسكرية الذي يقودها ضد المسلحين في ليبيا، بعيدًا عن حكومة "الوفاق الوطني" المعترف بها دوليًا.

زيارات حفتر السرية

 

ومنذ إعلان حفتر عن تدشينه لما يعرف بعملية الكرامة التي يقول أنه يحارب فيها التيارات الإرهابية في ليبيا، ولم تتوقف زياراته السرية للقاهرة، بهدف البحث عن الدعم العسكري والسياسي من السلطات المصرية.

رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي، يعد أبرز أهداف زياراته الخارجية، خاصة وأن السيسي، قد صرح في نوفمبر الماضي، بضرورة رفع حظر السلاح المفروض على الجيش الليبي، حتى يتمكن من الاضطلاع بمهامه وبسط سيطرته على كامل الأراضي الليبية فضلًا عن أهمية مساندة المجلس الرئاسي الليبي.

كما أن زيارة حفتر للقاهرة التي جاءت في نوفمبر الماضي، كانت عقب زيارة قام بها إلى روسيا، لبحث الدعم العسكري من خلال ضغط روسيا لرفع حظر تصدير الأسلحة لليبيا، فضلًا عن دعم سياسي دولي.

وكان الرئيس عبدالفتاح السيسي قد أكد خلال زيارته للبرتغال في نوفمبر الماضي أيضًا، على احترام مصر لإرادة الشعب الليبي، مشيرًا إلى أهمية دعم مجلس النواب في طبرق برئاسة عقيلة صالح بالإضافة إلى دعم الجيش الوطني الليبي.

وقال إن مصر تبذل جهودًا مضنية لتأمين الحدود الغربية مع ليبيا البالغ مساحتها 1200 كيلومتر، مشددًا على أن موقف مصر من الأزمة الليبية يتمثل في ضرورة استعادة الدولة الوطنية لمواجهة الإرهاب وتعزيز الاستقرار.

اللافت في الأمر أنه من علنية الدعم بين "مصر وليبيا" وتصريحات السيسي، أكثر من مرة، عن ضرورة تقديم الدعم السياسي والعسكري لليبيا وجيشها الوطني، الذي يقوده حفتر، إلا أن كلا الطرفين يحرصان على أن تكون زيارة حفترة للقاهرة سرية وغير معلنة.

صهر السيسي في الصورة

 

وبينما كان حفتر يحقق انتصارات عسكرية في ليبيا، بأسلحة كثيرة ومتطورة لا يُعرف من أين تحصل عليها، فوجئ المتابعون للملف المصري الليبي، بإصدار السيسي قرارًا أوكل على أساسه الملف الليبي في مصر لصهره ورئيس أركان القوات المسلحة محمود حجازي.

ولتسهيل المهمة على حجازي، أنشأ السيسي له مايعرف بـ"اللجنة المصرية المعنية بالملف الليبي"، ليسيطر حجازي بتلك الخطوة على الملف الليبي بعيدًا عن "الخارجية المصرية" وهو ما أثار جدلًا واسعًا وعلامات استفهام، حول السبب في هذا الأمر.

فالمهمة الدبلوماسية، غالبًا ما يتولاها رجل دبلوماسي، أما أن يتولاها، رجل عسكري، مخابراتي في الدرجة الأولى حيث كان يشغل رئيس الجهاز المخابرات الحربية، فضلًا عن كونه صهرًا للسيسي، كل ذلك أثار الجدل حول مهمة "حجازي" في ليبيا.

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن وزارة الخارجية المصرية، وجهاز الاستخبارات العامة، هما من كانا يتوليان الإشراف على الملف الليبي، قبل أن يتخذ السيسي قراره بتكليف صهره حجازي، بإدارة الملف برمته، ليكون المسؤول الأول عنه بشكل مباشر.

اتهامات مبطنة ومباشرة

 

في 28 من ديسمبر الماضي، وبعد ثلاثة أشهر فقط من تولية "صهر السيسي" الملف الليبي، اتهم المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا جوناثان واينر بشكل غير مباشر من أسماهم بالقوى الفاعلة الأجنبية الرئيسية في ليبيا بأنهم غير صادقين في مسألة حظر توريد السلاح لليبيا.

وبعد أقل من 10 أيام فقط على موقف "واينر" جاء الاتهام بشكل مباشر إلى "مصر" بانتهاك حظر توريد السلاح المفروض على ليبيا، قائلًا "إن هناك أدلة على إرسال مصر أسلحة الى ليبيا وهو مايعد انتهاكا للحظر المفروض من الأمم المتحدة بهذا الخصوص.

في المقابل كانت حكومة الوفاق الوطني التي نجمت عن اتفاق الصخيرات في المغرب ديسمبر 2015، قد صرحت أكثر من مرة أن مشاكل كثيرة تواجهها لاسيما السلاح الذي يصل إلى البلاد من الخارج، دون أن تحدد مصادره.

ومن المعروف أن القوات الموالية لحفتر لا تخضع لسيطرة "حكومة الوفاق الوطني" ومن ثم فإنه وقواته يمثلان حجر عثرة أمام عمل الحكومة المعترف بها دوليا.

كما أن حكومة عبد الله الثني المنبثقة عن مجلس النواب المنحل والمسيطرة على شرق البلاد ترفض تسليم السلطة لحكومة الوفاق وتشترط منح النواب الثقة لحكومة الوفاق.

اللجوء للجامعة العربية

 

ويبدو أن مصر قررت اللجوء إلى الجامعة العربية، في محاولة منها للدفاع عن نفسها في مقابل تلك الاتهامات، فعقد مبعوث الجامعة العربية إلى ليبيا، السفير صلاح الدين الجمالي، مؤتمرًا صحفيًا أمس الثلاثاء أكد فيه أن مصر لا تهرب أسلحة إلى ليبيا، ولا تزال ملتزمة بقرار مجلس الأمن بحظر تصدير الأسلحة إلى البلاد.

وأشار الجمالي في مؤتمر عقده بمقر الجامعة العربية الدائم بالقاهرة، إلى أن "دول الجوار ومن بينها مصر، تتعرض لمخاطر أمنية، وتهديدات عبر حدودها ولا أتصور أن تستطيع أي من تلك الدول، تحمل تبعات خطوة كهذه (تهريب السلاح)".

وعليه فإن السؤال الأبرز الآن، هو "إلى مدى سيتطور ملف اتهام مصر بكسر حظر توريد السلاح إلى ليبيا؟ وهل سيقف عند حد اتهامات المبعوث الأمريكي، أم سيصل لمجلس الأمن الدولي، والذي بدوره ربما يعرض مصر لعقوبات دولية؟.