«إغراء المستثمر بوجه جيد وجسد مشوه».. قانون الإفلاس الجديد في الميزان «تحليل»

«إغراء المستثمر بوجه جيد وجسد مشوه».. قانون الإفلاس الجديد في الميزان «تحليل»

09:45 م

11-يناير-2017

استحقاق جديد من استحقاقات صندوق النقد الدولي لتشجيع الاستثمار والتسهيل على المستثمرين، كما تقول الحكومة، هل ينجح قانون الإفلاس الجديد في مهمته؟

استحقاق جديد من استحقاقات صندوق النقد الدولي دخل حيز التنفيذ، خلال الساعات الماضية، عندما وافقت الحكومة المصرية على قانون الإفلاس الجديد، والذي من المنتظر ان يتم إرساله إلى البرلمان خلال الفترة المقبلة.

تشجيع الاستثمار والتسهيل على المستثمرين.. كانت هذه أبرز أسباب إقرار القانون الجديد، وفقًا لوزيرة الاستثمار داليا خورشيد، والتي قالت أمام  لجنة الشئون الاقتصادية بالبرلمان، إن القانون سيتصدى للسلبيات التي تضمنها القانون التجارى المصرى الحالى، والعمل على استبدالها بإيجابيات تهدف فى المقام الأول إلى طمأنة المستثمر على الدخول بأكبر قدر ممكن باستثمارات فى مصر، وعدم وجود عقبات تقف أمامه.

إلغاء الحبس

 

من أجل تحقيق هذا الهدف، ألغى القانون الجديد عقوبة الحبس، وأقر الاكتفاء بالغرامة، لكن متخصصين يقولون إنه أضاف الغرامة كخيار إلى جانب الحبس.

جوهر القانون، كما تقول الحكومة، قائم على زرع عنصر الاطمئنان في نفس المستثمر، بإلغاء العقوبات السالبة للحرية، وهو الأمر الذي كان يؤدي إلى عزوف المستثمرين عن دخول السوق المصري، خوفًا من الحبس، في حالة التعثر أو الإفلاس.

القانون الجديد أيضًا نص على إنشاء إدارة للإفلاس بالمحاكم الاقتصادية تتولى جميع إجراءات الوساطة بين الطرف المفلس وبين الحكومة والدائنين.

بعد التعويم

 

تساؤلات عديدة أثارها القانون الجديد، أبرزها يتعلق بالوقت، حيث جاء بعد خطوة تعويم الجنيه، والتي أضرت بالاستثمار في مصر عمليًا، رغم أنها كانت موضوعة في الأساس لتشجيع المستثمرين على دخول السوق، لكن الأمور تحولت إلى إقدام عدد من الموجودين داخل السوق المصري على التخارج الجزئي أو الكلي منه، بسبب تدهور القوة الشرائية للمستهلك المصري، واستمرار رفض البنوك بيع الدولار دون قيود مشددة، مما أدى إلى توقف عمليات الإحلال والتجديد للخامات وخطوط الإنتاج المستوردة.

المستشار أحمد الخزيم، الخبير الاقتصادي، له تصريح تناقلته وسائل إعلام قال فيه: "القانون لو كان صدر قبل تحرير سعر الصرف، لكان أفضل بالنسبة للحالة الاقتصادية السيئة التي تعيشها الدولة".

"حافظ مش فاهم"

 

الحكومة تتعامل مع الحالة الاستثمارية بمنطق الحفظ وليس الفهم، فإجراءات تحفيز الاستثمار، بما فيها وضع قانون جديد للإفلاس "أكثر تساهلا لصالح المستثمر" لن يؤدي غرضه مع هذا المستثمر الذي يتابع الأخبار اليومية الواردة من مصر، والتي تتحدث عن حالة ركود كبيرة ومتصاعدة تضرب مختلف القطاعات، بسبب خروج الدولار عن السيطرة، وانهيار قيمة العملة المصرية، بالإضافة إلى استمرار صعوبة الحصول على العملة الأمريكية، رغم جني البنوك كميات كبيرة منها، عقب قرار التعويم في نوفمبر الماضي.

هناك تساؤل آخر يتعلق بمصير المحبوسين حاليًا في قضايا تعثر وإفلاس من مستثمرين ورجال أعمال غير مشهورين في الإعلام، ما هو مصيرهم بعد إقرار قانون جديد يكفل حلولا عديدة أمام المستثمر قبل إشهار إفلاسه وتخارجه من السوق، غير الحبس بسبب الديون التي تكون قد تراكمت عليه؟

هل سيتاح لهم الخروج وإعادة هيكلة مشروعاتهم، أم أن الأمور ستطبق فقط على رجال الأعمال والمستثمرين من ذوي الحظوة؟

تناقض وضبابية

 

بشكل أكثر وضوحًا، يتحدث الجميع بأن القانون قد ألغى عقوبة الحبس واستبدلها بالغرامة في حالات التعثر أو الإفلاس، لكن هناك روايات أخرى تتحدث عن "إضافة" الغرامة إلى الحبس، وجعل إقرار أي من العقوبتين متاحًا أمام القاضي وفق تقديره، وهو ما أكده المستشار خالد النشار مساعد وزير العدل.

وبشكل عام، فإن عقوبة الحبس لم يتم إلغاؤها تمامًا، فقد نص القانون الجديد للإفلاس على إقرار عقوبة الغرامة إلى جانب الحبس فى جرائم الصلح الواقى من الإفلاس، كما نص على تغليظ عقوبة المفلس بالتدليس، بالسجن والغرامة، وحدد ثلاث حالات لجرائم الصلح الواقى، وهى لمن أخفى بسوء نية كل أمواله أو بعضها، أو غالى فى تقديرها بقصد الحصول على الصلح، والثانية لمن ترك بسوء نية دائنًا بدَين وهمى، أو ممنوعًا، أو مغاليًا فى دينه، أو من أغفل بسوء نية ذكر دائن فى قائمة الدائنين.

ما هي الحدود الضابطة لتقديرات القاضي؟ وما هي الأسس التي سيختار، وفقا لها، عقوبة الحبس أو الغرامة؟

تشجيع للخصخصة

 

ثمة نقطة أخرى أثارت قلق الكثيرين في القانون، حيث تحدثوا عن إمكانية حدوث "استسهال" لإعلان إفلاس شركات القطاع العام، وفقًا للقانون، ومن ثم تحولها إلى القطاع العام، لتكون المحصلة في الأخير، عودة لسياسة الخصخصة المقننة.

القانون الجديد سهل مسألة إجراءات التعثر، وإدارة التفليسة، مع وضع بدائل عديدة لإعادة الهيكلة، وهو ما قد يتم استغلاله لخصخصة شركات القطاع العام وقطاع الأعمال، بعد إعلان إفلاسها، على أن تكون الخصخصة أولى إجراءات إعادة الهيكلة التي يتحدث عنها القانون ويعطيها أولوية وتسهيلات.

هناك نقطة خطيرة أخرى أثارها محللون عن القانون، وجرى الحديث عنها في اجتماع اللجنة الاقتصادية للبرلمان، مفادها أن إقرار الغرامة بدلا من الحبس، قد يفتح الباب أمام التهرب الضريبي، حيث قد يستغله المستثمر لتهريب أمواله خارج البلاد وتقديم طلب لإدارة الافلاس ليكتفي بالغرامة المالية ويسقط الضرائب المكلف بها.

تبقى نقطة أخيرة نبه إليها خبراء اقتصاد، وهي مراعاة التأهيل المهني والخبراتي لأعضاء لجنة إدارة الإفلاس، من حيث قدرتهم على وضع تصورات اقتصادية جيدة، بحيث يقومون بدورهم بمهنية وحرفية كوسيط بين المتعثر أو المدين، والدائن أو الحكومة، خاصة أن قرارات هذه اللجنة نهائية ولا يجوز الطعن عليها.

السؤال الأبرز الذي بدأنا به، وبه نختم، هل ينجح القانون في جذب المستثمر إلى السوق؟ وهل هو كاف لإغرائه؟ في ظل وضع استثماري عام داحل مصر لا يتمتع بالشفافية، ولا توجد به ضمانات لعدم تدخل مراكز قوى بعينها "أجهزة سيادية" في عمل المستثمر؟