قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي، إن يوم التاسع من أكتوبر 2026 سيظل يوماً فارقاً في تاريخ القانون الدولي لسببين في يوم واحد وهما أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أعلن فرض عقوبات جديدة وأوسع نطاقاً على المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، تستهدف تقييد تعاملاتها المالية وحرمانها من الموارد. والآخر أنه في الوقت ذاته تقريباً كانت أكاديمية نوبل تُعلن فوز القاضية الجنوب إفريقية السابقة في المحكمة، نافي بيلاي، بجائزة نوبل للسلام 2026.
وأضاف مهران لـ”القصة” أن هذا التزامن ليس صدفة بل رسالة من التاريخ نفسه لواشنطن مفادها أن العالم يُكرّم من تُعاقبهم.
ورحب مهران بالبيان المشترك الصادر من وزراء خارجية الدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة إلى جانب نظيرهما الكندي والياباني، الذي أكدوا فيه معارضتهم بشدة للإعلان الأمريكي، مشددين علي أن العقوبات المحتملة ستؤثر بشكل كبير على عمل المحكمة وموظفيها المتفانين وأسرهم.
وأوضح مهران أن ما فعله روبيو أمس يُشكّل من منظور القانون الدولي تدخلاً مباشراً في استقلالية هيئة قضائية دولية مكفول بموجب المادة الأربعين من نظام روما الأساسي، وبموجب اتفاقية الامتيازات والحصانات الأممية، وأن المحكمة الجنائية الدولية ذاتها وصفت العقوبات بأنها اعتداء على سيادة القانون، وهو توصيف دقيق قانونياً لأن الدولة التي تُعاقب قضاةً لأنهم طبّقوا القانون لا تُدافع عن سيادتها بل تُهاجم مبدأ سيادة القانون نفسه.
وأكد أستاذ القانون الدولي على ضرورة مساندة المحكمة ودعم المجتمع الدولي لها. مناشدا بتفعيل ما جاء بكلمة وزير خارجية هولندا، كاسبر فيلدكامب، خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، والتي قال فيها إن الرسالة الموجهة إلى الولايات المتحدة واضحة تماماً الآن، وإنه سيفعل كل ما يلزم للدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية.
وأضاف مهران أن البيان المشترك الصادر عن ثماني دول في آنٍ واحد يكسر نمط التعامل المنفرد مع الضغوط الأمريكية وهو ما اعتادت عليه واشنطن في الماضي. مطالباً هذه الدول بالانتقال من البيانات إلى الأفعال عبر إنشاء قناة مالية مستقلة باليورو تُمكّن المحكمة من دفع رواتب موظفيها دون المرور بالنظام الدولاري الخاضع للعقوبات.
ورأى مهران أن الاتحاد الأوروبي ملتزم بمواصلة العمل مع جميع الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للحفاظ على استقلال المحكمة، واستعداده لاتخاذ أي تدابير ضرورية لتمكينها من مواصلة التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. لافتا إلى أن الشهور الستة التي منحتها وزارة الخزانة الأمريكية فرصة أخيرة للحوار لا يجب تضييعها، بل يجب استثمارها لبناء المنظومة المالية البديلة التي تجعل المحكمة محصّنة من أي عقوبات مستقبلية.