بدأت القصة ببساطة جارحة لا تُحتمل، فتاة مصرية، بالغة، تحمل بطاقة هويتها وحقها الطبيعي، قررت أن تسافر داخل بلدها وتقيم ليلة في فندق.
لم تطلب امتيازًا، ولم تكسر قانونًا، ولم تبحث عن استثناء كل ما أرادته سرير تنام عليه بسلام لكنها فوجئت برفض استقبالها لأنها وحدها، لا نص قانوني يمنع، لا لائحة مكتوبة، فقط عرف غامض أقوى من القانون يقول لها في هدوء بارد: لا يمكن تسكين فتاة بمفردها.
لم تقبل الإهانة ذهبت إلى القضاء، ليس لتصنع قضية، بل لتطرح سؤالًا بسيطًا: هل من حقي أن أقيم في فندق داخل بلدي أم لا؟ وصلت القضية إلى المحكمة، وجاء الحكم برفض الدعوى وبراءة إدارة الفندق وهنا انتهى الأمر على الورق، لكن الحقيقة لم تنتهِ، بل بدأت.
ففي مشهد يبدو عاديًا جدًا، تقف فتاة أخرى في مدينة أخرى، بحقيبة صغيرة، أمام باب فندق فتسأل عن غرفة، ينظر الموظف يتردد قليلًا ثم يسأل السؤال الذي صار مفتاح كل شيء (لوحدك؟). تقول نعم. فيتغير كل شيء. «آسفين، ماينفعش» جملة قصيرة، لكنها تحمل حكمًا كاملًا.
تخرج، تذهب إلى مكان آخر، ثم ثالث، ثم رابع. وفي كل مرة، نفس السؤال، نفس النظرة، نفس الرفض. تمشي في شوارع بلدها ليلًا، لا تبحث عن رفاهية، بل عن مكان تنام فيه بأمان ولا تجد.
هنا لا تعود القضية فندقًا ولا غرفة لكن تصبح القضية كرامة أن تُرفض لأنك امرأة، أن تتحول وحدتك إلى شبهة، أن يُنظر إليك كاحتمال خطأ لمجرد أنك اخترت أن تكوني مستقلة بينما لا يوجد في القانون نص واحد يجرّم ذلك.
الدستور يقول إن المواطنين سواء، وأن الحرية الشخصية مصونة، وأن حرية التنقل والإقامة حق، كلمات واضحة، صريحة، لا لبس فيها.
لكن الواقع يقول شيئًا آخر تمامًا يقول إن هذه الحقوق تتوقف عند أول اختبار حقيقي، عند أول امرأة تقرر أن تعيش دون وصاية.
أي معنى للحرية إذا كانت مشروطة؟ وأي معنى للمواطنة إذا كانت تُمنح بنصف ثقة؟ وأي معنى للقانون إذا كان يمكن تجاوزه بنظرة شك أو تعليمات غير مكتوبة؟
الأخطر أن ما يحدث لا يُعلن كقرار، ولا يُكتب كنص، بل يُمارس كأمر طبيعي، يتحول التمييز إلى سلوك يومي، والإهانة إلى تفصيلة عابرة، والمرأة إلى مشروع اتهام دائم.
لا أحد يصرخ، لا أحد يهدد، فقط ابتسامة باردة وجملة قصيرة تنهي كل شيء، لكن ما لا ينتهي هو الشعور، ذلك الإحساس القاسي بأنك لستِ في مكانك الطبيعي داخل بلدك.
نحن لا نتحدث عن واقعة فردية، بل عن نمط متكرر، عن وعي يرى المرأة ككائن يحتاج إلى رقابة، لا يثق في اختياراته، ويخاف من حريته أكثر مما يحمي حقه. وبدلًا من أن تكون الدولة حامية للحق، تُترك المساحة للأعراف لتتصرف كقانون غير مكتوب.
المفارقة المؤلمة أن هذا يحدث بينما تتقدم مجتمعات قريبة منا في فهم بسيط وواضح: أن المرأة إنسان كامل.
في دول عربية مثل المغرب وتونس ولبنان، تدخل المرأة الفندق، تحجز، تدفع، تنام وتنتهي القصة.
لا أحد يسألها من أنتِ، ولا لماذا أنتِ وحدك، ولا يربط بين استقلالها وأخلاقها، الفارق ليس في الدين ولا في الثقافة، بل في الوعي، في القدرة على احترام الإنسان كما هو، لا كما نريده أن يكون.
ما يحدث هنا ليس حماية للقيم، بل تشويه لها، لأن القيم لا تُبنى على الشك، ولا تُصان بالمنع، ولا تُحفظ بإهانة الناس. القيم الحقيقية تقوم على العدل، وعلى الثقة، وعلى احترام الحق.
أما أن نُضيّق على المرأة باسم الأخلاق، فنحن لا نحمي الأخلاق، بل نختبئ خلفها.
ثم نسأل بعد ذلك لماذا تشعر الفتيات أنهن مراقبات، لماذا يبررن كل خطوة، لماذا يمشين بحذر حتى في أبسط تفاصيل حياتهن لأن الرسالة واضحة: أنتِ لستِ حرة بالكامل، وإذا كنتِ وحدك، فأنتِ موضع شك.
القضية هنا ليست ضد فندق بعينه، ولا ضد موظف نفّذ ما تعلّمه القضية ضد فكرة، فكرة أن المرأة لا تزال تحت الاختبار، وأنها بحاجة دائمة إلى إذن غير معلن وهذه الفكرة أخطر من أي قانون، لأنها تعيش في العقول، وتتحول مع الوقت إلى واقع لا يُسأل عنه.
لكن هذا الواقع يجب أن يُسأل، ويجب أن يتغير. ليس بالغضب فقط، بل بإجراءات واضحة وحاسمة نحتاج إلى تعليمات رسمية صريحة من الجهات المعنية تمنع أي تمييز في تسكين النزلاء على أساس النوع نحتاج إلى آلية فورية لتلقي شكاوى النساء والتعامل معها بجدية نحتاج إلى محاسبة حقيقية لأي منشأة ترفض تقديم خدمة بسبب كون المرأة وحدها نحتاج إلى تدريب العاملين في هذا القطاع على احترام القانون لا تنفيذ الأعراف. ونحتاج قبل كل شيء إلى خطاب عام يعيد تعريف الفكرة فالمرأة التي تسافر وحدها ليست استثناء، بل مواطنة تمارس حقها.
قد لا نُعلّق على الحكم لكننا لا نستطيع أن نصمت عن الحقيقة الحقيقة أن هناك امرأة مصرية وقفت أمام باب في بلدها، وطُلب منها أن تُثبت أنها تستحق أن تنام وهذه ليست أزمة امرأة، بل أزمة وطن.
لأن الوطن الذي يجعل نساءه يشعرن بأنهن غريبات فيه، يحتاج أن يراجع نفسه.
ولأن المرأة التي تقف وحدها ليست ضعيفة بل مجتمع كامل هو الذي يجب أن يخجل.
أماني القصاص