لم يعد نفاد باقة الإنترنت قبل نهاية الشهر استثناءً لدى المستخدمين في مصر، بل تحول إلى شكوى شبه يومية، دفعت آلاف المواطنين لإطلاق حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بتوفير إنترنت غير محدود، عبر وسوم مثل: #إنترنت_غير_محدود_في_مصر و#إلغاء_النت_المحدود_في_مصر.
أزمة الإنترنت في مصر
وتأتي هذه المطالبات في ظل اعتماد متزايد على الإنترنت في التعليم، والخدمات الحكومية، والعمل الحر، والتجارة الإلكترونية، وصناعة المحتوى.
وتزامنت الحملة مع قرار حكومي بإلغاء الإعفاء الجمركي عن الهواتف المحمولة القادمة من الخارج للاستخدام الشخصي، ما أثار تساؤلات واسعة حول جدوى فرض مزيد من الضرائب والرسوم، في مقابل خدمات يصفها المستخدمون بالضعيفة والمحدودة.
كما تصاعدت شكاوى المواطنين من اضطرارهم لتجديد باقة الإنترنت أكثر من مرة خلال الشهر الواحد، رغم تأكيدهم عدم حدوث تغيير جوهري في نمط استخدامهم مقارنة بفترات سابقة.
في المقابل، نقلت مواقع إعلامية مبررات صادرة عن مسؤولين وخبراء في قطاع الاتصالات، أرجعت سرعة نفاد الباقات إلى زيادة استهلاك الفيديوهات بجودة مرتفعة، أو استخدام الطلاب لأجهزة التابلت التعليمية، أو التشغيل التلقائي لمقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي. وهي تبريرات اعتبرها كثيرون تحميلًا للمستخدم مسؤولية أزمة لا يتحملها، وكأن الحل المقترح هو تقليل جودة الاستخدام أو الحد من الحق في التعلم الرقمي.
كما طُرحت مبررات أخرى تتعلق بالتحول إلى كابلات الألياف الضوئية (الفايبر)، التي رفعت سرعات الإنترنت وبالتالي زادت معدلات الاستهلاك، في معادلة يرى منتقدوها أنها تضع المواطن أمام خيارين قاسيين: إما إنترنت بطيء، أو باقة تنفد سريعًا.
وفي رد على هذه المطالبات، قال إيهاب سعيد، رئيس شعبة الاتصالات والمدفوعات الرقمية بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن شركات الاتصالات تقدم خدمة تهدف في الأساس إلى تحقيق الربح، ولديها التزامات مالية وتكاليف تشغيلية، مشيرًا إلى أن المنافسة هي العامل الأساسي الذي يمنع الاستغلال وارتفاع الأسعار.
إنترنت غير محدود ودعم موجه
وأضاف أن فكرة الإنترنت غير المحدود يمكن دراستها في إطار “دعم موجه” للمواقع التعليمية والمحتوى الذي يخدم المجتمع، بينما تظل الاستخدامات الأخرى خاضعة لنظام الباقات المحدودة، بحجة أن الاستهلاك المكثف للفيديوهات والتنزيلات يفرض ضغطًا كبيرًا على الشبكة وقد يؤدي إلى تدهور الخدمة للمستخدمين الآخرين.
غير أن هذا الطرح أثار انتقادات واسعة، باعتباره يفتح الباب أمام تصنيف المحتوى إلى “مفيد” و”غير مفيد”، وهو تصنيف يحمل أبعادًا رقابية، ويطرح تساؤلات حول الجهة التي تملك حق تحديد طبيعة استخدام الإنترنت. كما يرى منتقدون أن المشكلة لا تكمن في سلوك المستخدمين، بل في نموذج سوق يعاني من الاحتكار وضعف الاستثمار في البنية التحتية.
إنترنت غير محدود كبديل لنظام الباقات
وعلى المستوى البرلماني، أعلنت الدكتورة مها عبد الناصر، وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، أن اللجنة تدرس إمكانية توفير إنترنت غير محدود كبديل لنظام الباقات، لكنها ربطت ذلك بقيود تتعلق بقدرات الشبكات والبنية التحتية، وهو ما اعتبره البعض طرحًا جزئيًا لا يعالج أصل الأزمة.
تعتمد شركات الاتصالات في مصر على “سياسة الاستخدام العادل”، التي تفرض سقفًا للاستهلاك، وبعد تجاوزه تنخفض السرعة أو يُجبر المستخدم على الدفع مجددًا.
ورغم أن ارتفاع الاستهلاك بات حقًا طبيعيًا في العصر الرقمي، فإن هذه السياسة تُستخدم للسيطرة على الاستخدام في ظل سعات محدودة للشبكة.
وتتفاقم الأزمة مع احتكار الشركة المصرية للاتصالات للبنية التحتية، ومنع الشركات الأخرى من الاستثمار أو التوسع بشكل مستقل، ما يخلق سوقًا غير تنافسية تُباع فيها خدمات تفوق القدرة الفعلية للشبكة. ويرى مراقبون أن الحل الحقيقي لا يكمن في تقييد الاستخدام أو تصنيف المحتوى، بل في كسر الاحتكار، وزيادة الاستثمار في البنية التحتية، وضمان حق المواطنين في خدمة إنترنت عادلة ومستقرة، تتناسب مع احتياجاتهم ومتطلبات العصر.