حينما أصبح اليوم الترند معيارًا للقيمة والشهرة السريعة بدلًا من الإنجاز الحقيقي، ظهر نموذج جديد في مجتمعنا من “الأرستقراطيين الجدد”؛ أشخاص يظهرون من العدم بفيديو أو استعراض ما، وفي غضون أيام قليلة يتحولون إلى رموز نجاح مزيف، يلتف حولهم المتابعون، وتُفتح لهم أبواب النفوذ، ويعاملهم المجتمع كطبقة خاصة فوق المساءلة.
شهرة وحبس
وكان من أبرز الوقائع المشابهة فيديو المحامي الشهير في الطيارة، والذي لم يكن مجرد واقعة تصوير عادية، بل محتوى بلا قيمة صُنع عن قصد وانتشر بسرعة هائلة، ليحصد بعدها صاحب المحتوى شهرة أكبر ومكانة أعلى، بينما دخل المصورون والذين كانوا في خلفية المشهد في دوامة من التحقيقات والحبس والمحاكمة.
ما حدث في هذه الواقعة لا يعكس فقط خللًا قانونيًا، بل خللًا أعمق في الوعي الجمعي. فأصبح المجتمع ينبهر بمن يركبون سيارات فارهة أو يرتدون بدلة أنيقة، وأيضًا بمن يتحدثون بثقة أمام الكاميرا، حتى وإن لم يكن لديهم محتوى حقيقي، فأصبحنا نحتفي بالمظهر قبل الجوهر والقيمة.
إحساس زائف بالنجاح
ويؤدي كل ذلك في النهاية إلى خلق إحساس زائف بالنجاح، وكأن طريق النجاح ممهد وسهل، وكأن تلك “الأرستقراطية الجديدة” متاحة لأي شخص.
وهنا نقف أمام سؤال هام، ليس عن فيديو المحامي الشهير، بل: لماذا أصبح المجتمع قابلًا لفكرة الصعود السريع مقابل أي ثمن؟
ولماذا يتفاعل الجمهور مع نماذج النجاح الاستعراضي أكثر من القصص الحقيقية؟
وهل يخلق هذا الانبهار شعورًا أعمق بالإحباط أو الفشل؟
وتتطرق هذه الظاهرة أيضًا إلى طرح أسئلة كبيرة عن علاقتنا بالسلطة، والمال، والصورة العامة، وعن كيف تتحول التفاهة إلى رأس مال اجتماعي، بينما يظل البسطاء وأصحاب الجهد الحقيقي خارج المشهد.
ومن هنا حاولنا فهم الموضوع من خلال زاوية أوسع، وطرحه على متخصصين في علم النفس والاجتماع، لمعرفة لماذا يصدق الناس الأرستقراطيين الجدد، حتى وإن كانت القصة غير حقيقية؟
فوارق اقتصادية
ويرى الدكتور عبد الحميد زيد، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن مفهوم “الأرستقراطيين الجدد” يُساء استخدامه في النقاش العام، موضحًا أن الأرستقراطية في معناها العلمي تشير إلى فئة محدودة من شديدي الثراء، يمتلكون نمط حياة مختلفًا جذريًا عن باقي المجتمع، من حيث السلوكيات اليومية، وأنماط الاستهلاك، وطريقة الترفيه.
وشرح “زيد” أن لكل طبقة اجتماعية ثقافة حياة خاصة بها، تبدأ من أبسط التفاصيل، مثل نوع السجائر أو أماكن الخروج، وصولًا إلى شكل العلاقات الاجتماعية. فبينما يلجأ المواطن العادي إلى بدائل بسيطة للترفيه، تفضل الطبقات الأعلى أماكن فاخرة وتكاليف مرتفعة، وهو ما يعكس اختلاف الإمكانيات وليس بالضرورة تفوقًا أخلاقيًا أو اجتماعيًا.
وأكد أن هذا التباين في أساليب العيش هو نتاج طبيعي للفوارق الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الطبقة الأرستقراطية تمثل شريحة صغيرة جدًا داخل المجتمع، تضم رجال أعمال وأصحاب ثروات كبيرة، مثل كبار المستثمرين، الذين يعيشون وفق منظومة قيم واختيارات مختلفة عن عامة الناس.
وحسب الدكتور عبد الحميد زيد، فإن أنماط الحياة هذه لا تحمل في ذاتها دلالات اجتماعية عميقة أو تأثيرًا مباشرًا على المجتمع، معتبرًا أن تضخيم بعض المظاهر الفردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو ما يمنحها حجمًا أكبر من حقيقتها، ويحولها إلى مادة للجدل العام، رغم أنها في الأصل تعبير عن فروق طبقية موجودة منذ زمن.
هروب نفسي
فيما أوضحت الدكتورة بسمة سليم، أستاذة علم النفس، أن الدماغ البشري يميل بطبيعته إلى تصديق القصص البسيطة التي تنتهي بنهاية سعيدة، لأنها تمنح الإنسان إحساسًا بالأمل، وبأن العالم ما زال عادلًا، وأن النجاح يمكن أن يحدث فجأة، وهو ما يوفر قدرًا من الراحة النفسية في ظل واقع مليء بالضغوط.
وتشير إلى أن الإعجاب بنماذج النجاح السريع قد يرتبط أحيانًا بشعور داخلي بالنقص، حيث يرى البعض في هذه الشخصيات صورة لما يتمنون أن يكونوه. وتشرح أن الدماغ يعمل في هذه الحالات بالعاطفة أولًا، إذ يتفاعل الجهاز الحوفي المسؤول عن المشاعر بسرعة مع الإبهار والمقارنات، قبل أن تتدخل القشرة الجبهية المسؤولة عن التفكير النقدي والتحليل المنطقي، وهو ما يجعل الانبهار يسبق التساؤل حول مدى واقعية القصة.
وترى سليم أن تصديق هذه النماذج قد يكون شكلًا من أشكال الهروب النفسي من ضغوط الحياة اليومية، مؤكدة أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا رئيسيًا في تضخيم الظاهرة، عبر التركيز على اللقطة الجذابة وتكرار عرض القصص نفسها، ما يدفع العقل الجمعي لتقبل فكرة “النجاح السريع” باعتبارها أمرًا ممكنًا ومتاحًا للجميع.
وتضيف أن هناك سمات شخصية تجعل بعض الأفراد أكثر قابلية للانبهار، مثل الأشخاص الحالمين، أو الذين يمرون بمراحل انتقالية أو أزمات هوية، فضلًا عن من يفتقرون إلى مهارات التفكير النقدي، أو لديهم احتياج قوي للانتماء أو البحث عن قدوة، ما يدفعهم لتصديق هذه الروايات باعتبارها أملًا بديلًا.
وحذرت الدكتورة بسمة سليم من أن متابعة هذه النماذج قد تتحول مع الوقت من مصدر إلهام مؤقت إلى سبب للإحباط، خاصة مع المقارنات المستمرة بين الحياة الواقعية والصور المثالية المعروضة، وهو ما قد يؤدي إلى جلد الذات والشعور بالفشل، في ظل تجاهل حقيقة أن لكل إنسان ظروفه وإمكاناته المختلفة.