أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

الاحتلال الدائم.. كيف حولت إسرائيل القانون الدولي إلى أداة لإضفاء الشرعية؟

إسراء عبد الحافظ

يشهد الواقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحولاً نوعياً من مفهوم الاحتلال العسكري المؤقت إلى نموذج للاحتلال الدائم عبر سلسلة من السياسات والإجراءات التي تهدف إلى ضم الأراضي فعلياً وقانونياً وفي هذا الإطار لم تكتفِ إسرائيل بتجاهل القانون الدولي بل عملت بشكل منهجي على توظيف أدواته ولغته وإجراءاته لإضفاء الشرعية على ممارساتها وتسلط هذه الورقة الضوء على هذه الآلية المعقدة مع التركيز على قرارات الضم الأخيرة للضفة الغربية من خلال تحليل ثلاثة محاور رئيسية تشمل استراتيجيات إسرائيل في مواجهة الانتقادات الدولية وإخفاقات المجتمع الدولي في تطبيق القانون والتداعيات العميقة لهذا النموذج على النظام القانوني الدولي بأكمله.

يُشكل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ عام ١٩٦٧ حالة استثنائية في القانون الدولي المعاصر حيث تجاوز مفهوم الاحتلال المؤقت ليتحول إلى واقع دائم ومعقد يُعرف في الأدبيات القانونية والسياسية بالاحتلال الدائم ويُعرف هذا المفهوم بأنه وضع يتم فيه الاحتفاظ بالسيطرة العسكرية والقانونية على إقليم دولة أخرى لفترة زمنية طويلة تتجاوز الإطار الزمني المقبول قانونياً مع إدخال تغييرات ديموغرافية وجيوسياسية تهدف إلى تقويض إمكانية انسحاب القوة المحتلة.

بناءً على ذلك تتمثل الإشكالية المركزية في هذا السياق بتحول القانون الدولي من أداة تنظيمية تحكم سلوك القوى المحتلة وفق أطر واضحة كاتفاقيات جنيف الرابعة ولائحة لاهاي إلى أداة تبريرية تُوظف لتسويغ انتهاكاته الجوهرية ومن هنا ينبثق التساؤل المركزي للمقال كيف تستخدم إسرائيل النظام القانوني الدولي ذاته لتسويغ واقع الاحتلال المستمر وتكريس مشروعها الاستيطاني؟

أخبار ذات صلة

الدكتور ضياء رشوان - وزير الدولة للإعلام
وزارة الإعلام: إجراءات قانونية لمنع الإساءة للدول الشقيقة
مشغولات ذهبية
أسعار الذهب اليوم.. انخفاض طفيف وسط قلق من تذبذب الأسعار
شيرين الكردي
صنارة شيرين.. حين تغزل نازحة من جباليا "فرحة العيد" من قلب خيمتها

الأسس القانونية للاحتلال في الفقه الدولي

تقوم فلسفة قانون الاحتلال الحربي في القانون الدولي على عدة مبادئ أساسية منها مبادئ قانون الاحتلال في اتفاقيات جنيف والقانون الدولي العرفي فـ تنص اتفاقية جنيف الرابعة ١٩٤٩ والبروتوكول الإضافي الأول ١٩٧٧ ولائحة لاهاي ١٩٠٧ على أن الاحتلال وضع مؤقت لا ينقل السيادة إلى القوة المحتلة أهم المبادئ تشمل مبدأ الوصاية حيث تعمل القوة المحتلة كوصي مؤقت على الإقليم والسكان ويلزمها الحفاظ على النظام العام وحماية السكان المدنيين ومبدأ حظر نقل المدنيين المادة ٤٩ من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر بشكل قاطع نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الإقليم الذي تحتله بالاضافة إلي مبدأ حفظ الوضع الراهن حيث يجب على المحتل عدم إدخال تغييرات دائمة في البنى السياسية والقانونية والاقتصادية والديموغرافية للإقليم المحتل.

كما ينص القانون الدولي على أن الاحتلال وضع استثنائي مؤقت يجب أن ينتهي بالانسحاب أو بتسوية سياسية واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من خمسة عقود مع تغيير متعمد للواقع على الأرض يخل بالغاية الأساسية من فكرة المؤقتية ويحولها إلى حالة دائمة تتعارض مع روح القانون الدولي لذا يترتب على إسرائيل كقوة محتلة واجبات محددة تجاه السكان الفلسطينيين تحت الاحتلال من أهمها ضمان سلامتهم ورفاههم والسماح بعمل المنظمات الإنسانية الدولية واحترام القوانين المحلية السارية ما لم تتعارض مع القانون الدولي وعدم مصادرة الممتلكات الخاصة إلا للضرورات العسكرية الحقيقية والمؤقتة.

آليات توظيف القانون لخدمة المشروع الاستيطاني

طورت إسرائيل منظومة قانونية معقدة لتبرير استمرار الاحتلال وتوسيع المستوطنات متجاوزة بذلك الحظر الصريح في القانون الدولي منها توظيف الحجج الأمنية بشكل انتقائي حيث استخدمت إسرائيل مبدأ الضرورة العسكرية المنصوص عليه في القانون الدولي بشكل موسع لتبرير مصادرة الأراضي لبناء المستوطنات تحت ذريعة الأمن و إنشاء مناطق عازلة وحواجز ونقاط تفتيش وتطبيق قوانين الطوارئ بشكل دائم وإقامة المناطق المغلقة ومناطق التدريب العسكري.

أنتجت الأجهزة القانونية الإسرائيلية تفسيرات مبتكرة وقانونية تخدم المشروع الاستيطاني منها نظرية الأرض المعلقة وادعاء بأن الأراضي الفلسطينية ليست خاضعة لسيادة أي دولة وبما أن الأردن لم تكن صاحبة سيادة شرعية والسلطة الفلسطينية لم تكن موجودة وقت الاحتلال وبالتالي لا تنطبق عليها اتفاقية جنيف الرابعة بالكامل بالإضافة إلي تمييز الاستيطان المدني عن النقل القسري ومحاولة التمييز بين الاستيطان الاختياري للحكومة وبين النقل القسري المحظور في المادة ٤٩ ورغم أن محكمة العدل الدولية اعتبرت هذا التمييز غير ذي موضوع وتفسير لائحة لاهاي بشكل انتقائي والتركيز على المواد التي تتيح للمحتل إدارة الإقليم المحتل وتجاهل المواد التي تحظر التغييرات الدائمة.

لعب القضاء الإسرائيلي دوراً محورياً في تطوير قانون الاحتلال من خلال توظيف القضاء المحلي لإضفاء الشرعية عن طريق قرارات المحكمة العليا التي قبلت في كثير من الأحيان حجج الحكومة الأمنية مع محاولة الحفاظ على مظهر التوازن عبر بعض القيود الشكلية وإنشاء نظام قضائي مزدوج حيث تطبق في المستوطنات القانون الإسرائيلي المدني بينما يخضع الفلسطينيون للقانون العسكري مما يخلق نظاماً من التمييز القانوني المؤسسي بالإضافة إلي الاعتراف بـ حقوق المستوطنين من خلال أحكام قضائية تعامل المستوطنين كسكان لهم حقوق مكتسبة يجب حمايتها.

طورت إسرائيل منظومة قانونية وإدارية معقدة كنظام التصاريح والمناطق المغلقة كأدوات للسيطرة على الأرض والحركة عن طريق تصنيف الأراضي (أ، ب، ج) مما يخلق واقعاً قانونياً مجزأً ونظام التصاريح الذي يتحكم في حركة الأشخاص والبضائع ويستخدم كأداة ضغط سياسي وإعلان أراضي الدولة حيث يتم تصنيف مساحات شاسعة كأراضي دولة ثم تخصيصها للمستوطنات فالمناطق المغلقة والعسكرية والتي تقيد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية والرعوية.

دراسة حالة القدس والجولان
 
التوظيف الانتقائي للقانون الدولي

تشكل قضية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والسورية منذ 1967 حالة فريدة في العلاقة بين القانون الدولي والقوة السياسية تحاول هذه الورقة تحليل كيفية تحويل إسرائيل للقانون الدولي من خلال توظيفه بشكل انتقائي مع تشريعات محلية لخلق واقع جديد يكرس الاحتلال بشكل دائم. تدرس الورقة نموذجين رئيسيين القدس الشرقية ومرتفعات الجولان السورية مع تحليل النظام القانوني المزدوج الذي يحكم هذه المناطق
توظيف القوانين المحلية لتهويد القدس الشرقية فبعد احتلال القدس الشرقية عام ١٩٦٧ تبنت إسرائيل سلسلة من الإجراءات القانونية لخلق واقع ديموغرافي وقانوني جديد.

قانون أملاك الغائبين ١٩٥٠ وتطبيقه في القدس الشرقية حيث تم توسيع نطاق هذا القانون ليشمل الفلسطينيين في القدس الشرقية الذين غابوا عن ممتلكاتهم نتيجة الحرب وسمح القانون للدولة بالسيطرة على آلاف الدونمات من الأراضي والمباني الفلسطينية بين ١٩٦٧ – ٢٠١٧ وصودر أكثر من ٣٥ % من أراضي القدس الشرقية عبر هذا القانون وآليات أخرى.

قوانين المصادرة لأغراض المصلحة العامة حيث استخدمت سلطات الاحتلال قانون الأراضي الإسرائيلي لعام ١٩٤٣ لمصادرة الأراضي الفلسطينية وبالفعل تم تحويل هذه الأراضي إلى مستوطنات يهودية تحت ذرائع أمنية أو تخطيطية.

إعلان القدس موحدة كعاصمة أبدية القرار الإسرائيلي الأساسي ١٩٦٧ – ١٩٨٠
في ٢٧ يونيو ١٩٦٧ وسعت إسرائيل حدود بلدية القدس الغربية لضم ٧٠ كم² من القدس الشرقية وفي ٣٠ يوليو ١٩٨٠ أقر الكنيست القانون الأساسي القدس عاصمة إسرائيل والذي أعلن القدس الموحدة عاصمة أبدية.
تحدي القانون الدولي حيث تنتهك هذه الإجراءات مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة المنصوص عليه في المادة ٢ للاتفاقية الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة وتتعارض مع قرار مجلس الأمن ٤٧٨ عام ١٩٨٠ الذي دعا الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من القدس كما تنتهك اتفاقية جنيف الرابعة المادة ٤٧ والتي تحظر تغيير الوضع القانوني للأراضي المحتلة.

ضم مرتفعات الجولان السورية

أخلق وقائع قانونية جديدة أقر الكنيست في ١٤ ديسمبر ١٩٨١ قانون مرتفعات الجولان الذي فرض القانون والإدارة والقضاء الإسرائيلي على المنطقة وأنشأت إسرائيل بلديات ومجالس محلية يهودية مقابل قرى درزية محدودة الصلاحيات.

ردود الفعل الدولية

قرار مجلس الأمن ٤٩٧ عام ١٩٨١ والذي أعلن أن ضم الجولان باطل ولاغي ولا قيمة قانونية له وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عشرات القرارات على أن الجولان أرض سورية محتلة.

القانون الداخلي الإسرائيلي كمكون للنظام المزدوج واشريعات الكنيست التي تكرس الهيمنة.

قانون القومية ٢٠١٨ أعلن حق تقرير المصير في إسرائيل حصراً للشعب اليهودي ونص على أن الاستيطان اليهودي قيمة وطنية تسعى الدولة لتشجيعه وتطويره وخفض مكانة اللغة العربية من لغة رسمية إلى مكانة خاصة

قانون التسوية ٢٠١٧ شرعن للمستوطنات الغير مرخصة على الأراضي الفلسطينية الخاصة وسمح بمصادرة الأراضي الخاصة لصالح المستوطنات مع تعويض مالي بدل الإعادة واعتبرته المحكمة العليا الإسرائيلية مخالفاً لحق الملكية ولكنها سمحت بتطبيقه لفترة محددة
النظام القانوني الثنائي في الأراضي المحتلة
التمييز القانوني الهيكلي حيث سمح بتطبيق القانون المدني الإسرائيلي الكامل مع الحقوق والحريات المكفولة للمستوطنين الإسرائيليين أما الفلسطينيين فيطبق القانون العسكري مع نظام محاكم عسكرية وقوانين طوارئ.

آليات التمييز

· نظام تصاريح مختلف للبناء والتخطيط
· قوانين سكان مختلفة تخضع الفلسطينيين لقيود على الإقامة والعائلة.
· نظام قضائي منفصل فالمحاكم العسكرية للفلسطينيين مقابل المحاكم المدنية للمستوطنين.

دور النيابة العامة والمحكمة العليا

تبنت المحكمة العليا كمنصة لشرعنة الاحتلال مفهوم الاحتلال المستمر الذي يسمح بتطبيق القانون الإنساني الدولي بشكل انتقائي وشرعنت بناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية رغم قرار محكمة العدل الدولية ٢٠٠٤ ووافقت على سياسة الهدم الجماعي للمنازل كعقاب جماعي.

طبقت النيابة العامة والإدعاء العسكري معايير مختلفة في ملاحقة المستوطنين مقابل الفلسطينيين كما أن نسبة الإدانة في المحاكم العسكرية للفلسطينيين تتجاوز ٩٩ % وتجاهل شبه تام للعنف الاستيطاني المنظم.

استراتيجيات إسرائيل في مواجهة الانتقادات الدولية

لقد طورت إسرائيل ترسانة متطورة من الاستراتيجيات القانونية السياسية لتحييد الانتقادات الدولية وتحويل القانون من أداة للمساءلة إلى غطاء للشرعنة عن طريق استخدام لغة القانون لحجب الانتهاكات حيث تتبنى إسرائيل خطاباً قانونياً فائق التقنية يتم تقديم المستوطنات على أنها تطورات مدنية أو أحياء سكنية ويُصور الجدار الفاصل على أنه سياج أمني وتقدم الاعتقالات الإدارية على أنها إجراءات وقائية وهذا التحويل الدلالي يحجب الطبيعة القمعية والإجرامية لهذه الممارسات خلف ستار من المصطلحات المحايدة ظاهرياً مما يصعب على غير المتخصصين فهم الانتهاك الجوهري للقانون الدولي الذي يشكله وجود المستوطنات والتي تنتهك المادة ٤٩ من اتفاقية جنيف الرابعة أو العقاب الجماعي.

التعامل الانتقائي مع القرارات الدولية حيث تتعامل إسرائيل مع النظام الدولي بمنطق انتقائي صارخ فبينما تستميت للدفاع عن عضويتها في الأمم المتحدة واستفادتها من منظماتها المتخصصة وترفض مئات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان التي تنتقدها واصفة إياها بالمنحازة وغير موضوعية وتعتبر قرارات مجلس الأمن الملزمة مثل القرار ٢٣٣٤ غير شرعية إذا تعارضت مع سياستها مستندة أحياناً إلى تفسيرات قانونية هامشية أو ظروف سياسية تاريخية.

تجيد إسرائيل إعادة صياغة الإطار النقاشي فبدلاً من مناقشة حقوق الفلسطينيين الأساسية تحت الاحتلال كالحق في تقرير المصير وحرية الحركة والمساواة يتم تحويل الحوار إلى سردية تتمركز حول حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها والمخاوف الأمنية بهذه الطريقة تُصبح أي انتقاد لانتهاكات الاحتلال موضع اتهام بعدم فهم التهديدات الأمنية ومعاداة السامية مما يخلق بيئة مثبطة للنقد الموضوعي.

تستغل إسرائيل في جرأتها على الفجوة الهائلة بين إصدار القوانين والقرارات الدولية وبين جمود آليات تنفيذها فغياب سلطة تنفيذية عالمية قادرة على فرض الاحترام يعني أن تكلفة انتهاك القانون الدولي تظل سياسية ودبلوماسية وليست قانونية فورية وهذا الجمود يمنح إسرائيل كقوة احتلال فعالة وهامشاً كبيراً للمناورة وامتصاص الضغوط.

إخفاقات المجتمع الدولي في تطبيق القانون
تتجلى أزمة النظام الدولي ليس في غياب القواعد المنظمة بل في العجز المزمن عن تطبيقها وهو عجز تغذيه إسرائيل وتستفيد منه حيث يفتقر النظام الدولي إلى آلية قوية ومستقلة لمحاسبة الدول المنتهكة للقانون فآليات الأمم المتحدة تعتمد إجماعاً أو توازناً بين القوى الكبرى مما يجعلها رهينة للأجندات السياسية ومحكمة العدل الدولية يمكنها إصدار فتاوى استشارية مثل فتوى جدار الفصل العنصري ٢٠٠٤ لكنها غير ملزمة والمحكمة الجنائية الدولية تواجه عقبات سياسية وجدلاً حول الولاية القضائية وسير التحقيقات ببطء شديد كما أن هناك فجوة واسعة بين الخطاب الدولي والإجراءات الفعلية حيث تتصدر عشرات الدول بيانات إدانة للاستيطان والضم لكنها تمتنع عن اتخاذ إجراءات رادعة ذات كلفة حقيقية مثل فرض عقوبات اقتصادية أو تعليق اتفاقيات التبادل الحر أو قطع العلاقات الدبلوماسية وهذا الفصل بين القول والفعل يرسل رسالة ضمنية بأن الانتهاكات يمكن أن تمر دون عواقب ملموسة.

تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دوراً محورياً في تعطيل آليات المساءلة الدولية باستخدام حق النقض الفيتو في مجلس الأمن بشكل منهجي لحماية إسرائيل من أي قرار ملزم ذي طابع تنفيذي وحولت واشنطن المجلس من أداة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين إلى حاجز أمام تحقيق العدالة في القضية الفلسطينية وهذا الدعم غير المشروط يشكل شبكة أمان سياسية تسمح لإسرائيل بالمضي قدماً في سياساتها كما تواجه المحكمة الجنائية الدولية تحديات جسيمة في تحقيقاتها في الأراضي الفلسطينية بما في ذلك ضغوط سياسية هائلة ورفض إسرائيل والأطراف الداعمة لها للتعاون وتحديات قانونية متعمقة يثيرها الخصوم حول ولاية المحكمة لذا يضعف من قدرتها على أن تكون رادعاً فاعلاً في الوقت الراهن رغم الأهمية الرمزية لقبولها الدعوى.

تداعيات الاحتلال الدائم على النظام القانوني الدولي
الخطر الأعمق لا يكمن فقط في معاناة الفلسطينيين بل في التأثير المدمر للاحتلال الدائم على النظام القانوني الدولي برمته حيث تآكل مصداقية القانون الدولي عندما تُنتهك المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني كحظر نقل السكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة والقانون الدولي لحقوق الإنسان كحق تقرير المصير والمساواة لعقود دون محاسبة فإن مصداقية هذه القوانين بأكملها تتدهور ويصبح القانون مجرد كلام على ورق مما يشجع دولاً أخرى على انتهاك قواعده في سياقات أخرى معتبرة أن الانتهاكات لا تحمل سوى تبعات سياسية محدودة كما يعمل الوضع الحالي على تطبيع فكرة الاستثناء أو الخصوصية التي تسمح لقوة احتلال بتعليق تطبيق القانون الدولي تحت ذرائع أمنية أو تاريخية وإذا تم التسليم بهذا الاستثناء فإنه يشكل سابقة خطيرة تسمح لأي دولة قوية بادعاء ظروف خاصة لتبرير احتلالها أو انتهاكاتها مما يقوض فكرة العالمية والمساواة في سيادة القانون كما يشكك الاحتلال الدائم في المفهوم التقليدي للاحتلال العسكري كوضع مؤقت فهو يطرح أسئلة جوهرية متى يتحول الاحتلال إلى ضم فعلي؟ وما هي التزامات القوة المحتلة بعد عقود من السيطرة؟ وما هي حقوق السكان تحت احتلال طويل الأمد؟ عجز القانون الدولي عن الإجابة بشكل فعال على هذه الأسئلة والسماح بخلق واقع دائم يهدد بإفراغ مفهوم السيادة من محتواه بالنسبة للشعوب الواقعة تحت الاحتلال ويعيد تعريف قواعد القانون الدولي بما يخدم مصالح القوى القادرة على خلق الوقائع على الأرض.

يكشف التحليل أن إسرائيل استطاعت عبر عقود تحويل القانون الدولي من إطار مقيد لسلوكها إلى أداة تبريرية لسياسات الاحتلال والاستيطان ولم يتم هذا التحول عبر الانتهاك الصريح للقانون بل أيضاً عبر آليات معقدة شملت تطوير تفسيرات قانونية موازية خلقت حالة من الغموض المعياري واستغلال الثغرات والمناطق الرمادية في القانون الدولي وتوظيف القضاء المحلي لخلق سوابق قانونية تخدم الرواية الإسرائيلية والاستفادة من عدم فعالية آليات الإنفاذ في النظام الدولي وهذا الواقع يطرح تحدياً جوهرياً أمام النظام القانوني الدولي حيث يتحول من أداة لحماية الضعفاء إلى وسيلة في يد القوي لتبرير الاستمرار في انتهاك الحقوق.

إن إعادة القانون إلى دوره التنظيمي الأصلي تتطلب ليس فقط التأكيد على الثوابت القانونية بل أيضاً تطوير آليات إنفاذ أكثر فاعلية ومواجهة الخطاب القانوني التبريري بخطاب بديل يستند إلى المقاصد الأساسية للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان وتظهر قرارات الضم الأخيرة كفصل جديد في مسيرة طويلة من تحويل القانون الدولي من أداة لتنظيم العلاقات الدولية وحماية أصحاب الحق إلى أداة في خدمة القوي لشرعنة سياسات الأمر الواقع فقد نجحت إسرائيل بدعم من حلفائها واستغلالاً لضعف النظام الدولي في خلق نموذج خطير يظهر كيف يمكن توظيف التقنيات القانونية وإجراءات المؤسسات الدولية لتحصين الانتهاكات بدلاً من معالجتها.

إن المواجهة الحقيقية اليوم ليست فقط بين إسرائيل والفلسطينيين بل بين نموذجين للنظام العالمي الأول يقوم على سيادة القانون والمساواة بين الدول والشعوب والثاني يقوم على منطق القوة وخلق الوقائع وإعادة تفسير القانون لتبريرها واستمرار المسار الحالي لا يهدد فقط إمكانية قيام دولة فلسطينية بل يهدد الأسس التي يقوم عليها السلام والعدالة في النظام الدولي المعاصر وإن استعادة دور القانون الدولي كأداة للحماية والمساءلة تتطلب إرادة سياسية جماعية لترجمة الإدانات إلى إجراءات فاعلة وإغلاق الفجوة بين المبدأ والتطبيق قبل أن يتحول الاستثناء الإسرائيلي إلى قاعدة عالمية جديدة.

تمر الإنسانية في عصرنا بلحظة مفصلية تختبر فيها صلابة القانون الدولي ومبادئ العدالة في مواجهة واقع الاحتلال الدائم. تقدم السيناريوهات المستقبلية المحتملة صورة قاتمة يمكن أن تتحول فيها حالة الاحتلال المؤقت إلى وضعية دائمة تشرعن نفسها عبر آليات قانونية شكلية وتطبيع سياسي وقضائي مُمنهج وفي هذا المشهد المعقد تبرز المخاوف من استمرار تحول الاحتلال إلى نظام أبوي استيطاني يعيد إنتاج نفسه عبر أجيال مستفيداً من ضعف الآليات التنفيذية الدولية وتفتت الإرادة السياسية العالمية .

غير أن هذه الصورة رغم واقعيتها المريرة لا تشكل المصير الحتمي للأرض المحتلة وشعبها فبموازاة سيناريوهات التمادي في الاحتلال، لابد أن تنبثق آليات مقاومة قانونية وسياسية تعيد الاعتبار لدور القانون الدولي كأداة لحماية الحقوق. وإن استعادة هذا الدور يمر عبر مسارات متعددة منها تفعيل آليات المحاسبة عبر المحاكم الدولية واستخدام الأدوات الدبلوماسية للضغط الجماعي وتجديد الخطاب الحقوقي ليكون أكثر شمولية وارتباطاً بقضايا العدالة العالمية وليس مجرد إطار إنساني مؤقت.

وفي القلب من هذه المعركة القانونية والسياسية لابد أن يبرز دور المجتمع المدني والمقاومة القانونية كقوة دفع حقيقية فمن خلال توثيق الانتهاكات ومقاضاة المسؤولين وكشف تناقضات الخطاب التطبيعي وإبقاء القضية حية في الضمير العالمي، تشكل هذه الجهود سداً منيعاً في وجه محاولات تطبيع الاحتلال ولغة مقاومة تستخدم أدوات العصر من التقاضي الاستراتيجي إلى الحملات الإعلامية العالمية لفضح التناقض بين الخطاب القانوني الشكلي والواقع القمعي على الأرض.

الخلاصة التي نصل إليها هي أن مستقبل الصراع ضد الاحتلال الدائم لا يحدده ميزان القوى المادي بل أيضاً ميزان الشرعية الأخلاقية والقانونية رغم ضعف الآليات الدولية الحالية إلا أننا لابد أن نؤمن بأن الأنظمة القائمة على الظلم والاحتلال تحمل في داخلها بذور فنائها وخاصة عندما تتمسك الشعوب بحقوقها وتبدع في أساليب نضالها والقرار النهائي سيكون نتاجاً لتفاعل معقد بين إرادة الاحتلال في البقاء وإرادة الشعب في التحرر وقدرة المجتمع الدولي على استعادة ضميره القانوني.

في النهاية تبقى القناعة بأن القانون الدولي رغم كل ثغراته يمثل تراكماً لإنجازات البشرية الأخلاقية وأن انتصار مبادئه ليس مسألة وقت بل مسألة إرادة جماعية وإصرار على أن تكون العدالة وليس القوة هي المعيار الحاكم في العلاقات بين الأمم والشعوب.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_20260317_112158
السودان على حافة الانهيار.. كيف سيؤثر الصراع على مصر والمنطقة؟
IMG_2843
حرب المضيق.. "هرمز" الذي أربك أمريكا وأرهق العالم
أطباء
لا لاستهداف النقابيين.. مطالبات بالإفراج الفوري عن أطباء أسنان وصيادلة على خلفية أزمة "التكليف"
علي لاريجاني - أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني
غموض حول مصير لاريجاني.. هل وصلت "تل أبيب" لثاني أهم رجل في طهران؟

أقرأ أيضًا

إسراء عبد الحافظ
الاحتلال الدائم.. كيف حولت إسرائيل القانون الدولي إلى أداة لإضفاء الشرعية؟
IMG-20260215-WA0012
المهاجرون والشامتون
IMG_9760
نص القصة.. حرب عنصرية
IMG_9880
إيه رأيُ رجالِ الفكرِ الحر.. في هذه الفكرةِ المنقوشةِ بالدم؟