يصعب النظر إلى ثورة 25 يناير 2011 باعتبارها مجرّد فاصلة زمنية بين مرحلتين في تاريخ السينما المصرية. فالإنتاج السينمائي، بوصفه نتاجًا مباشرًا للسياسة والاقتصاد والمجتمع، لم ينتقل فجأة من حال إلى نقيضه، بل دخل في مسار طويل من التحولات المعقّدة، تداخلت فيه لحظات الانفتاح مع فترات الانكماش، وتبدّلت خلاله خريطة المنتجين، وأنماط الأفلام، وسقوف الحرية، على نحو يجعل سؤال قبل وبعد سؤالًا مبسّطًا لواقع أكثر تركيبًا.
اتفق النُقاد على أن الرهان الحقيقي على التجديد ما زال قائمًا في السينما المستقلة، التي تعتمد على التمويل المشترك وصناديق الدعم العربية والأجنبية. وقدّمت هذه السينما، عبر أفلام مثل ميكروفون، واشتباك، وريش، نماذج مغايرة على مستوى اللغة البصرية والموضوعات، معبّرة عن جيل جديد يعمل خارج المعادلات التقليدية، وإن ظلّ جمهوره محدودًا.
صناعة مستقرة وسقف مرتفع
قبل عام 2011، كانت السينما المصرية تعمل داخل منظومة إنتاج واضحة المعالم. سيطر القطاع الخاص على التمويل، وارتكزت الصناعة على نجم الشباك، والموسم، والمعادلة التجارية التقليدية. ورغم وجود رقابة وحدود سياسية معروفة، فإن السقف على عكس ما يُعتقد، كان يسمح بهوامش معتبرة للاشتباك مع الواقع الاجتماعي والسياسي، طالما جاء ذلك داخل قالب درامي جماهيري.
تُعدّ تجربة المخرج خالد يوسف مثالًا دالًا على تلك المرحلة، إذ قدّم أفلامًا جماهيرية عالية الإيرادات، مثل “حين ميسرة، ودكان شحاتة، وهي فوضى”، التي نجحت في طرح قضايا الفقر والعشوائيات والفساد والعنف المؤسسي بشكل مباشر وصادم، من دون أن تُقصى عن دور العرض. كانت تلك الأفلام تعبيرًا عن إمكانية الجمع بين الإنتاج التجاري والخطاب النقدي، وهي معادلة باتت لاحقًا أكثر صعوبة.
مع اندلاع ثورة يناير، دخلت السينما المصرية مرحلة من الارتباك الحاد. توقّف الإنتاج نسبيًا، أُغلقت دور عرض، وتردّد المستثمرون في ضخ أموالهم في مناخ سياسي غير مستقر. لكن هذه الأزمة حملت في طياتها فرصة غير مسبوقة لرفع سقف التعبير.
في هذا السياق، يرى الناقد السينمائي رامي عبد الرازق أن مرحلة ما بعد الثورة لا يمكن التعامل معها كوحدة واحدة، بل ينبغي تقسيمها إلى مراحل متباينة. ويشير إلى أن الفترة من 2011 إلى 2014 شهدت سقفًا عاليًا للحرية، سمح للسينما بطرح أسئلة سياسية واجتماعية مباشرة، سواء في السينما الروائية أو التسجيلية، وهو ما تجلّى في أفلام حاولت التقاط لحظة الثورة وتداعياتها، حتى وإن جاءت أحيانًا مرتبكة فنيًا أو محدودة الانتشار.
الترقّب والمناورة
مع تغيّر المناخ السياسي، دخلت السينما مرحلة أكثر حذرًا، يصف عبدالرازق هذة الفترة في حديثه لموقع القصّة: “أنها مرحلة ترقّب، اتسمت بوجود مساحة للمناورة والمناكفة، لكن دون صدام مباشر في الفترة من 2014/2017. وانعكس ذلك على شكل الإنتاج، حيث فضّل كثير من المنتجين الابتعاد عن السياسة الصريحة، والعودة إلى موضوعات اجتماعية أقل حساسية، أو إلى الرمزية غير المباشرة، في هذه المرحلة، بدأت تتضح أزمة أعمق تتعلّق بدور المنتج نفسه، وتحوله من شريك في الرؤية إلى طرف يفضّل السلامة. كما بدأت ملامح مركزية الإنتاج في التشكّل، مع تقلّص عدد الجهات القادرة على تمويل أفلام كبيرة”.
يضيف عبد الرازق أنّ المرحلة الممتدة من 2019 إلى اليوم بأنها الأكثر غموضًا، إذ بات الإنتاج السينمائي محكومًا، في رأيه، بإطار تجاري ضيّق، يتركّز حول الكوميديا والأكشن الشعبي، في ظل احتكار نسبي وتوجيهات مباشرة تؤثر في شكل الأدوار ومساحات الممثلين. ويستشهد بحالات تعطّل فيها تنفيذ مشاريع لكتاب كبار، مثل الراحل وحيد حامد، نتيجة تعقيدات رقابية وإنتاجية.
في الوقت نفسه، تراجعت أشكال الدعم المؤسسي للسينما المستقلة، وتعثّرت المنح التي ظهرت بعد الثورة، والتي كانت قد وصلت ميزانيات بعض الأفلام المدعومة منها إلى نحو 20 مليون جنيه، مع وعود بزيادتها. ومع الارتفاع الكبير في أسعار تذاكر السينما، تحوّلت المشاهدة إلى رفاهية، ما زاد الضغط على المنتجين للبحث عن الربح أولًا، على حساب المغامرة الفنية.
خريطة إنتاج متحوّلة
من زاوية أخرى، يقدّم الناقد عصام زكريا قراءة أقل تشاؤمًا نسبيًا، إذ يرى أن خريطة الإنتاج تغيّرت بالفعل، لكن ليس فقط على مستوى القيود، بل أيضًا من حيث تداخل التيارات. فقد ضاقت الفجوة بين السينما الشعبية والسينما المستقلة، ونجحت بعض الأفلام التي خرجت من رحم السينما المستقلة في تحقيق إيرادات جيدة، فيما انتقل منتجون مستقلون إلى العمل داخل السوق التجاري.
ويشير زكريا في حديثه مع موقع القصّة إلى أن: “سيطرة شركة المتحدة على جانب معتبر من الإنتاج باتت لافتة، لكنها ليست مطلقة، إذ ما زالت هناك شركات كبيرة وصغيرة تعمل بالتعاون معها أو بالتوازي. كما يلفت إلى أثر السوق السعودي منذ 2019، الذي مثّل دفعة اقتصادية مهمّة، وشجّع على زيادة عدد الأفلام واستقطاب النجوم، ما أنعش الصناعة من حيث الكم”.
تكشف خريطة الإنتاج السينمائي في مصر أن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا تغيّر قبل وبعد يناير؟ بل: كيف تغيّر، ولمصلحة من؟ فبين سينما تجارية كانت قادرة، في لحظة ما، على تمرير خطاب نقدي داخل التيار السائد، وسينما معاصرة أكثر وفرة إنتاجيًا لكنها أقل جرأة، تظل المرحلة الراهنة، بكل تناقضاتها، مفتوحة على احتمالات لم تُحسم بعد.
وفي هذا المشهد الملتبس، تبقى السينما المصرية مرآة لقلق مجتمع لم يستقر بعد، وصناعة تبحث، بين السوق والرقابة والطموح الفني، عن توازنها المفقود.