تتحرك إسرائيل في مسار يبدو أنه أعمق من مجرد حرب أو عملية عسكرية؛ مسار يرسم ملامح تقسيم سياسي وإداري جديد لقطاع غزة، بدعم أمريكي واضح، ومحاولات لخلق واقع ميداني يفرض نفسه دون إعلان رسمي.
فبين الحديث عن “مدن بديلة”، ومناطق أمنية مغلقة، وخطة تفصل شمال القطاع عن جنوبه، تتكشف ملامح مشروع لإنتاج خرائط مختلفة لغزة تحت رقابة كاملة، تمهد لتغيير جذري في مستقبلها و تركيبتها السكانية.
مصادر تحدثت إلى “القصة” وكشفت أن ما يجري ليس مجرد إدارة ما بعد الحرب، بل إعادة تشكيل شاملة للقطاع، تبدأ بالإبادة وانهيار البنية التحتية، وتمتد إلى إنشاء إدارات متعددة، وتمهيد الطريق لفرض وصاية أمريكية–إسرائيلية، ومحاولة تفكيك مفهوم المقاومة نفسه عبر خلق كيانات بديلة وتغذية سيناريوهات الفوضى.
سلاح حماس.. نقطة ارتكاز للمخطط
في هذا الصدد، قال السفير الفلسطيني الأسبق، بركات الفرا، إن حماس لم يتبق لها شيء، ستسلم سلاحها طوعًا أو كرهًا، وموافقتها على خطة ترامب تضمنت ذلك، كما أن الدول العربية وتركيا ودول إسلامية موافقة على نزع سلاح حماس، والأفضل لها أن تسلمه طوعاً لتجنيب الشعب الفلسطيني في غزة ويلات الحرب والتشرد من جديد.
وتابع الفرا’ بالنسبة للدول التي ستشارك في حفظ السلام في غزة حتى الأن لم يتضح موقفها وتوجد عقبات امام تشكيلها لأن إسرائيل تعترض على بعض الدول وتريدها قادرة على نزع سلاح بالقوة وأمريكا توافق على ذلك.
مليشيات لخلق الفوضى
وأشار إلى أن إسرائيل كونت مليشيات في غزة مثل أبو شباب والأسطل وحلس وغيرهم؛ لخلق فوضى في غزة وما يمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية.
وأضاف أن تقسيم غزة إلى مناطق فهي خطة إسرائيلية أمريكية لخلق مناطق حضرية بكل مقومات البنية التحتية من مياه وكهرباء ومستشفيات ومدارس وجامعات وصرف صحي.
الاستيلاء على نصف غزة تقريباً
واختتم الفرا حديثه، قائلا: إن إسرائيل تستولي على 53% من قطاع غزة، الخطة مرفوضة فلسطينياً وعربياً، بمقدار قوة الرفض وإشراك الأمم المتحدة في ذلك تفشل الخطة، لأن الخطة الإسرائيلية تستهدف تهجير سكان قطاع غزة وإجبارهم على ذلك.
الإبادة من أجل خلق مناطق مختلفة
وفي سياق مختلف، قال الدكتور رفعت سيد، أستاذ العلوم السياسية، إن تخطيط إسرائيل لإنشاء إدارات مختلفة داخل غزة وبعض المناطق الأخرى إلى مناطق منفصلة سياسياً وإداريا وإن كان بشكل غير مباشر، الموضوع اكبر من ذلك بكثير، إسرائيل شنت على غزة حرب إبادة قتلى وجرحى وشرد ربع مليون فلسطيني أو أكثر، حيث أن وزارة الصحة نفسها أُبيدت، وبالتالي هى تقديراً وليس أرقاماً حاسمة على ما يقترب من نصف مليون بالإضافة إلى البنية التحتية 95% بالكامل فكل ما هو له علاقة بالحياة من الحجر والبشر تمت إباداه في غزة.
وتابع رفعت، أن الحديث عن مناطق هو تخطيط ما بعد الإبادة أمام إسرائيل سيناريوهات متعددة منها الحزام الأصغر أى محيط إحاطة شمال غزة بحزام ممتد لعدة الكيلومترات يتبع إسرائيل أي قطم جزء من غزة التاريخية وضمها إلى المناطق التى تسيطر عليها إسرائيل خارج قطاع غزة هذا هو الخط الأصفر.
مجلس السلام الدولي
وأضاف أن فكرة الإدارات المتعددة لكل القطاع وهناك خطة مجلس السلام الدولي التى وضعها ترامب بالتنسيق مع نتنياهو نحن أمام سيناريوهات متعددة، لكن الهدف واحد وهو عدم وجود أى مقوم مستقبل فى غزة وتفكيك غزة واضعافها تمامًا ما لم يؤخذ بالحرب يؤخذ بهذه الخطط التي ما بعد الحرب سواء خطط ترامب أو خطط نتنياهو، وهذا هو الهدف الكبير لذلك يقومون بعمل إدارات متعددة وسيقومون بخلق عملاء حتى من داخل فلسطين أنفسهم.
وأشار إلى أن إسرائيل تدرك بأن القضية ليست قضية حماس، ولكن القضية هو أن طالما هناك شعب محتل وأرض محتلة فلا بد أن تكون هناك مقاومة، من خَلق حماس سوف يخلق حماس آخر أمامهم المستقبل مفتوح، التعويل على مثل الإدارات المختلفة تقضي على حماس هو تعويل غبي.
وأشار إلى أن استراتيجياً قد يكون هناك ناجح تكتيكيا يعني إضعافها داخل الشعب، ولكن تظهر أجيال أخري تطالب بحقها طالما الأرض محتلة هو قانون تاريخي هناك احتلال هناك مقاومة، وبالتالي لا علاقة له بفكرة حماس أو غيرها.
العودة التى تخشاها إسرائيل
وأكد سيد، أن أسرائيل انتصرت على الفلسطينيين بالإبادة والانتصار بالإبادة لا يعني انتصارا، الانتصار أن يكون سياسيا وعسكرياً على جيشين متماثلين وما حدث هو إبادة شعب، ولكن هذا الشعب الباقي منهم حوالى 2 مليون فلسطيني فى قطاع غزة سيعودون مرة أخرى، وهذا ما تخشاه إسرائيل ولذلك تقوم بفكرة الإدارات والتقسيمات المختلفة بهدف إضعاف الشعب الفلسطيني وليس إضعاف حماس، المهم ألا تظهر حماس مرة أخرى ولذلك غير صحيح لأن التاريخ يقول غير ذلك تماماً حتى التاريخ الفلسطيني بعد حرب 48، وفى الستينيات ظهرت حركة فتح ثم انتشرت ثم قويت وظهرت حركه فلسطينية أخرى، ثم ظهرت فى الثمانينات الجهاد الإسلامي وحماس، وهكذا فى حلقات متواصلة.
التاريخ ثابت بينما الموازين الدولية غير ثابتة
واختتم حديثه، أن المصير أن تفشل كل هذه المخططات الإسرائيلية وأن يعود الشعب الفلسطيني مرة أخرى إلى المقاومة عبر حمايات أخرى وليس حماس واحد، وهو القانون التاريخي الثابت قد تضعف وتنكسر مرحلتين هذه المقاومة، لكن فى المستقبل ستكبر هذه المقاومة وتعود مرة ثانية، ثم إن الموازين الدولية غير ثابتة قد نشاهد غداً تفجير مفعل ديمونة من قبل صواريخ عابرة للقارات من إيران مثلاً من الشعب الفلسطيني نفسه أو حتى من داخل المتطرفين اليهود في فلسطين.
كما تطرق إلى أن “سوريا قد نشاهدها مرة أخرى تعود إلى الصف بعد أن ركب عليها الجماعات المتطرفة والإرهابية بقيادة الشرع قد تعود مرة ثانية سوريا العروبة مرة أخرى إذن التاريخ متغير ليس ثابتاً، ولكن اللحظة مؤلمة وشديدة ولا شك أننا نعاني كثيراً كعرب وكـفلسطينين من هذه اللحظة لكنها ليست ثابتة ونعتقد إن المستقيل للمقاومة والانتصار وعلى مصر أن تحذر لأن إسرائيل إذا نجحت فى غزة بمثل هذه التقسيمات فسوف تتجه إلى سيناء وهو هدفها التاريخي منذ سنوات وهو هدف استراتيجي الحرب فى غزة والعين على سيناء وعلى باقي المناطق البترولية فى السعودية والخليج علينا أن ننتبه لذلك جيداً.
القرار الأمريكي.. غزة في يد ترامب
بينما كان لدكتور زياد أبو الهيجاء المحلل السياسي الفلسطيني رؤية أخرى وتحليل آخر، فقال إن أوراق القرار بخصوص غزة، في يد ترامب، لا في يد نتنياهو وحكومته، وهذه تصريحات تهديدية فقط ومحاولة خلط اوراق وتشويش.
وتابع أبو الهيجاء، أن الهدف من إنشاء مناطق مختلفة بسلطات مختلفة لن يحدث هذا، وإن حدث ستكون غزة تحت وصاية أمريكية تضمن أمن إسرائيل.
قطاع غزة يحكم برعاية الشرطة الفلسطينية
وأوضح إن في النهاية، ستكون كل غزة برعاية الشرطة الفلسطينية، وهذا ما تدعمه مصر والسعودية، ولن تنجح إسرائيل في مخططها بتقسيم فلسطين إلى عدة مناطق مختلفة بسلطات مختلفة.
حماس لن تشكل خطرًا حقيقيًا
واختتم أبو الهيجاء قائلاً: إن في الوقت الراهن لم تعد حماس تشكل خطورة، ولكنها إذا أتيحت لها الفرصة وأعادت عمليات التصنيع العسكري وخاصة الصواريخ رغم عدم فعاليتها تشكل خطرًاعلى إسرائيل.
في ضوء ما كشفه السفراء والخبراء والمحللون السياسيون الذين تحدثوا لـ”القصة”، يتضح أن ما يجري في غزة يتجاوز كونه حربًا أو صراعًا عابرًا؛ فالمشهد يحمل ملامح إعادة رسم للواقع الجغرافي والسياسي للقطاع، عبر خطط تقسيم، وإدارات متعددة، ومشروعات تُطرح في الكواليس أكثر مما تُعلن على الطاولة.
ورغم أن إسرائيل، بدعم أمريكي، تدفع نحو خلق واقع جديد، إلا أن التاريخ كما يؤكد الخبراء، لا يعترف بالثبات، وأن الشعب الفلسطيني قادر على إعادة إنتاج مقاومته بكل أشكالها، ما دامت الأرض محتلة.
وبينما تراهن بعض القوى على تغير موازين القوة، يستمر صمود الفلسطينيين وجغرافيتهم السياسية في مواجهة كل السيناريوهات، في معركة يتداخل فيها المحلي بالإقليمي والدولي، ويبقى السؤال مفتوحا: هل تنجح مخططات إعادة تشكيل غزة؟ أم تسقط كما سقطت عشرات المخططات قبلها؟