في قلب التحولات الجيوسياسية العالمية، تتصدر الصين المشهد كقوة صاعدة تسعى لإعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والسياسي على مستوى العالم، من مبادرة الحزام والطريق التي تعيد توجيه الاقتصاد العالمي نحو بكين، إلى تعزيز حضورها العسكري والفضائي والسيبراني، توظف الصين أدوات متعددة لتوسيع نفوذها دون اللجوء إلى صراعات مباشرة.
النفوذ الصيني لا يقتصر على القوة الاقتصادية فحسب، بل يشمل الدبلوماسية الذكية والوساطة الإقليمية، وتوجيه الاستثمارات الكبرى لمناطق كانت تهيمن عليها القوى الغربية تاريخيًا، وبينما تواجه الصين تحديات داخلية، مثل تباطؤ الاقتصاد وأزمة العقارات وارتفاع البطالة، تعمل القيادة الصينية على تحويل الضغوط المحلية إلى نفوذ خارجي، لتثبت للعالم أنها لاعب رئيسي لا يمكن تجاهله.
“القصة” يكشف الاستراتيجية الصينية المعقدة والمتعددة الأبعاد، وتحلل كيف أصبحت بكين قوة تضغط على النظام الدولي، مع الحفاظ على سياسة التصعيد المحسوب بعيدًا عن المواجهة المباشرة.
مبادرة الحزام والطريق.. القوة الاقتصادية الصاعدة
قالت الدكتورة نادية حلمي، الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية، إن توظيف الصين مبادرة الحزام والطريق لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي في الدول النامية، من خلال الاستثمار الضخم في مشاريع البنية التحتية وتقديم القروض، مما يؤدي إلى زيادة الاعتماد الاقتصادي لهذه الدول على بكين، وتوفير بديل صيني عن المؤسسات المالية الغربية. وهنا توظف الصين مبادرتها للحزام والطريق من خلال تعزيز النفوذ الاقتصادي عبر تصدير فائض رأس المال والطاقة الإنتاجية، إذ تستخدم الصين المبادرة كآلية لتصدير فائضها من رأس المال وقدرتها الإنتاجية في قطاع البناء إلى الخارج، مع ضمان الوصول إلى الموارد والأسواق، حيث تساعد مشاريع البنية التحتية للصين، مثل بناء الموانئ والطرق، على تأمين الوصول إلى الموارد الطبيعية وفتح أسواق جديدة لشركاتها ومنتجاتها في الدول النامية، مع محاولة الصين خلق الروابط الاقتصادية عبر مبادرتها للحزام والطريق.
الصين تستخدم المبادرة لتعزيز النفوذ في الدول النامية
وتابعت نادية حلمي لـ”القصة”، وتهدف المبادرة إلى إعادة توجيه جزء كبير من الاقتصاد العالمي نحو الصين، مما يجعل الدول المشاركة أكثر اعتمادًا على الاقتصاد الصيني، ويزيد من نفوذ بكين الاقتصادي عليها. وعلى الجانب الآخر، ساعدت الصين على إنشاء آليات تمويل موازية لدعم الدول والجهات المعنية بمبادرتها للحزام والطريق، فقد أنشأت الصين آليات تمويل خاصة مثل صندوق طريق الحرير والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.
كما أشارت إلى أن الصين تسعى عبر مبادرتها للحزام والطريق لتعزيز النفوذ السياسي واكتساب النفوذ الدبلوماسي، حيث توظف بكين سخاءها المالي للتأثير على السياسة الداخلية والخارجية للدول الشريكة، وقد نجحت، فعلى سبيل المثال، في إقناع العديد من الدول بسحب اعترافها الدبلوماسي بتايوان، مع نجاح الصين في بناء علاقات طويلة الأمد من خلال تنفيذ مشاريع البنية التحتية الحيوية. تعمل الصين على بناء علاقات وثيقة وطويلة الأمد مع الدول النامية، مما يوسع نفوذها في مناطق كانت تهيمن عليها القوى الغربية تاريخيًا.
الاستثمار في مشاريع البنية التحتية
أوضحت حلمي أن زيادة صادرات الصين من الآلات والتكنولوجيا أدت إلى اختلال في التوازن التجاري العالمي، مما وضع ضغوطًا على الصناعات المحلية في البلدان الأخرى، ويزيد من التوترات الجيواقتصادية.
وتعكس هذه الزيادة في الصادرات قوة الصين التصنيعية وقدرتها التنافسية المتنامية في قطاعات كانت تهيمن عليها الاقتصادات المتقدمة تقليديًا، وأثرت زيادة الصادرات الصينية، وبالأخص من الآلات والتكنولوجيا، على التوازن التجاري العالمي، من خلال زيادة الفوائض التجارية، فقد أدت القدرات التصنيعية الصينية الضخمة وضعف الطلب المحلي إلى توجيه الشركات الصينية لمنتجاتها نحو الأسواق الخارجية.
الصين تنجح في تشكيل سلاسل القيمة العالمية
وتابعت نادية حلمي، فضلًا عن الصادرات الخارجية، مما ساهم في تحقيق الصين لفوائض تجارية قياسية بلغت أكثر من تريليون دولار، فإن الفائض التجاري الصيني الكبير يعني أن الدول الأخرى تستورد المزيد من السلع الصينية، بما في ذلك الآلات والتكنولوجيا، مما يشكل ضغطًا تنافسيًا على منتجيها المحليين، وقد يؤدي إلى إغلاق مصانع أو تسريح عمالة في تلك الدول، مع نجاح الصين في إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية. وهنا تعمل الصين على تغيير هيكل سلاسل الإمداد العالمية، ويزيد ذلك من اعتماد دول أخرى على التكنولوجيا الصينية.
القدرات السيبرانية للصين في تعزيز ودعم التعاون
أضافت نادية أن تسهم القدرات السيبرانية للصين في تعزيز ودعم التعاون مع دول الجنوب العالمي النامي الأكثر احتياجًا للصين، ولكن على الناحية الأخرى، يمثل الاستثمار الصيني في القدرات السيبرانية والفضائية مخاطر على الأمن العالمي، وفقًا لتقارير استخباراتية ودفاعية أمريكية ودولية متعددة. تُعزى هذه المخاوف إلى الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري) لهذه التقنيات، وإمكانية استغلالها لأغراض التجسس أو تعطيل البنى التحتية الحيوية.
وتابعت، حيث تتهم الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، الجانب الصيني وجهوده في الفضاء السيبراني، بأنها تمثل تهديدًا خطيرًا للرفاه الاقتصادي والأمن القومي للعديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة وحلفاؤها. فضلًا عن اتهامات أمريكية متكررة للصين بالتجسس وسرقة البيانات، واستغلال نفوذ شركات التكنولوجيا الخاصة بها لتنفيذ عمليات تجسس إلكتروني وسرقة الملكية الفكرية والبيانات الشخصية. وتوالت عدد من الاتهامات الأمريكية مؤخرًا للصين بتعطيل البنية التحتية الحيوية الرقمية، من خلال اتهام الصين بوضع جهات فاعلة سيبرانية مرتبطة بها داخل شبكات تكنولوجيا المعلومات في دول أخرى، مما قد يمكنها من تعطيل الوظائف الحيوية في الوقت الذي تختاره، مثل أنظمة الطاقة والاتصالات، وهو ما قد يؤثر على سلاسل التوريد العالمية من وجهة النظر الأمريكية.
النفوذ الدبلوماسي والسياسي
وأردفت نادية حلمي أن موقف الصين من القضايا الدولية أصبح أكثر تدخلًا بشكل ملحوظ، خاصة في الشرق الأوسط، متحولة من سياسة عدم التدخل التقليدية إلى دور وسيط دبلوماسي فاعل. يهدف هذا التحول إلى حماية مصالحها الاقتصادية، لا سيما أمن إمدادات الطاقة، وتعزيز نفوذها الجيوسياسي كبديل للقوى الغربية. تشمل ملامح هذا التغير الصيني قيام الصين بدور الوساطة الدبلوماسية، فقد حققت الصين اختراقًا دبلوماسيًا كبيرًا من خلال التوسط في اتفاق المصالحة بين المملكة العربية السعودية وإيران.
دور الوساطة في الشرق الأوسط
وتابعت نادية حلمي، كما استضافت العاصمة الصينية بكين محادثات مصالحة بين الفصائل الفلسطينية في مارس 2023، لتعزيز وحدة الصف الفلسطيني، فضلًا عن الدعم الدبلوماسي الصيني المستمر للقضية الفلسطينية، والدعوة إلى حل الدولتين في المحافل الدولية مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فقد حافظت الصين على دعمها التاريخي للقضية الفلسطينية، وتدعو باستمرار إلى وقف شامل لإطلاق النار في غزة. كما نجحت الصين في تأمين المصالح الاقتصادية والأمنية لحلفائها، حيث يعد ضمان إمدادات الطاقة وتأمين مشاريع مبادرة الحزام والطريق من الدوافع الرئيسية لزيادة الانخراط الصيني، إذ تشتري الصين نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية. ومع حرص الصين على حفظ السلام والتعاون العسكري، فقد أصبحت الصين أكبر مساهم في قوات حفظ السلام من بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وتشارك في مناورات بحرية مشتركة، مثل المناورات مع روسيا وإيران.
الأزمة العقارية سببها التباطؤ الصيني
أشارت نادية حلمي إلى أن تباطؤ الاقتصاد الصيني وأزمة عقاراته، التي تمثل نحو ربع نشاطه الاقتصادي، أديا إلى انخفاض حاد في الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة إلى الصين، وتراجع شهية الشركات الصينية للاستثمار الخارجي. تسببت هذه الأزمة في حالة من عدم اليقين، وضعف الطلب، وتآكل الثقة، مما دفع عددًا من المستثمرين إلى البحث عن أسواق أكثر أمانًا، وضغط على اليوان الصيني، وقلص الاستهلاك الداخلي.
التباطؤ قلل جاذبية الصين كمقصد للاستثمار
واختتمت نادية حلمي قائلة إن أبرز آثار تباطؤ الاقتصاد الصيني وأزمات العقارات على الاستثمارات تمثلت في انخفاض نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الصين، فقد أدى ركود قطاع العقارات في الصين قبل عدة سنوات، وهو أول انخفاض منذ عام 2025، إلى تراجع استثمارات الأصول الثابتة، وهو القطاع الذي يمثل محركًا رئيسيًا للنمو. هذا التباطؤ قلل جاذبية الصين كمقصد للاستثمار الأجنبي، مع حدوث تباطؤ في الاستثمارات الصينية الخارجية، خاصةً مع تعثر المطورين العقاريين الكبار، مثل “إيفرغراند”، وتراكم الديون، وتقلص السيولة النقدية.
كما أكدت نادية حلمي أن تراكم الديون وتقلص السيولة النقدية أديا إلى الحد من قدرة الشركات الصينية على القيام باستثمارات أو استحواذات خارجية جديدة، وخلق حالة من عدم اليقين وضعف الثقة، مما تسبب في تراجع ثقة المستهلكين والمستثمرين. وأدى، لأول مرة منذ عام 2021، انخفاض أسعار العقارات بنحو 20% إلى ركود الاستثمار الخاص، حيث تتردد الشركات في التوسع نظرًا لعدم وضوح توقعات الطلب. فقد تسببت أزمة العقارات داخل الصين وقتها في تغير وجهة عدد من الاستثمارات العالمية، خاصةً مع انكماش القطاع العقاري، الذي يُعد المحرك الأساسي للاقتصاد، مما دفع المستثمرين الدوليين إلى البحث عن بدائل، وأدى إلى إعادة توجيه رؤوس الأموال من الصين إلى أسواق أخرى، مما قلل من الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إليها، وزاد الضغط على العملة المحلية والأسواق المالية الصينية، وقد يؤدي استمرار التباطؤ إلى مزيد من الضغوط.
الصعود الصيني أهم التحولات البنيوية في النظام الدولي المعاصر
ومن جانبها قالت الدكتورة سارة كيرا، خبيرة العلاقات الدولية السياسية لـ”القصة”، إن الصعود الصيني يمثل أحد أهم التحولات البنيوية في النظام الدولي المعاصر، إذ يعكس عودة تدريجية إلى التعددية القطبية بعد عقود من هيمنة القطب الواحد، الذي تمثل في الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وتجاريًا. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تصدرت واشنطن هرم النفوذ العالمي، واحتكرت أدوات القيادة الدولية، غير أن توسع النفوذ الصيني خلال العقدين الأخيرين بدأ يحد من هذه الأحادية، ويفرض واقعًا دوليًا أكثر تعقيدًا وتعددًا في مراكز القوة.
الاستناد إلى مسار تراكمي براغماتي يهدف إلى تعظيم النفوذ
وأشارت كيرا إلى أن التجربة الصينية لا تنطلق من مشروع ثوري لتفكيك النظام الدولي القائم، بقدر ما تستند إلى مسار تراكمي براغماتي يهدف إلى تعظيم النفوذ داخل هذا النظام.
وأوضحت، أن النهضة الصينية بدأت عبر نموذج اقتصادي خاص، جمع بين اقتصاد السوق المنضبط ودور الدولة المركزي، مع الانفتاح التدريجي على التجارة العالمية، وجذب الاستثمارات، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير سلاسل الإنتاج، ما مكّن الصين من التحول إلى قوة صناعية وتجارية كبرى.
التقدم الاقتصادي أتاح لبكين توسيع حضورها الجيوسياسي
وتابعت كيرا، أن هذا التقدم الاقتصادي أتاح لبكين توسيع حضورها الجيوسياسي، خصوصًا في مناطق مثل إفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث بات التنافس الصيني–الأمريكي يتمحور أساسًا حول النفوذ الاقتصادي والسياسي. ومع ذلك، لا تزال الصين أقل انتشارًا عسكريًا مقارنة بالولايات المتحدة، سواء من حيث عدد القواعد أو الانتشار العالمي للقوات، وهو ما يؤكد أن طموحها الحالي يركز على إعادة التوازن داخل النظام الدولي لا استبداله بالكامل.
كما أردفت كيرا أن التحديث العسكري الصيني يمثل عنصرًا ضاغطًا على ميزان الردع في المحيط الهادئ، إذ يجمع بين تطوير القدرات القتالية وتغيير قواعد الاشتباك الإقليمي. فالصين تسعى إلى كسر التفوق العسكري الأمريكي في غرب المحيط الهادئ عبر بناء أكبر أسطول بحري من حيث العدد، وإدخال حاملات طائرات محلية، وتعزيز قدراتها الجوية بطائرات شبحية وصواريخ بعيدة المدى، ما يفرض قيودًا متزايدة على حرية الحركة الأمريكية قرب السواحل الصينية.
بكين تعمل على استراتيجية منع الوصول وحرمان المناورة
أوضحت سارة كيرا أن بكين تعتمد على استراتيجية منع الوصول وحرمان المناورة (A2/AD)، مستندة إلى شبكة صاروخية متقدمة وأنظمة دفاع جوي وبحري كثيفة، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
وأضافت أنه يتعزز هذا التهديد مع عسكرة بحر الصين الجنوبي، حيث تحولت جزر متنازع عليها إلى قواعد عسكرية متكاملة، بما يقوض حرية الملاحة ويضغط على دول الإقليم.
تايوان نقطة الاشتعال الأخطر
وأشارت سارة كيرا إلى أن تايوان تبقى نقطة الاشتعال الأخطر، إذ إن أي صدام محتمل حولها قد يجر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع قوة نووية صاعدة، في ظل توسع الصين في مجالات الحرب الجديدة، كالفضاء، والحرب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، بما يخلق تهديدًا غير متماثل يتجاوز منطق المواجهة التقليدية.
استخدام السياسة الخارجية كأداة لتعويض الاختناقات الداخلية
واختتمت سارة كيرا، قائلة: إن التحديات الداخلية الصينية – الاقتصادية والاجتماعية – تؤثر تأثيرًا مباشرًا وبنيويًا على سلوكها الخارجي، ولكن ليس في اتجاه الانكفاء، بل عبر تصدير الضغوط الداخلية إلى المجال الخارجي. فالتباطؤ الاقتصادي، وأزمات العقارات، وارتفاع بطالة الشباب، تدفع بكين إلى البحث عن أسواق جديدة، وتأمين سلاسل الإمداد، واستخدام السياسة الخارجية كأداة لتعويض الاختناقات الداخلية.
وأضافت أن في الوقت نفسه تلجأ القيادة الصينية إلى تعبئة قومية متزايدة لتعزيز الشرعية السياسية، ما ينعكس تشددًا في ملفات السيادة، وتراجعًا في هامش المرونة الدبلوماسية، ومع ذلك تبقى الصين حريصة على تجنب حرب شاملة قد تهدد الاستقرار الداخلي، مفضّلة التصعيد المحسوب تحت عتبة الصدام المباشر.