قد يمر أمامك كل يوم بائع الخضار والفواكه أو عربات تسالي، وقد يبدو ذلك أمرًا طبيعيًا، ولكن هل سبق أن مرت أمامك عربة بيع كتب متنقلة؟ الإجابة الراجحة هي لا، ولكن إن كنت من سكان محافظة المنيا، فربما يكون لك حظ لترى هذا المشهد.
جرعة ثقافة على عجلة شاب
عربة على شكل عجلة صغيرة تحمل المعرفة، ملونة بألوان زاهية، وأرفف تتزين بكتب قديمة ونادرة، تتنقل في الشوارع والحواري، وتترقبها عيون المارة بنظرات بين الدهشة والاستغراب والإعجاب.

واللافت كذلك، أن من يقود هذه العربة هو شاب صغير، ففي وقت يشهد ربما عزوفا عن الثقافة وانتشار للبطالة بين أوساط واسعة من الشباب، يظهر “إسلام” محاولا التغلب على البطالة بطريقته، ساعيا إلى نشر المعرفة بفكرته وعربته.
ولأننا نبحث دائمًا فيما وراء القصة، التقينا بـ “إسلام”، صاحب فكرة أول “Books Bike” في مصر، والذي بدأ قصته معنا قائلاً، إنه كان يحب القراءة منذ صغره، ولكنه كان يجد صعوبة في الحصول على بعض الكتب في المنيا، خاصة القديمة والمستعملة، فكان يسافر إلى القاهرة قاصدا سور الأزبكية لشراء احتياجاته الثقافية، ليبدأ أصدقاؤه يطلبون منه كتبًا يحضرها لهم في كل رحلة إلى هناك.
توسعة الفكرة
بعدها فكر في توسعة الفكرة، فدشن صفحة على موقع فيس بوك باسم “كتاب أنتيكا”، كان يعرض عليها الكتب بأسعار بسيطة، ويوصلها بنفسه بدراجة عادية، إيمانًا منه بأن المندوب وجهة البراند، وأنه كان يحب ألا يكون هناك حاجز بينه وبين القراء، ويكون هناك علاقة وثقة متبادلة.

ويسرد أنه في هذه الفترة عمل في مجالات متنوعة، منها مجال البيزنس والصحافة والمحاسبة، لكن في كل عمل منها كان يشعر بالعزلة، وأنه “ليس في مكانه”، وأنه يعمل مع من “يكبر حلمه” ، بينما حلمه الشخصي “مركون على جنب” بحسب وصفه.
فيحكي أنه بدأ يبحث عن كيفية افتتاح مشروع ثقافي، مشيرا إلى أن دراسته للبيزنس والتجارة ساعدته كثيرًا، فقرر فتح مكتبة في حدود إمكانياته المادية، موضحًا: “لم يكن أمامي غير مكتبة في منطقة شعبية منعزلة، ومع الوقت شعرت أنها لا تحقق هدفي فأردت أن أتطور أكثر”

وأكمل: “علشان هي في مكان منعزل شوية، كانت بعيدة عن عيون الناس، فكان لازم أدور على حل يقرب المسافات بحيث يصبح الحصول على الكتب سهلا”.
كيف بدأ؟
وعن ولادة الـ “Books Bike”، يقول إسلام: “لم تكن الـ Books Bike بشكلها الحالي وليدة اللحظة، أول ما خطر في بالي أن أتنقل بتروسيكل أو عربة عادية مثل عربات الخضار، ولكن بدأت بالبحث على الإنترنت عن المكتبات المتنقلة، فوجدت أفكارًا متعددة مميزة مطبقة في العالم الغربي، وبدأت أقتبس منها ما يناسبني ويناسب إمكانياتي المادية”.
وتابع: “حاولت أن أصممها هنا في المنيا، بس مفيش حرفي عرف يفهم فكرتي، فسافرت إلى القاهرة وشرحت فكرتي بالرسم لأحد الحرفيين في وسط البلد، واختلفنا واتفقنا كثيرًا حول التصميم، وكنت أسافر بشكل أسبوعي أتابع العمل أنا وصديقي أسامة، وكنت بقوله أنا عايز اللي يشوف التصميم يقف قدامه يقول الله من شدة الإعجاب”.

وعن أول من شجعه على الفكرة، يقول إسلام: “المشجع الأول لفكرتي هو أسامة صديقي، اللي بيني وبينه أكتر من 30 سنة، واللي كان في الأول مجرد زبون واتصاحبنا، ولما عرضت عليه الفكرة أعجب بيها بشكل كبير، ولأنه هو مثقف وهدفه نشر العلم والمعرفة بين الشباب، وحب التجربة، بينزل معايا يساعدني كل يوم”.

ردود مشجعة
وعن رد فعل الناس على التجربة، يقول: “بصراحة كل ردود الأفعال مشجعة، والناس معجبة جدًا بالفكرة، وفيه اللي بيستغربها وييجي يسأل أنت بتعمل إيه؟، ونشرح له الفكرة، ولما نشرت الصور على السوشيال ميديا، الموضوع تخطى حدود المنيا، وناس كتير من أماكن مختلفة أشادت بالفكرة، بل وصلتني تعليقات من خارج مصر من دول عربية، ناس بتدعوني أروح أطبق الفكرة عندهم.
نشر الثقافة أهم من المال
وعن أحلامه المستقبلية، يقول: “أتمنى أن أمتلك أكثر من Books Bike، وأن الفكرة تنتشر في مصر ككل، وأن نكون سبب في عودة الشباب للقراءة، لكن حلمي الأكبر أن أمتلك سلسلة مكتبات مثل مكتبات مدبولي التي بدأت بفكرة بسيطة ثم أصبحت من أشهر المكتبات التاريخية في مصر”.

ويضيف أن هدفه الأول ليس الربح المادي، قائلاً: “لو على الماديات، كان قدامي مشاريع كتير توفر ربح ودخل أكبر، بس غرضي نشر الثقافة والمعرفة”.
ويختتم حديثه لأنه يحلم أن تصبح المكتبة شيئا أساسيا في كل منزل، وأن يصبح الكتاب في متناول الجميع، داعيا الشباب إلى السعي الدائم والإعداد لاغتنام الفرص.
فكرة جادة ومبدعة وواعدة
ويعلق الدكتور عمار علي حسن، الروائي والمفكر، على تجربة “Books Bike” قائلاً: “فكرة جادة ومبدعة وواعدة، وأتمنى أن يسلك كثيرون هذا الطريق، ونحن في مصر بحاجة إلى ذلك، فمنذ أن ألف توفيق الحكيم كتابه “البرج العاجي” عام 1942، وكان يشكو فيه من سوء توزيع الكتب وأنها لا تصل إلى أماكن كثيرة جدًا في مصر، وجدد الأمر مؤتمر الأدباء الأول الذي عقد عام 1969، ووعد بحل هذه المشكلة، ولكن حتى الآن لم نجد حلولاً”.

ويضيف لـ”القصة” أن: “أغلب دور النشر موجودة في العاصمة، والكتب توزع فيها بشكل كبير، بينما الأقاليم محرومة، تذهب إليها فقط الكتب التي توزع مع بعض الصحف، بينما جهد دار النشر الخاصة ليس له سبيل إلى هذه الأماكن النائية والبعيدة، حتى الكتب المستعملة مكانها القاهرة، وقليل منها في الإسكندرية، ولا نجد هذه الظاهرة متكررة بالشكل نفسه وبالقوة ذاتها في المحافظات الأخرى”.
مثال يُحتذى
ويكمل: “لكن هذا الشاب بتجربته المميزة وطريقته للتغلب على البطالة وكسب رزق من خلال فكرة مختلفة، وهي بيع الكتب وتوفيرها بطريقة سهلة، بحيث تصبح الكتب في الأقاليم وفي متناول الجميع، ضرب مثلاً يحتذى به سوف يساعد في حل مشكلة عدم توفر الكتب في القرى والأقاليم، وأتصور أن تعميم الفكرة مهم، وهناك كثيرون يريدون القراءة لكنهم لا يصلون إلى الكتاب المطبوع”.
وسبق لي – والحديث لعمار علي حسن- أن طالبت وزارة الثقافة بتخصيص عربات ربع نقل تجوب المحافظات لإقامة عروض كتب مؤقتة في بعض القرى الكبيرة وفي بعض أحياء المدن، وقلت إن هذا مشروع مهم ولابد أن يتم.
ويشيد بإعجاب قائلا: “الآن وجدنا هذا الشاب أخذ القرار بنفسه وبدأ بهذه المبادرة وانطلق من نفسه، وأتمنى أن يحذو كثيرون حذوه ويتم دعمه وتشجيعه لا سيما أنه من العارفين بقيمة الكتاب والمعرفة”.